الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > النوع الثاني: القصاص في الأطراف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةأنَّ العادةَ والغالِبَ حُصولُها بالحَديدِ، ولو حصَلَتْ بغيرِه لَكانَتْ جائفةً، ثم يَنتقضُ ما ذَكَروهُ بما لو أدخَلَ يَدَه في جائِفةِ إنسانٍ فخرَقَ بطْنَه مِنْ مَوضعٍ آخَرَ فإنه يَلزمُه أرشُ جائِفةٍ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه، وكذلكَ يخرجُ فيمَن أوضَحَ إنسانًا في رأسِه ثم أخرَجَ رأسَ السكِّينِ مِنْ مَوضعٍ آخَرَ فهيَ مُوضِحتانِ، فإنْ هشَمَه هاشِمةً لها مَخرجانِ فهي هاشِمتانِ، وكذلكَ ما أشبَهَه (١).
النَّوعُ الثاني: القِصاصُ في الأطرافِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَرَيانِ القِصاصِ في الأطرافِ -كما تَقدَّمَ-، فيَجبُ القِصاصُ في كلِّ ما يَنتهي منها إلى مَفصلٍ، وبَيانُ ذلكَ فيما يلي:
القِصاصُ في العَينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَرَيانِ القِصاصِ في العَينِ في العَمدِ، فتُؤخذُ العَينُ بالعَينِ، فإذا جَنَى شَخصٌ على آخَرَ فأذهَبَ عيْنَه فإنَّ القِصاصَ واجِبٌ للمَجنيِّ عليهِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥].
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ العينَ بالعَينِ … وأجمَعُوا على أنَّ في العَينينِ الدِّيةَ كامِلةً … واختَلفُوا في العينِ القائِمةِ التي لا يُبصرُ بها، واليَدِّ الشلَّاءِ، ولِسانِ الأخرَسِ، والذَّكرِ الأشلِّ، والسنِّ السَّوداءِ، فقالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ في أحَدِ قَوليهِ: فيها حُكومةٌ، وعن الشافِعيِّ قَولٌ في ذَكرِ الخَصيِّ والعِنينِ إذا قُطعَ الديَةُ كامِلةٌ، ذكَرَه الشاشيُّ، وعن أحمَدَ
(١) «المغني» (٨/ ٣٧٢).
رِواياتٌ: أظهَرُها: فيها ثلثُ الديةِ، وعن أحمَدَ رِوايةٌ: فيها حُكومةٌ، كمَذهبِ الجَماعةِ، وعن أحمَدَ رِوايةٌ ثالثةٌ: أنَّ في ذَكرِ الخَصيِّ والعِنينِ الديَةَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على القصاصِ في العَينِ، وممَّن بلَغَنا قولُه في ذلكَ مَسروقٌ والحَسنُ وابنُ سِيرينَ والشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والزُّهريُّ والثوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، ورُويَ عن عليٍّ رضي الله عنه، والأصلُ فيه قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنها تَنتهي إلى مَفصلٍ، فجَرى القِصاصُ فيها كاليَدِ، وتُؤخذُ عَينُ الشابِّ بعَينِ الكَبيرِ المَريضةِ، وعَينُ الصَّغيرِ بعَينِ الكَبيرِ والأعمَشِ، ولا تُؤخذُ صَحيحةٌ بقائِمةٍ؛ لأنه يأخُذُ أكثرَ مِنْ حقِّه.
فَصلٌ: فإنْ قلَعَ عيْنَه بأصبعِه لم يَجزْ أنْ يَقتصَّ بأصبعُه؛ لأنه لا يُمكنُ المُماثلةُ فيه، وإنْ لطَمَه فذهَبَ ضَوءُ عَينِه لم يَجُزْ أنْ يَقتصَّ منه باللَّطمةِ؛ لأنَّ المُماثلةَ فيها غيرُ مُمكِنةٍ، ولهذا لو انفَردَتْ مِنْ إذهابِ الضَّوءِ لم يَجبْ فيها قِصاصٌ، ويَجبُ القِصاصُ في البَصرِ، فيُعالَجُ بما يَذهبُ ببَصرِه مِنْ غيرِ أنْ يقلعَ عَينهُ، كما رَوى يَحيى بنُ جعدةَ «أنَّ أعرابيًّا قَدِمَ بحَلوبةٍ له إلى المَدينةِ فساوَمَه فيها مولًى لعُثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه فنازَعَه فلطَمَه ففقَأَ عيْنَه، فقالَ له عُثمانُ: هل لكَ أنْ أضعِفَ لك الديَةَ وتَعفوَ عنه؟ فأبى، فرفَعَهُما إلى عليٍّ رضي الله عنه فدعَا عليٌّ بمِرآةٍ فأحماهَا ثم وضَعَ القُطنَ على عَينِه الأخرَى ثمَّ أخَذَ المرآةَ بكلبتَينِ فأدناها مِنْ عَينِه حتَّى سالَ إنسانُ عَينِه»، وإنْ وضَعَ فيها كافورًا
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب القصاص وشرائطه
مَحْضًا فَيُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ إيجَابُ الْقِصَاصِ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَجِبْ الْأَرْشُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَالْخَطَأُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَنِّ الْفَاعِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ أَنْ يَقْصِدَ صَيْدًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَأَنْ يَقْصِدَ رَجُلًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَإِنْ قَصْدَ عُضْوًا مِنْ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْهُ فَهَذَا عَمْدٌ، وَلَيْسَ بِخَطَأٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَنَحْوَ أَنْ يَرْمِيَ إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ.
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَصِفَتَهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذِهِ صِفَاتُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ.
وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِهَا فَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِإِحْدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عُلِمَ، وَإِمَّا أَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ.
وُجُوب الْقِصَاص وَشَرَائِطه
أَمَّا الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِصَاصِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَشَرْطِ جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ:.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص
وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.
فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.
ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.