القصاص في العظام

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > القصاص في العظام

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

القصاص في العظام - الأقوال والأدلة

القِصاصُ في العِظامِ:

نَصَّ أكثَرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ -بل حُكِيَ فيهِ الإجماعُ- على أنَّه لا قِصاصَ في كَسرِ العَظمِ ما خَلا السِّنَّ، فإذا كسَرَ الجاني عظْمَ المَجنيِّ عليهِ - في أيِّ مَوضعٍ منهُ- فإنَّ القِصاصَ لا يَجبُ فلا يُكسرُ عَظمُ الجاني بعَظمِ المَجنيِّ عليهِ، وقد نقَلَ عددٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على هذا، وإنَّما فيهِ حُكومةٌ.

واستَدلَّ العُلماءُ على ذلكَ بما رواهُ ابنُ ماجَه عن نِمران بنِ جارِيةَ عن أبيه «أنَّ رَجلًا ضرَبَ رَجلًا على ساعِدِه بالسَّيفِ فقطَعَها مِنْ غَيرِ مَفصلٍ، فاستَعدَى عليهِ النبيَّ ، فأمَرَ له بالدِّيةِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إني أريدُ القِصاصَ، فقالَ: خُذِ الدِّيةَ بارَكَ اللهُ لكَ فيها، ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ» (١).

قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: كَسرُ العَظمِ لا يَثبتُ فيه القِصاصُ بإجماعِ الأُمةِ (٢).

وقالَ الإمامُ الطحَاويُّ رحمة الله عليه: قالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: لا قِصاصَ في عَظمٍ ما خَلا السنَّ.

وقالَ الليثُ والشافِعيُّ مثلَ ذلكَ ولم يَستَثنوا السنَّ.

وقالَ ابنُ القاسمِ عن مالكٍ: عِظامُ الجَسدِ كلُّها فيها القَودُ، إلا ما كانَ مَخوفًا مثلَ الفَخذِ وما أشبَهَه فلا قوَدَ فيه، وليسَ في الهاشِمةِ قَودٌ، وكذلكَ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٦٣٦).
(٢) «البيان» (١١/ ٣٧٦).

المُنقِّلةُ، وفي الذِّراعينِ والعَضدِ والساقَينِ والقَدمينِ والكَعبينِ والأصابعِ إذا كُسرَتْ ففيها القصاصُ.

وقالَ الأوزاعيُّ: ليسَ في المَأمومةِ قِصاصٌ.

قالَ أبو جَعفرٍ: لمَّا اتَّفقوا على أنْ لا قِصاصَ في عَظمِ الرأسِ فكذلكَ سائرُ العِظامِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وذلكَ غيرُ مُمكنٍ في العِظامِ.

ورَوى حمَّادُ بنُ سَلمةَ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن ابنِ الزبيرِ «أنه اقتَصَّ مِنْ مَأمومةٍ، فأُنكرَ ذلكَ عليهِ»، وهذا يَدلُّ على أنَّ الذينَ أنكَروهُ كانوا نُظراءَه مِنْ الصَّحابةِ، وإنه لم يُنكِروهُ مِنْ طريقِ الرأيِ؛ لأنَّ ما كانَ طَريقُه الاجتهادَ لا يَجوزُ النَّكيرُ فيه (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ هذهِ الآيةَ في العَمدِ، فمَن أصابَ سِنَّ أحَدٍ عَمدًا ففيهِ القِصاصُ على حَديثٍ أنسٍ.

واختَلفَ العُلماءُ في سائرِ عِظامِ الجَسدِ إذا كُسرَتْ عَمدًا، فقالَ مالكٌ: عِظامُ الجَسدِ كلُّها فيها القَودُ إذا كُسِرتْ عَمدًا الذِّراعانِ والعَضدانِ والسَّاقانِ والقَدمانِ والكَعبانِ والأصابعِ إلا ما كانَ مَخوفًا مثلَ الفَخذِ وشبهِهِ كالمَأمومةِ والمُنقِّلةِ والهاشِمةِ والصَّلبِ، ففي ذلكَ الديةُ.

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١١٢، ١١٣)، و «أحكام القرآن» (٤/ ٩٦).

وقالَ الكُوفيُّونَ: لا قِصاصَ في عَظمٍ يُكسَرُ إلا السِّنَّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، وهو قَولُ الليثِ والشافِعيِّ، واحتَجَّ الشافِعيُّ فقالَ: إنَّ دونَ العَظمِ حائلًا مِنْ الجِلدِ ولَحمٍ وعَصَبٍ، فلو استَيقنَّا أنَّا نَكسرُ عَظمه كما كسَرَ عَظمه لا يَزيدُ عليهِ ولا يَنقصُ فَعلْناهُ، ولكنَّا لا نَصلُ إلى العَظمِ حتى نَنالَ منه ما دُونَه ممَّا ذكَرْناهُ أنا لا نَعرفُ قدْرَه ممَّا هو أقلُّ أو أكثَرُّ مما نالَ غيرهُ، وأيضًا فإنَّا لا نَقدرُ أنْ يَكونَ كَسرٌ ككَسرٍ أبدًا، فهو مَمنوعٌ.

وقالَ الطحَاويُّ: اتَّفقُوا أنه لا قِصاصَ في عَظمِ الرَّأسِ، فكذلكَ سائرُ العِظامِ.

والحجةُ لمالكٍ حَديثُ أنسٍ أنَّ النبيَّ قالَ في سِنِّ الرُّبيعِ: «كِتابُ اللهِ القِصاصُ»، فلمَّا جازَ القِصاصُ في السنِّ إذا كُسرِتْ وهيَ عَظمٌ فكذلكَ سائرُ العِظامِ، إلا عَظمًا أجمَعوا أنه لا قِصاصَ فيه؛ لخَوفِ ذَهابِ النفسِ منه، وأنه لا يُقدَرُ على الوُصولِ فيه إلى مثلِ الجِنايةِ بالسَّواءِ، فلا يَجوزُ أنْ يُفعلَ ما يُؤدِّي في الأغلبِ إلى التَلفِ إذا كانَ الجارحُ الأولُ لم يُؤَدِّ فعلُه إلى التلفِ.

وقالَ ابنُ المُنذرِ: ومَن قالَ: «لا قِصاصَ في عَظمٍ» فهو مُخالفٌ للحَديثِ، والخُروجُ إلى النَّظرِ غيرُ جائزٍ مع وُجودِ الخبَرِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قالَ مالكٌ: الأمرُ المُجتمعُ عليهِ عندَنا أنَّ مَنْ كسَرَ يدًا أو رِجلًا عَمدًا أنه يُقادُ منه ولا يُعقلُ.

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥٢٢، ٥٢٣).

قالَ أبو عُمرَ: أما اليدُ والذِّراعُ والرِّجلُ والساقُ فإذا قُطِعتِ اليدُ أو الرِّجلِ مِنْ المَفصلِ عَمدًا فلا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّ القصاصَ واجبٌ في ذلكَ.

وأما الساقُ والذِّراعُ ففيهِما يَقعُ الكَسرُ وفي سائرِ أعضاءِ الجَسدِ تَنازَعَ العُلماءُ.

فذهَبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أنَّ القِصاصَ في ذلكَ، وذكَرَ أنه أمرٌ مُجتمعٌ عليهِ عندَهم، ولم يَرَ في كَسرِ الفَخذِ قَودًا.

ورَواهُ أبو بَكرِ بنُ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، وهو رَأيُ أبيه.

قالَ ابنُ القاسمُ عن مالكٍ: عِظامُ الجَسدِ مثلُ العَجُزِ وما أشبَهَه كلُّها فيها القَودُ، إلا ما كانَ مَخوفًا عليهِ مثلَ الفَخذِ وما أشبَهَه.

قالَ: وليسَ في الهاشِمةِ ولا المُنقِّلةِ ولا المَأمومةِ قَودٌ.

قالَ: وأما الذِّراعانِ والعَضدانِ والساقانِ والقدَمانِ ففي ذلكَ كلِّه إذا كُسرَ شَيءٌ منه القَودُ …

وقالَ الليثُ بنُ سعدٍ والشافِعيُّ: لا قِصاصَ في عَظمٍ مِنْ العِظامِ لم يُكسرْ ولم يُشِنْها شَيئًا ولا ضِرسًا.

وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ: لا قِصاصَ في عَظمٍ ما خَلا السنَّ.

قالَ أبو عُمرَ: رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: «ليسَ في العِظامِ قِصاصٌ».

وعن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وعامرٍ الشَّعبيِّ والحَسنِ البَصريِّ وابنِ شهابٍ الزهريِّ وإبراهيمَ النخَعيِّ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ مثلُ ذلكَ، وهو قَولُ سُفيانَ الثوريِّ …

قالَ أبو عُمرَ: في هذا البابِ حَديثانِ مَرفوعانِ، أحَدُهما صَحيحٌ لا مَقالَ في إسنادِه، وهو حَديثُ أنسٍ، قِصةُ ثَنيةِ الرُّبيعِ.

حدَّثَنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ قالَ: حدَّثَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ قالَ: حَدَّثنا مُحمدُ بنُ وضَّاحٍ قالَ: حَدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيبةَ قالَ: حَدَّثنا أبو خالدٍ الأحمَرُ عن حُميدٍ عن أنَسٍ «أنَّ النبيَّ أمَرَ بالقِصاصِ في السِّنِّ، وقالَ: كِتابُ اللهِ ﷿ القِصاصُ».

قالَ أبو عُمرَ: هذا حَديثٌ مُختصَرٌ وليسَ فيه حُجةٌ؛ لأنه قد يُحتملُ أنْ تكونَ السِّنُّ قُلِعتْ أو سَقطَتْ مِنْ ضَربةٍ، فإذا كانَ كذلكَ فلا خِلافَ في القِصاصِ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، وإنما الخِلافُ في السنِّ تُكسَرُ هل فيها قِصاصٌ أم لا؟ وحَديثُ أنسٍ هذا مَحفوظٌ في كَسرِ السنِّ والقِصاصِ.

حدَّثَني عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأحمَدُ بنُ قاسمٍ قالَا: حَدَّثنا قاسمُ ابنُ أصبغَ قالَ: حَدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ قالَ: حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرٍ السَّهميِّ قالَ: حَدَّثني حُميدٌ عن أنسٍ «أنَّ الرُّبيِّعَ عمَّتَه كسَرَتْ ثَنيةَ جاريةٍ فطَلَبوا إليها العَفوَ فأبَوا، والأرشَ فأبَوا، فأتَوا رَسولَ اللهِ فأبَوا إلا القِصاصَ، فأمَرَ رَسولُ اللهِ بالقِصاصِ، فقالَ أنسُ

ابنُ النَّضرِ: أتُكسَرُ ثَنيةُ الربيِّعِ؟! لا والذي بعَثَكَ بالحقِّ لا تُكسَرُ ثَنيتُها، فقالَ رَسولُ اللهِ: يا أنسُ كِتابُ اللهِ القِصاصُ، ثمَّ أرضَى القَومَ فكَفُّوا، فقالَ رَسولُ اللهِ: إنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لو أقسَمَ على اللهِ لَأبرَّه» (١).

قالَ أبو عُمرَ: هذا الحَديثُ حُجةٌ لمالكٍ، وهو حَديثٌ ثابتٌ، وإذا كانَ القِصاصُ في السنِّ إذا كُسرَتْ وهي عَظمٌ فسائرُ العِظامِ كذلكَ، إلا عَظمًا اجتَمَعوا على أنه لا قِصاصَ فيه لخَوفِ ذَهابِ النَّفسِ منه، أو لأنه لا يُقدَرُ على الوُصولِ فيه إلى مِثلِ الجِنايةِ بالسَّواءِ، واللهُ أعلَمُ.

وأما الحَديثُ الآخَرُ الذي يَنفِي القِصاصَ في العِظامِ فحَدَّثَناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ قالَ: حدَّثَنا قاسمُ بنُ أصبَغَ قالَ: حَدَّثنا أحمَدُ بنُ زَهيدٍ قالَ: حَدَّثنا مُحمدُ بنُ مَنيعٍ قالَ: حَدَّثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ عن دَهثَمِ بنِ قُرَّانَ عن نَمِرانَ بنِ جاريَةَ عن أبيه «أنَّ رَجلًا ضرَبَ رَجلًا على ساعِدِه بالسيفِ مِنْ غيرِ المَفصلِ فقطَعَها، فاستَعدَى النبيَّ فأمَرَ له بالدِّيةِ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أريدُ القِصاصَ، فقالَ: خُذِ الديَةَ بارَكَ اللهُ لكَ فيها، ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ».

قالَ أبو عُمرَ: ليسَ لهذا الحَديثِ غيرُ هذا الإسنادِ، ودَهثمُ بنُ قُرَّانَ العُكليِّ ضَعيفٌ أعرابيٌّ ليسَ حَديثُه ممَّا يُحتجُّ به، ونَمِرانُ بنُ جاريةَ أعرابيٌّ أيضًا وأبوهُ جاريةُ بنُ ظَفَرٍ مَذكورٌ في الصحابةِ (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدَّمَ.
(٢) «الاستذكار» (٨/ ١٨٣، ١٨٦).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في كَسرِ ما كُسرَ منها مثلَ الساقِ والذِّراعِ هل فيه قَودٌ أم لا؟ فذهَبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أنَّ القودَ في كَسرِ جَميعِ العِظامِ إلا الفَخِذَ والصُّلبَ.

وقالَ الشافِعيُّ والليثُ: لا قِصاصَ في عَظمٍ مِنْ العِظامِ بكَسرٍ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ إلا أنه استَثنَى السنَّ.

ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه لا قِصاصَ في عَظمٍ، وكذلكَ عن عُمرَ.

قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ: ثبَتَ أنَّ النبيَّ أقادَ في السِّنِّ المَكسورةِ مِنْ حَديثِ أنسٍ، قالَ: وقد رُويَ مِنْ حَديثٍ آخرَ «أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام لم يُقِدْ مِنْ العَظمِ المَقطوعِ في غيرِ المَفصلِ»، إلا أنه ليسَ بالقَويِّ.

ورُويَ عن مالكٍ أنَّ أبا بكرِ بنَ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ أقادَ مِنْ كَسرِ الفَخذِ (١).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: والحُجةُ لمالِكٍ حَديثُ أنسٍ في السنِّ وهي عَظمٌ، فكذلكَ سائرُ العِظامِ، إلا عَظمًا أجمَعُوا على أنه لا قِصاصَ فيه لخَوفِ ذَهابِ النَّفسِ منه، قالَ ابنُ المُنذرِ: ومَن قالَ: «لا قِصاصَ في عَظمٍ» فهو مُخالِفٌ للحَديثِ، والخُروجُ إلى النظرِ غيرُ جائزٍ مع وُجودِ الخبَرِ، قلتُ: ويَدلُّ على هذا أيضًا قَولُه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣١٨).

مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقولُه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وما أجمَعُوا عليهِ فغيرُ داخلٍ في الآيِ (١).

وهذا الخِلافُ إنما هو في العَظمِ الذي تَتأتَّى فيه المُماثَلةُ، أما العِظامُ التي لا تَتأتَّى فيها المُماثلةُ ويُخشَى معَها ذَهابُ النفسِ فالإجماعُ مُنعقدٌ على عَدمِ القِصاصِ فيها.

قالَ الإمامُ الصَّنعانِيُّ رحمة الله عليه: وأما العَظمُ غيرَ السنِّ فقد قامَ الإجماعُ على أنه لا قِصاصَ في العَظمِ الذي يُخافُ منه ذَهابُ النفسِ إذا لم تَتأتَّ فيه المُماثلةُ بأنْ لا يُوقَفَ على قَدرِ الذاهِبِ (٢).

وقالَ الإمامُ الشَّوكانِيُّ رحمة الله عليه: وقد حُكيَ الإجماعُ على أنه لا قِصاصَ في العَظمِ الذي يُخافُ منه الهَلاكُ (٣).

وقالَ الحطَّابُ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ الموَّازِ: واجتَمعَا أنه لا قِصاصَ في عِظامِ العُنقِ والفَخذِ والصُّلبِ وشِبهِ ذلكَ مِنْ المُتألِّفِ في العِظامِ، وفيه العَقلُ بقَدرِ الشَّينِ، إلا الصُّلبَ ففيهِ الديَةُ، ولا شَيءَ في شَينهِ إلا أنْ يكونَ انحنَى وهو معَ ذلكَ يَقومُ، ففيهِ مِنْ الديَةِ بحِسابِ ذلكَ.

وفي كَسرِ الفَخذِ حُكومةٌ بقَدرِ الشَّينِ، وقد يَبلغُ ذلكَ أكثَرَ مِنْ الديةِ،

(١) «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٠٢).
(٢) «سبل السلام» (٣/ ٢٤٠).
(٣) «نيل الأوطار» (٧/ ١٧٠).

إلا أنْ يكونَ أشَلَّ رِجلَه فلا يَقدرُ أنْ يَمشيَ بها على الأرضِ ففيه دِيةُ الرِّجلِ كاملةً، أو يَشينُه بما يُنقصُ مَشيَه فله مِنْ الديةِ بقَدرِ ما نقَصَ منها.

وقالَ ابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: وفي الظُّفرِ القِصاصُ إنْ استُطيعَ منه القَودُ.

ابنُ الموَّازِ: اختَلفَ فيه قولُ مالكٍ، وهذا أحَبُّ إلينا.

قالَ ابنُ عَبدوسٍ: يَنبغي أنْ يكونَ الظفُرُ كسِنِّ الصبيِّ؛ لأنه يَنبتُ. انتَهى

وقالَ ابنُ الحاجِبِ: ولو بَرِئَ العظمُ الخَطِرُ على غيرِ عَثمٍ فكالخَطأِ، فلا شَيءَ فيه سِوى الأدبِ في العَمدِ، بخِلافِ العَمدِ في غيرِه فإنه يُقادُ منه وإنْ بَرئَ على غيرِ عَثمٍ. انتهى

قالَ في «التَّوضِيح»: يعني أنَّ ما لا قِصاصَ فيه لخَطرِه لو بَرئَ على غيرِ عَيبٍ فلا شيءَ فيه، أمَّا القصاصُ فلِأنها مَخوفةٌ، وأما العِوضُ فلِأنَّ الشرعَ لم يُسَمِّ، نَعم يُؤدب القاضي المُتعمَد. انتهى

فائدةٌ: قالَ عياضٌ: العَثْمُ والعَثَلُ بالميمِ واللامِ معًا والعَينُ المُهملةُ المَفتوحةُ والثاءُ المُثلثةُ مَفتوحةً مع اللامِ وساكِنةٌ مع المِيمِ، وكِلاهُما بمعنًى، وهو الأثرُ والشَّينُ. انتهى مِنْ «التَّنبيهَات».

وقالَ أبو الحَسنِ: الضِّلعُ بالضَّادِ المُعجَمةِ مَكسورةً وفَتحِ اللامِ والتَّرقوةُ بفَتحِ التاءِ وضَمِّ القافِ غيرَ مَهموزٍ: أعلَى الصَّدرِ المُتصلِ بالعُنقِ، والزَّندُ بفَتحِ الزاي وبالنونِ (١).

(١) «مواهب الجليل» (٨/ ٢٤٠)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٤٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في بيان من يستحق القصاص

الشَّرِيفَةُ نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي دَمٍ بَيْن نَفَرٍ يَعْفُو أَحَدُهُمْ عَنْ الْقَاتِلِ فَلِلْبَاقِينَ أَنْ يَتَّبِعُوا بِالْمَعْرُوفِ فِي نَصِيبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﷾ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ البقرة: ١٧٨ ، وَهُوَ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: أُوقِعَ الِاحْتِمَالُ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَقَوْلُهُ: فِي دَفْعِ الدِّيَةِ صِيَانَةُ نَفْسِ الْقَاتِلِ عَنْ الْهَلَاكِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ يَصِيرَ آثِمًا بِالِامْتِنَاعِ لَا أَنْ يَمْلِكَ الْوَلِيُّ أَخْذَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ كَمَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ، وَعِنْدَ صَاحِبِهِ طَعَامٌ يَبِيعُهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ عَنْ الشِّرَاءِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَدْفَعَ الطَّعَامَ إلَيْهِ، وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، كَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ الْمَقْتُولُ: لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَهُ بِإِكْفَاءِ وَرَثَتِهِ أَحْيَاءً، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِالْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ

(فَصْلٌ) :

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص

وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ

وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.

فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 380 - 388

ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله