الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > سراية الجناية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءةسِرايةُ الجِنايةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإنسانَ إذا جرَحَ غيرَه فسَرَى إلى نَفسِه أنه يُؤاخَذُ بها.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وسِرايةُ الجِنايةِ مَضمونةٌ بلا خِلافٍ؛ لأنها أثرُ الجِنايةِ، والجِنايةُ مَضمونةٌ، فكذلكَ أثَرُها (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: سِرايةُ الجِنايةِ مَضمونةٌ بالاتِّفاقِ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وبالسِّرايةِ يَتبيَّنُ أنه لا مُوجبَ بهذه الجِراحةِ؛ لأنَّ عندَ السِّرايةِ يَجبُ مُوجبُ القَتلِ بالإجماعِ، وهو القِصاصُ إنْ كانَ عَمدًا، والديةُ إنْ كانَ خَطأً (٣).
النَّوعُ الثالِثُ: إبطَالُ المنافعِ بلا شَقٍّ ولا إبانةٍ:
إذا اعتَدَى إنسانٌ بالضَّربِ على آخَرَ وجنَى على مَنافعِ البدنِ، وذلكَ بإتلافِ مَنفعةِ العُضوِ معَ بقاءِ العُضوِ، كمَن اعتَدَى على غَيرِه فأتلَفَ سمْعَه أو بصَرَه أو ذوْقَه وما أشبَهَ ذلكَ فقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإنسانَ إذا جَنَى على آخَرَ جِنايةً بأنْ ضرَبَه فذهَبَ سَمعُه أو بَصرُه أو ضرَبَ يَدَه فشَلَّها أنَّ فيه الديةَ.
(١) «المغني» (٨/ ٢٦٨).
(٢) «زاد المعاد» (٤/ ١٣٩).
(٣) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٤٩).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في ذَهابِ مَنفعةِ العُضوِ، هل يُقتصُّ منه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى وُجوبِ القصاصِ في البَصرِ والسَّمعِ اتِّفاقًا، والشَمِّ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ والصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّ لها مَحالَّ مَضبوطةً ولأهلِ الخِبرةِ طُرقًا في إبطَالِها، ورُويَ «أنَّ عُثمانَ رضي الله عنه أُتِيَ برَجلٍ لطَمَ عيْنَ رَجلٍ فذهَبَ بَصرُه وعَينُه قائِمةٌ، فأرادَ عُثمانُ أنْ يُقيدَه فأعيَا ذلكَ عليهِ وعلى الناسِ، حتَّى أتَى عليًّا رضي الله عنه، فأمَرَ بالمُصيبِ فجعَلَ على عَينهِ كُرسفَ، ثمَّ استَقبلَ به عيْنَ الشمسِ وأُدنيَتْ مِنْ عَينِه مِرآةٌ فالتَمعَ بصَرُه وعَينُه قائمةٌ»، ورُويَ «أن علِيًّا رضي الله عنه أمَرَ بمِرآةٍ فأُحميَتْ ثم أُدنيَتْ فقطَعَتْ عيْنَه وبَقيتْ قائِمةً مَفتوحةً».
قالَ المالِكيةُ: مَنْ ضرَبَ إنسانًا فذهَبَ نُورُ بَصرِه والعَينُ قائمةٌ مكانَها لم تخسفْ فإنه يُفعلُ بالجاني مثلُ ذلكَ، فإنِ استَطاعَ القودَ منه على هَذهِ الصُّورةِ أُقيدَ، وإنْ لم يَستطعْ أنْ يَفعلَ به مثلَ ذلكَ فإنه يَتعينُ العَقلُ، وكذا الحُكمُ في السَّمعِ والشمِّ والذوقِ.
وكذا مَنْ ضرَبَ يَدَ شَخصٍ أو رِجلَه عَمدًا فبسَببِ تلكَ الضَّربةِ شُلَّتْ يَدُ المَضروبِ فإنه يُفعلُ بالضاربِ مثلُ ذلكَ، فإنْ شُلَّتْ يَدُ الضاربِ وإلا فالعَقلُ في مالِه دونَ العاقِلةِ، وقيَّدَ أشهَبُ هذا بما إذا كانَتِ الضربةُ بجُرحٍ فيه القَودُ، وأما إنْ ضرَبَه على رَأسِه فشُلَّتْ يَدُه فلا قوَدَ فيه وعليهِ دِيةُ اليدِ،
ولا يُنظرُ هنا لكَونِه يُستطاعُ فِعلُ الشَّللِ بدونِ الضَّربِ أم لا، ولعَلَّ الفرقَ بينَه وبينَ ما قبلَه نُدورُ الشلَلِ عن الضَّربِ، بخِلافِ ذَهابِ البَصرِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: النوعُ الثالثُ: إبطالُ المَنافعِ: وهي لا تَفوتُ بالمُباشَرةِ لها، بل تَبعًا لمَحلِّها أو لمُجاورِها، فإنْ أذهَبَ ضَوءَ عَينيهِ -بفَتحِ الضادِ وضَمِّها- بهاشِمةٍ أو نحوِها ممَّا لا قِصاصَ فيه أذهَبَه مِنْ الجاني بكافورٍ أو بتَقريبِ حَديدةٍ حاميةٍ مِنْ حَدَقتِه أو بنحوِهما، وفي الهاشِمةِ أرشُها؛ لتعذُّرِ القصاصِ فيها، وإنْ أذهَبَه بمُوضِحةٍ وكذا بلَطمةٍ تُذهِبُ الضوءَ غالبًا اقتُصَّ بمِثلِ فعلِه، فإنْ لم يَذهبْ أذهَبَه بكافورٍ أو نحوِه، فإنْ لم يُمكنْ إذهابُه إلا بإذهابِ الحَدقةِ سقَطَ القصاصُ ووجَبَتِ الديةُ؛ لأنه لا يَجوزُ أنْ يَستوفِيَ أكثَرَ مِنْ حقِّه، وتَقييدُ ما ذُكرَ بضَوءِ العَينينِ ليسَ بقَيدٍ، بل ضَوءُ إحداهُما كذلكَ، إلا في مَسألةِ اللَّطمةِ؛ لأنه ربَّما لطَمَه فأذهَبَ ضَوءَ عَينيهِ معًا، بل يُذهبُه بالمُعالَجةِ إنْ أمكَنَ، وإلا فالدِّيةُ.
والسَّمعُ والشمُّ والذوقُ والكَلامُ والبَطشُ لا العَقلُ كالبَصرِ في أنَّ إبطَالَها يُوجبُ القصاصَ بالسِّرايةِ؛ لأنَّ لها مَحالَّ مَضبوطةً ولأهلِ الخِبرةِ طُرقًا في إبطَالِها، بخِلافِ العَقلِ؛ لتعذُّرِ إزالتِه بالسِّرايةِ؛ إذ لا يُوثَقُ بالمُعالَجةِ ممَّا يُزيلُه، ولاختِلافِ الناسِ في مَحلِّه.
(١) «التوضيح» لابن الحاجب (٨/ ٩٠)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٥٣٨، ٢٣٩)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٢٠٢، ٢٠٣)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٤٣).
قالَ شَيخُ الإسلامِ زَكريَّا الأنصاريُّ رحمة الله عليه: ثمَّ ما تقرَّرَ مِنْ وُجوبِ القِصاصِ في السَّمعِ هو ما جزَمَ به الشَّيخانِ ونَقَلاهُ عن تَصحيحِ الإمامِ، قالَ ابنِ الرِّفعةُ وغيرُه: والمَذهبُ فيه المَنعُ؛ إذ هو قولُ الجُمهورِ، ونَصَّ عليهِ في «الأمِّ». انتَهى (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وذكَرَ صاحِبُ «المُهذَّب» أنه لو جنَى على رَأسِه فذهَبَ عَقلُه أو على أنفِه فذهَبَ شمُّه أو على أذنِه فذهَبَ سَمعُه فلا قِصاصَ في العقلِ والشمِّ والسمعِ، والأقرَبُ منعُ القصاصِ في العَقلِ ووُجوبُه في الشمِّ والبطشِ والذَّوقِ؛ لأنَّ لها مَحالَّ مَضبوطةً، ولأهلِ الخِبرةِ طُرقٌ في إبطَالِها، وإذا ذهَبَ الضَّوءُ بالمُوضِحةِ واقتَصَصْنا في المُوضحةِ فلَم يَذهبْ ضوءُ الجاني أُذهِبَ بأخفِّ ما يُمكِنُ، كتَقريبِ حَديدةٍ مُحمَّاةٍ مِنْ عَينَيهِ أو طَرحِ كافورٍ فيها ونحوِهما، وإنْ ذهَبَ ضوءُ الجاني حصَلَ القِصاصُ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ أوضَحَ إنسانًا أو شَجَّه دونَ مُوضحةٍ أو لطَمَه فذهَبَ ضوءُ عَينِه أو سَمعُه أو شَمُّه فإنه يُوضحُه، فإنْ ذهَبَ ذلكَ وإلا استعملَ فيه ما يُذهبُه مِنْ غيرِ أنْ يَجنيَ على حَدقتِه أو أذنِه أو أنفِه، فإنْ لم يُمكنْ إلا بالجِنايةِ على هذهِ الأعضاءِ سقَطَ القِصاصُ؛ لتعذُّرِ المُماثلةِ، وتَجبُ الديَةُ وتكونُ في مالِ الجاني لا على عاقِلتِه؛ لأنها لا تَحملُ العَمدَ.
(١) «أسنى المطالب» (٤/ ٢٥).
(٢) «روضة الطالبين» (٦/ ٢٠١)، و «البيان» (١١/ ٥٣٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وذكَرَ القاضِي أنه يُقتصُّ منه باللَّطمةِ، فيَلطمُه المَجنيُّ عليهِ مثلَ لَطمتِه، فإنْ ذهَبَ ضوءُ عَينِه وإلا كانَ له أنْ يُذهبَه بما ذكَرْنا، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وهذا لا يَصحُّ؛ فإنَّ اللطمةَ لا يُقتصُّ منها مُنفردةً، فلا يُقتصُّ منها إذا سَرَتْ إلى العينِ كالشَّجةِ إنْ كانَت دُونَ المُوضحةِ، ولأنَّ اللَّطمةَ إذا لم تَكنْ في العَينِ لا يُقتصُّ منها بمِثلِها مع الأمنِ مِنْ إفسادِ العُضوِ في العينِ، فمَع خوفِ ذلكَ أَولى، ولأنه قِصاصٌ فيما دُونَ النفسِ، فلَم يَجُزْ بغيرِ الآلة المُعدَّةِ كالمُوضحةِ.
وقالَ القاضي: لا يَجبُ القِصاصُ إلا أنْ تَكونَ اللَّطمةُ تَذهبُ بذلكَ غالبًا، فإنْ كانَت لا تَذهبُ به غالبًا فذهَبَ فهو شِبهُ عَمدٍ لا قِصاصَ فيه، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنه فعلٌ لا يُفضي إلى الفَواتِ غالبًا، فلَم يَجبْ به القِصاصُ كشِبهِ العَمدِ في النفسِ.
وقالَ أبو بَكرٍ: يَجبُ القِصاصُ بكلِّ حالٍ؛ لعُمومِ قولِه: ﴿والعين بالعين﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنَّ اللَّطمةَ إذا أسَالَتْ إنسانَ العَينِ كانَتْ بمَنزلةِ الجُرحِ، ولا يُعتبَرُ في الجُرحِ الإفضاءُ إلى التلفِ غالبًا.
فَصلٌ: فلو لطَمَ عيْنَه فذهَبَ بَصرُها وابيَضَّتْ وشخَصَتْ فإنْ أمكَنَ مُعالَجةُ عينِ الجاني حتَّى يَذهبَ بَصرُها وتَبيضَّ وتَشخصَ مِنْ غيرِ جِنايةٍ على الحَدقةِ فعلَ ذلكَ، وإنْ لم يُمكنْ إلا ذَهابُ بعضِ ذلكَ مثلَ أنْ يَذهبَ البَصرُ دونَ أنْ تَبيضَّ وتشخَصَ فعليهِ حُكومةٌ للذي لم يُمكنِ القِصاصُ فيه، كما لو جرَحَ هاشِمةً فإنه يَقتصُّ مُوضِحةً ويأخذُ أرشَ باقي جُرحِه، وعلى قولِ أبي بَكرٍ لا يُستحقُّ مع القِصاصِ أرشٌ.
وقالَ القاضي: إذا اقتَصَّ منه -يعنِي لطَمَه مثلَ لَطمتِه- فذهَبَ ضوءُ عَينِه ولم تَبيضَّ ولم تَشخصْ فإنْ أمكَنَ مُعالجتُها حتَّى تَبيضَّ وتَشخصَ مِنْ غيرِ ذَهابِ الحَدقةِ فعَلَه، وإنْ تعذَّرَ ذلكَ فلا شيءَ عليهِ، كما لو اندَملَتْ مُوضحةُ المَجنيِّ عليهِ وَحِشةً قَبيحةً ومُوضحةُ الجاني حَسنةً جَميلةً لم يَجبْ شيءٌ، كذلكَ هاهُنا، وهذا بَناهُ على أنَّ اللَّطمةَ حصَلَ بها القِصاصُ كما حصَلَ بجُرحِ المُوضحةِ، وقد بيَّنَّا فسادَ هذا.
فَصلٌ: وإنْ شَجَّه شَجةً دونَ المُوضحةِ فأذهَبَ ضوءَ عَينِه لم يقتَصَّ منه مثلَ شَجَّتِه بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه؛ لأنها لا قصاصَ فيها إذا لم يَذهبْ ضوءُ العَينِ، فكذلكَ إذا ذهَبَ، ويُعالَجُ ضوءُ العَينِ بمثلِ ما ذكَرْنا في اللَّطمةِ، وإنْ كانَتِ الشَّجةُ فوقَ المُوضحةِ فله أنْ يَقتصَّ مُوضِحةً، وهل له أرشُ الزِّيادةِ عليها؟ فيه وَجهانِ: وإنْ ذهَبَ ضوءُ العَينِ وإلا استعملَ فيه ما يُزيلُه مِنْ غيرِ أنْ يَجنيَ على الحَدقةِ، وإنْ شَجَّه مُوضِحةً فله أنْ يَقتصَّ منها، وحُكمُ القِصاصِ في البَصرِ على ما ذكَرْنا مِنْ قبلُ.
واختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ في القِصاصِ في البَصرِ في هذهِ المَواضعِ كلِّها، فقالَ بَعضُهم: لا قِصاصَ فيه؛ لأنه لا يَجبُ بالسرايةِ كما لو قطَعَ أصبعَه فسَرَى القَطعُ إلى التي تَليها فأذهَبَها عندَهم، وقالَ بَعضُهم: يَجبُ القِصاصُ هاهُنا قولًا واحدًا؛ لأنَّ ضوءَ العَينِ لا تُمكنُ مُباشَرتُه بالجِنايةِ، فيُقتصُّ منه بالسِّرايةِ كالنفسِ، فيُقتصُّ مِنْ البَصرِ كما ذكَرْنا فيما قبلَ هذا (١).
(١) «المغني» (٨/ ٢٦٠، ٢٦١)، و «المبدع» (٨/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٦٤، ٦٥).
وأما الحَنفيةُ فقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لو شَجَّ إنسانًا مُوضحةً مُتعمِّدًا فذهَبَ منها بَصرُه فلا قِصاصَ في قَولِ أبي حَنيفةَ، وفيها وفي البَصرِ الأرشُ، وقالَا: في المُوضحةِ القِصاصُ، وفي البصرِ الديةُ، هذه رِوايةُ «الجامِع الصَّغير» عن مُحمدٍ.
ورَوى ابنُ سماعةَ في نَوادرِه عنه أنَّ فيهِما جَميعًا القصاصُ.
وجهُ هذه الرِّوايةِ أنه تَولَّدَ مِنْ جِنايةِ العَمدِ إلى عُضوٍ يُمكنُ فيه القِصاصُ، فيَجبُ فيه القِصاصُ كما إذا سرَى إلى النفسِ.
وجهُ ظاهرِ قَولِهما: إنَّ تلَفَ البَصرِ حصَلَ مِنْ طَريقِ التَّسبيبِ لا مِنْ طريقِ السِّرايةِ؛ بدَليلِ أنَّ الشَّجةَ تبقَى بعدَ ذَهابِ البَصرِ، وحُدوثُ السِّرايةِ يُوجبُ تغيُّرَ الجِنايةِ، كالقَطعِ إذا سَرى إلى النفسِ أنه لا يَبقَى قَطعًا، بل يَصيرُ قتلًا، وهُنا الشَّجةُ لم تَتغيرْ، بل بَقيَتْ شَجةً كما كانَتْ، فدَلَّ أنَّ ذَهابَ البَصرِ ليسَ مِنْ طَريقِ السِّرايةِ، بل مِنْ طَريقِ التَّسبيبِ، والجنايةُ بطَريقِ التَّسبيبِ لا تُوجبُ القصاصَ كما في حَفرِ البئرِ ونحوِ ذلك …
ولو ذهبَتْ عَيناهُ ولسانُه وسَمعُه وجِماعُه فلا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ على أصلِ أبي حَنيفةَ رضي الله عنه، وعلى قَولِهما: في المُوضِحةِ القِصاصُ، ولا قِصاصَ في العَينينِ في ظاهِرِ قَولِهما، بل فيهما الأرشُ.
وعلى رِوايةِ «النَّوادر» عن مُحمدٍ: فيهِما القِصاصُ دونَ اللسانِ والسَّمعِ والجِماعِ؛ لأنه لا يُمكنُ فيهِما القِصاصُ؛ إذ لا قِصاصَ في ذَهابِ مَنفعةِ اللِّسانِ والسَّمعِ والجِماعِ في الشَّرعِ، وفي ذَهابِ البصرِ قِصاصٌ في الشريعةِ …
ولو ضرَبَ على رَأسِ إنسانٍ حتَّى ذهَبَ عَقلُه أو سَمعُه أو كَلامُه أو شَمُّه أو ذَوقُه أو جِماعُه أو ماءُ صُلبِه فلا قِصاصَ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لأنه لا يُمكنُه أنْ يَضربَ ضَربًا تَذهبُ به هذهِ الأشياءُ، فلَم يَكنِ استِيفاءُ المثلِ مُمكنًا، فلا يَجبُ القصاصُ.
وكذلكَ لو ضرَبَ على يَدِ رَجلٍ أو رِجلِه فشُلَّتْ لا قِصاصَ عليهِ؛ لأنه لا يُمكنُه أنْ يَضربَ ضَربًا مُشِلًّا، فلَم يَكنِ المِثلُ مَقدورَ الاستِيفاءِ، فلا يَجبُ القِصاصُ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٠٧، ٣٠٩).
كتاب الديات
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه
الْأَرْشِ بِمِقْدَارِهِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ الْمُقَدَّرَةِ (وَجْهُ) مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ رحمة الله عليه أَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْعَبْدِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ فَيُقَدَّرُ الْعَبْدُ حُرًّا فَمَا أَوْجَبَ نَقْصًا فِي الْعَبْدِ يُعْتَبَرُ بِهِ الْحُرُّ.
وَكَانَ الْكَرْخِيُّ رحمة الله عليه يُنْكِرُ هَذَا الْقَوْلَ وَيَقُولُ: هَذَا يُؤَدِّي إلَى أَمْرٍ فَظِيعٍ، وَهُوَ أَنْ يَجِبَ فِي قَلِيلِ الشِّجَاجِ أَكْثَرُ مِمَّا يَجِبُ فِي كَثِيرِهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُ شَجَّةِ السِّمْحَاقِ فِي الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ قِيمَتِهِ فَلَوْ أَوْجَبْنَا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ لَأَوْجَبْنَا فِي السِّمْحَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ فِي الْمُوضِحَةِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا هُوَ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَى مَا هُوَ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَهُوَ الْجَنِينُ بِأَنْ ضُرِبَ عَلَى بَطْنِ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا فَيَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامٌ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْجَنِينَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حُرًّا بِأَنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً عَلِقَتْ مِنْ مَوْلَاهَا أَوْ مِنْ مَغْرُورٍ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَإِمَّا أَنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا فَإِنْ كَانَ حُرًّا وَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ.
وَالْكَلَامُ فِي.
الْغُرَّةِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ وُجُوبِهَا وَفِي تَفْسِيرِهَا وَتَقْدِيرِهَا وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ لَهُ.
ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.