الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > القصاص في الطرف بعد اندمال الجرح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالقِصاصُ في الطَّرَفِ بعدَ اندِمالِ الجُرحِ:
ذهَبَ أكثرُ أهلِ العِلمِ إلى أنه لا يَجوزُ القِصاصُ في الأطرافِ إلا بعدَ أنْ تَستقرَّ الجِنايةُ بالاندِمالِ أو السِّرايةِ إلى النَّفسِ؛ لحَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه قالَ: «قضَى رَسولُ اللهِ ﷺ في رَجلٍ طعَنَ رَجلاً بقَرْنٍ في رِجلِه فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أَقِدْني، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: لا تَعجلْ حتى يَبرأَ جُرحُكَ، قالَ: فأَبَى الرَّجلُ إلا أنْ يَستقيدَ، فأقادَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ منهُ، قالَ: فعرَجَ المُسْتقيدُ وبرَأَ المُستقادُ منهُ، فأتَى المُستقيدُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ له: يا رَسولَ اللهِ عَرَجتُ وبَرأَ صاحِبي، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: ألَم آمرُكَ أنْ لا تَستقيدَ حتى يَبرأَ جُرحُكَ فعَصيتَني فأبعَدَكَ اللهُ وبطَلَ جُرحُكَ، ثمَّ أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بعدَ الرَّجلِ الذي عرَجَ مَنْ كانَ بهِ جُرحٌ أنْ لا يَستقيدَ حتى تَبرأَ جِراحتُه، فإذا بَرِئَتْ جِراحَتُه استَقادَ» (١).
وعن جابِرٍ رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قالَ: «لا يُستقادُ مِنْ الجُرحِ حتَّى يَبرأَ» (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ الانتِظارَ بالقِصاصِ مِنْ الجُرحِ حتى يَبرأَ صاحبُ الجُرحِ، وهذا رأيُ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أحمد (٧٠٣٤).
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٨٤).
العِلمِ، هكذا قالَ عطاءٌ والحَسنُ البَصريُّ ومالكٌ والثوريُّ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ .. (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ القِصاصُ في الطرَفِ إلا بعدَ اندِمالِ الجُرحِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، منهُم النخَعيُّ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ ومالكٌ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، ورُويَ ذلكَ عن عَطاءٍ والحَسنِ.
وقالَ ابنُ المُنذرِ: كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يَرى الانتِظارَ بالجُرحِ حتَّى يَبرأَ (٢).
لكنْ ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ مُخرَّجٍ ذكَرَه ابنُ قُدامةَ إلى أنه يَجوزُ استِيفاءُ القِصاصِ قبلَ الاندِمالِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ للرَّجلِ: «عَصيتَني فأبعَدَكَ اللهُ وبطَلَ جُرحُكَ»، فدَلَّ على جوازِ الاقتِصاصِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَتخرجُ لنا أنه يَجوزُ الاقتصاصُ قبلَ البُرءِ بناءً على قَولِنا: إنه إذا سَرَى إلى النَّفسِ يفعَلُ كما فعلَ، وهذا قولُ الشافِعيِّ … ولأنَّ القِصاصَ مِنْ الطرَفِ لا يَسقطُ بالسِّرايةِ، فوجَبَ أنْ يَملكَه في الحالِ كما لو بَرأَ (٣).
(١) «الإجماع» (٦٦٦)، و «الإشراف» (٧/ ٣٧٧).
(٢) «المغني» (٨/ ٢٦٩).
(٣) «المغني» (٨/ ٢٦٩)، و «البيان» (١١/ ٤١٢، ٤١٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في بيان ما يسقط القصاص بعد وجوبه
يَكُنْ مُجَازَاةً بِالْمِثْلِ، وَقَوْلُهُ: " الْحَزُّ يَقَعُ تَتْمِيمًا لِلْقَطْعِ " فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَمِّمَ لِلشَّيْءِ مِنْ تَوَابِعِهِ، وَالْحَزُّ قَتْلٌ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقَطْعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ تَمَامِهِ؟ وَإِنْ أَرَادَ الْوَلِيُّ أَنْ يَقْتُلَ بِغَيْرِ السَّيْفِ لَا يُمَكَّنُ لِمَا قُلْنَا.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص
وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.
فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.
ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.