علة قتال الكفار هل هي الكفر أو الحرابة

الإسلام > الجنايات والحدود > الأصناف الذين يقاتلون > علة قتال الكفار هل هي الكفر أو الحرابة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

علة قتال الكفار هل هي الكفر أو الحرابة - الأقوال والأدلة

فلمَّا نزَلَت آيةُ الجِزيةِ أخَذَها النَّبيُّ ممَّن بَقيَ على كُفرِه من النَّصارى والمَجوسِ، ولِهذا لم يأخُذْها مِنْ يَهودِ المَدينةِ حينَ قدِم المَدينةَ ولا مِنْ يَهودِ خَيبَرَ؛ لأنَّه صالَحهم قبلَ نُزولِ آيةِ الجِزيةِ (١).

عِلةُ قِتالِ الكُفارِ هل هي الكُفرُ أو الحِرابةُ:

الذي عليه عامةُ أهلِ العِلمِ أنَّ عِلةَ قِتالِ الكُفارِ هي مُجرَّدُ كُفرِهم وليسَ حَربَهم وقِتالَهم لنا، فيَجوزُ لنا أنْ نَبدأَهم بالقِتالِ وإنْ لم يُقاتِلونا.

قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: ولا نَعلَمُ أحَدًا من الفُقهاءِ يَحظُرُ قِتالَ مَنْ اعتزَلَ قِتالَنا من المُشرِكينَ (٢).

وقالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه أيضًا: وأمَّا قَولُه: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ فإنَّه أمرٌ بقَتلِ المُشرِكينَ إذا ظفِرنا بهم، وهي عامةٌ في قِتالِ سائرِ المُشرِكينَ مَنْ قاتَلْنا منهم ومَن لم يُقاتلْنا بعدَ أنْ يَكونوا مِنْ أهلِ القِتالِ؛ لأنَّه لا خِلافَ أنَّ قَتلَ النِّساءِ والذَّراريِّ مَحظورٌ (٣).

وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: والدَّليلُ على أنَّ الكُفرَ مُهدِرٌ للدَّمِ أنَّ من لا يَحِلُّ قَتلُه من أهلِ الحَربِ كالنِّساءِ والذَّراريِّ إذا قتَلهم إنسانٌ لا يُغرَّمُ شَيئًا لوُجودِ المُهدِرِ، وما ذلك إلا الكُفرُ، والدَّليلُ عليه أنَّا أُمِرنا بقَتلِ الكُفارِ

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢١، ٢٢).
(٢) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ١٩١).
(٣) «أحكام القرآن» للجصاص (١/ ٣٢١).

لكُفرِهم، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] يَعني فِتنةَ الكُفرِ، وقالَ عليه الصلاة والسلام: «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ» (١).

وقالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: (قَولُه: وقِتالُ الكُفارِ) الذين لم يُسلِموا، وهُم من مُشرِكي العَربِ، أو لم يُسلِموا ولم يُعطُوا الجِزيةَ مِنْ غيرِهم (واجِبٌ وإنْ لم يَبدَؤُونا)؛ لأنَّ الأدِلةَ المُوجِبةَ له لم تُقيِّدِ الوُجوبَ ببَداءَتِهم، وهذا مَعنى قَولِه: (للعُموماتِ) لا عُمومِ المُكلَّفينَ؛ لأنَّه إنَّما يُفيدُ الوُجوبَ على كلِّ واحِدٍ فقط، فالمُرادُ إطلاقُ العُموماتِ في بَداءَتِهم وعَدمِها، خِلافًا لما نُقلَ عن الثَّوريِّ.

والزَّمانُ الخاصُّ كالأشهُرِ الحُرمِ وغيرِها خِلافًا لعَطاءٍ، ولقد استبعَد ما عن الثَّوريِّ وتَمسُّكِه بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ فإنَّه لا يَخفى عليه نَسخُه.

وصَريحُ قَولِه في الصَّحيحينِ وغيرِهما: «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَقولوا لا إلهَ إلا اللهُ» (٢) الحَديثَ، يُوجِبُ أنْ نَبدأَهم بأدنى تأمُّلٍ، وحاصَرَ الطائِفَ لعَشرٍ بَقَيْن من ذي الحِجةِ إلى آخِرِ المُحرَّمِ أو إلى شَهرٍ.

وقد يُستدَلُّ على نَسخِ الحُرمةِ في الأشهُرِ الحُرمِ بقَولِ اللهِ تَعالى:

(١) «المبسوط» (٢٦/ ١٣٢).
(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (١٣٤).

﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] بِناءً على التَّجوُّزِ بلَفظِ (حيثُ في الزَّمانِ)، ولا شكَّ أنَّه كثُرَ في الاستِعمالِ (١).

وقالَ الإمامُ البابَرتيُّ رحمة الله عليه: قالَ: (وقِتالُ الكُفارِ) الذين امتَنعوا عن الإسلامِ وأداءِ الجِزيةِ (واجِبٌ وإنْ لم يَبدَؤُوا بالقِتالِ للعُموماتِ) الوارِدةِ في ذلك، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] وغيرِ ذلك.

فإنْ قيلَ: العُموماتُ مُعارَضةٌ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]؛ فإنَّه يَدلُّ على أنَّ قِتالَ الكُفارِ إنَّما يَجبُ إذا بَدؤُوا بالقِتالِ.

أُجيبَ بأنَّه مَنسوخٌ، وبَيانُه أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ في الابتِداءِ مَأمورًا بالصَّفحِ والإعراضِ عن المُشرِكينَ بقَولِه: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤].

ثم أُمرَ بالدُّعاءِ إلى الدِّينِ بالمَوعِظةِ والمُجادَلةِ بالأحسَنِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الآيةَ [النحل: ١٢٥].

ثم أذِنَ بالقِتالِ إذا كانَت البَداءةُ منهم، بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الآيةَ [الحج: ٣٩]، وبقَولِه: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].

ثم أُمرَ بالقِتالِ ابتِداءً في بعضِ الأزمانِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآيةَ [التوبة: ٥].

(١) «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٤١، ٤٤٢).

ثم أُمرَ بالبَداءةِ بالقِتالِ مُطلَقًا في الأزمانِ كلِّها وفي الأماكِنِ بأسْرِها فقالَ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] الآيةَ، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيةَ (١).

وقالَ الإمامُ الزُّبيديُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «وقِتالُ الكُفارِ واجِبٌ علينا وإنْ لم يَبدَؤُونا»؛ لأنَّ قِتالَهم لو وقَفَ على مُبادأتِهم لنا لكانَ على وَجهِ الدَّفعِ، وهذا المَعنى يُوجَدَ في المُسلِمينَ إذا حصَلَ من بَعضِهم لبَعضِ الأذيةِ، وقِتالُ المُشرِكينَ مُخالِفٌ لقِتالِ المُسلِمينَ (٢).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: والأصلُ فيه أنَّ كلَّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ القِتالِ يَحِلُّ قَتلُه، سَواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتلْ، وكلُّ مَنْ لم يَكنْ من أهلِ القِتالِ لا يَحِلُّ قَتلُه إلا إذا قاتَلَ حَقيقةً أو مَعنًى بالرأيِ والطاعةِ والتَّحريضِ، وأشباهُ ذلك على ما ذكَرْنا (٣).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)[البقرة: ١٩٣] أمْرٌ بالقِتالِ لكلِّ مُشرِكٍ في كلِّ مَوضِعٍ على مَنْ رآها ناسِخةً، ومَن رآها غيرَ ناسِخةٍ قالَ: المَعنى: قاتِلوا هؤلاء الذين قالَ اللهُ فيهم: فإنْ قاتَلُوكم، والأولُ أظهَرُ وهو أمرٌ بقِتالٍ مُطلَقٍ لا بشَرطِ أنْ يَبدأَ الكُفارُ، دَليلُ ذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وقالَ عليه الصلاة والسلام: «أُمِرتُ أنْ

(١) «العناية شرح الهداية» (٧/ ٤٣٧، ٤٣٨).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٦/ ٦٦).
(٣) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٠١).

أُقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا لا إلهَ إلا اللهُ» (١). فدلَّت الآيةُ والحَديثُ على أنَّ سَببَ القِتالِ هو الكُفرُ؛ لأنَّه قالَ: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: كُفرٌ، فجعَلَ الغايةَ عَدمَ الكُفرِ، وهذا ظاهِرٌ. قالَ ابنُ عَباسٍ وقَتادةُ والرَّبيعُ والسُّديُّ وغيرُهم: الفِتنةُ هنا: الشِّركُ وما تابَعه مِنْ أذَى المُؤمِنين.

وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن الكُفرِ، إمَّا بالإسلامِ، كما تَقدَّمَ في الآية قبلُ، أو بأداءِ الجِزيةِ في حَقِّ أهلِ الكِتابِ، على ما يَأتي بَيانُه في: «بَراءةٌ» وإلا قُوتِلوا، وهُم الظالِمون لا عُدوانَ إلا عليهم (٢).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ويَجوزُ للمُسلِمِ أنْ يَقتُلَ من ظفِرَ به مِنْ مُقاتِلةِ المُشرِكينَ مُحارِبًا وغيرَ مُحارِبٍ (٣).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: وكانَ رَسولُ اللهِ وأصحابُه يَعفُونَ عن المُشرِكينَ وأهلِ الكِتابِ كما أمَرَهم اللهُ ويَصبِرونَ على الأذى.

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].

وقالَ اللهُ ﷿: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)[البقرة: ١٠٩].

(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (١٣٤).
(٢) «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٥٢، ٣٥٣).
(٣) «الأحكام السلطانية» ص (٤٣).

فكانَ رَسولُ اللهِ يَتأوَّلُ في العَفوِ عنهم ما أمَرَه اللهُ به حتى أذِنَ له فيهم، فلمَّا غَزا رَسولُ اللهِ بَدرًا فقتَلَ اللهُ بها مَنْ قتَلَ من صَناديدِ الكُفارِ وسادةِ قُريشٍ، فقَفَل رَسولُ اللهِ وأصحابُه مَنصورينَ غانِمينَ معهم أُسارى من صَناديدِ الكُفارِ وسادةِ قُريشٍ، قالَ ابنُ أُبيٍّ، ابنُ سَلولَ ومَن معه من المُشرِكينَ عَبدةِ الأوثانِ: هذا أمْرٌ قد تَوجَّه. فبايَعوا رَسولَ اللهِ على الإسلامِ فأسلَموا (١).

وقالَ علِيُّ بنُ أبي طَلحةَ عن ابنِ عَباسٍ: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] [الحجر: ٩٤] ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ [التغابن: ١٤] ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] ونَحوُ هذا في القُرآنِ ممَّا أمَرَ اللهُ به المُؤمِنينَ بالعَفوِ والصَّفحِ عن المُشرِكينَ؛ فإنَّه نَسخَ ذلك كلَّه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥] وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فنَسَخ هذا عَفوَه عن المُشرِكينَ.

وكذلك رَوى الإمامُ أحمدُ وغيرُه عن قَتادةَ قالَ: أمَرَ اللهُ نَبيَّه بأنْ يَعفُوَ عنهم ويَصفَحَ حتى يأتِيَ اللهُ بأمرِه وقَضائِه، ثم

(١) رواه البخاري (٥٨٥٤).

أنزَلَ اللهُ ﷿ «بَرَاءةٌ» فأتى اللهُ بأمرِه وقَضائِه فقالَ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيةَ، قالَ: فنَسخَت هذه الآيةُ ما كانَ قبلَها، وأمَرَ اللهُ فيها بقِتالِ أهلِ الكِتابِ حتى يُسلِموا أو يُقرُّوا بالجِزيةِ صَغارًا ونِقمةً لهم.

وكذلك ذكَرَ موسى بنُ عُقبةَ عن الزُّهريِّ: أنَّ النَّبيَّ لمْ يَكنْ يُقاتِلُ مَنْ كَفَّ عن قِتالِه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)[النساء: ٩٠] إلى أنْ نزَلَت «بَرَاءَةٌ».

وجُملةُ ذلك أنَّه لمَّا نَزلَت «بَرَاءَةٌ» أمَرَ أنْ يَبتدئَ جَميعَ الكُفارِ بالقِتالِ وَثَنيَّهم وكِتابِيَّهم سَواءٌ كَفُّوا عنه -أي عن قِتالِه- أو لم يَكفُّوا، وأنْ يَنبِذَ إليهم تلك العُهودَ المُطلَقةَ التي كانَت بينَه وبينَهم، وقيلَ له فيها: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] بعدَ أنْ كانَ قد قيلَ له: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [لقمان: ٤٨].

ولهذا قالَ زَيدُ بنُ أسلَمَ: نَسخَت هذه الآيةُ ما كانَ قبلَها، فأمَّا قبلَ «بَرَاءَةٌ» وقبلَ بَدرٍ فقد كانَ مَأمورًا بالصبْرِ على أذاهم والعَفوِ عنهم، وأمَّا بعدَ بَدرٍ وقبلَ «بَرَاءَةٌ» فقد كانَ يُقاتِلُ مَنْ يُؤذِيه ويُمسِكُ عمَّن سالَمَه كما فعَلَ بابنِ الأشرَفِ وغيرِه ممَّن كانَ يُؤذِيه، فبَدرٌ كانَت أساسَ عِزِّ الدِّينِ، وفَتحُ مَكةَ كانَت كَمالَ عِزِّ الدِّينِ، فكانُوا قبلَ بَدرٍ يَسمَعونَ الأذَى الظاهِرَ ويُؤمَرونَ بالصبْرِ عليه، وبعدَ بَدرٍ يُؤذَوْن في السِّرِّ من جِهةِ المُنافِقينَ

وغيرِهم، فيُؤمَرون بالصبْرِ عليه، وفي تَبوكَ أُمِروا بالإغلاظِ للكُفارِ والمُنافِقينَ، فلم يَتمكَّنْ بَعدَها كافِرٌ ولا مُنافِقٌ من أذاهم في مَجلِسٍ خاصٍّ ولا عامٍّ، بل ماتَ بغَيظِه لعِلمِه بأنَّه يُقتَل إذا تَكلَّمَ، وقد كانَ بعدَ بَدرٍ لليَهودِ استِطالةٌ وأذًى للمُسلِمينَ إلى أنْ قُتلَ كَعبُ بنُ الأشرَفِ.

قالَ مُحمدُ بنُ إسحاقَ في حَديثِه عن مُحمدِ بنِ مَسلَمةَ قالَ: «فأصبَحنا وقد خافَت يَهودٌ لوَقعَتِنا بعَدُوِّ اللهِ، فليسَ بها يَهوديٌّ إلا وهو يَخافُ على نَفسِه».

ورَوى بإسنادِه عن مُحيِّصةَ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «مَنْ ظفِرتم به من رِجالِ يَهودَ فاقتُلُوه»، فوثَبَ مُحيِّصةُ بنُ مَسعودٍ على ابنِ سُليمةَ -رَجلٌ من تُجَّارِ يَهودَ، كانَ يُلابِسُهم ويُبايِعُهم- فقتَله، وكانَ حُويِّصةُ بنُ مَسعودٍ إذْ ذاك لم يُسلِمْ، وكانَ أسَنَّ من مُحيِّصةَ، فلمَّا قتَله جعَلَ حُويِّصةُ يَضرِبُه ويَقولُ: أيْ عَدوَّ اللهِ، قتَلتَه؟! أمَا واللهِ لرُبَّ شَحمٍ في بَطنِك من مالِه، فوَاللهِ إنْ كانَ لأوَّلَ إسلامِ حُويِّصةَ، فقالَ مُحيِّصةُ: فقُلتُ له: واللهِ لقد أمَرَني بقَتلِه مَنْ لو أمَرَني بقَتلِك لضَربتُ عُنقَك، فقالَ: لو أمَرَك مُحمدٌ بقَتلِي لقتَلتَني؟ فقالَ مُحيِّصةُ: نَعمْ واللهِ، فقالَ حُويِّصةُ: واللهِ إنَّ دِينًا بلَغ هذا منكَ لعَجبٌ.

وذكَرَ غيرُ ابنِ إسحاقَ: أنَّ اليَهودَ حذَرَت وذلَّت وخافَت من يَومِ قَتلِ ابنِ الأشرَفِ، فلمَّا أتَى اللهُ بأمرِه الذي وعَدَه مِنْ ظُهورِ الدِّينِ وأعَزَّ المُؤمنين أمَرَ رَسولَه بالبَراءةِ إلى المُعاهَدينَ وبقِتالِ المُشرِكينَ كافةً وبقِتالِ أهلِ الكِتابِ حتى يُعطوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغِرونَ.

فكانَ ذلك عاقبةَ الصبْرِ والتَّقوى اللَّذينِ أمَرَ اللهُ بهما في أولِ الأمرِ، وكانَ إذْ ذاك لا يُؤخَذُ من أحَدٍ من اليَهودِ الذين بالمَدينةِ، ولا غيرِهم جِزيةٌ، وصارَت تلك الآياتُ في حَقِّ كلِّ مُؤمِنٍ مُستضعَفٍ لا يُمكِنُه نَصرُ اللهِ ورَسولِه بيَدِه ولا بلِسانِه فيَنتصِرُ بما يَقدِرُ عليه من القَلبِ ونَحوِه، وصارَت آيةُ الصَّغارِ على المُعاهَدين في حَقِّ كلِّ مُؤمِنٍ قَويٍّ يَقدِرُ على نَصرِ اللهِ ورَسولِه بيَدِه أو لسانِه.

وبهذه الآيةِ ونَحوِها كانَ المُسلِمونَ يَعمَلون في آخِرِ عُمرِ رَسولِ اللهِ وعلى عَهدِ خُلفائِه الراشِدين، وكذلك هو إلى قيامِ الساعةِ لا تَزالُ طائِفةٌ من هذه الأُمةِ قائِمين على الحَقِّ يَنصُرون اللهَ ورَسولَه النَّصرَ التَّامَّ.

فمَن كانَ من المُؤمِنينَ بأرضٍ هو فيها مُستضعَفٌ أو في وَقتٍ هو فيه مُستضعَفٌ فليَعمَلْ بآيةِ الصبْرِ والصَّفحِ عمَّن يُؤذي اللهَ ورَسولَه من الذين أُوتُوا الكِتابَ والمُشرِكينَ.

وأمَّا أهلُ القُوةِ؛ فإنَّما يَعمَلون بآيةِ قِتالِ أئِمةِ الكُفرِ الذين يَطعَنون في الدِّينِ وبآيةِ قِتالِ الذين أُوتوا الكِتابَ حتى يُعطوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغِرونَ (١).

وقد ذكَرَ الإمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه في مَراحلِ تَشريعِ الجِهادِ فقالَ:

فأقامَ -أي: النَّبيُّ بِضعَ عَشرةَ سَنةً بعدَ نُبوَّتِه يُنذِرُ بالدَّعوةِ بغيرِ قِتالٍ ولا جِزيةٍ، ويُؤمَرُ بالكَفِّ والصبْرِ والصَّفحِ، ثم أذِنَ له في

(١) «الصارم المسلول» (٢/ ٤١٠، ٤١٤).

الهِجرةِ، وأذِنَ له في القِتالِ، ثم أمَرَه أنْ يُقاتِلَ مَنْ قاتَلَه ويَكُفَّ عمَّن اعتزَلَه ولم يُقاتلْه، ثم أمَرَه بقِتالِ المُشرِكينَ حتى يَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ أيضًا -بعدَ أنْ ذكَرَ مَرحلةَ الصَّفحِ والعَفوِ ثم مَرحلةَ الإذنِ بالقِتالِ-: ثم فرَضَ عليهم القِتالَ بعدَ ذلك لمَن قاتَلَهم دونَ مَنْ لم يُقاتلْهم فقالَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠].

ثم فرَضَ عليهم قِتالَ المُشرِكينَ كافةً، وكانَ مُحرَّمًا ثم مَأذونًا به ثم مَأْمورًا به لمَن بدَأهم بالقِتالِ ثم مَأْمورًا به لجَميعِ المُشرِكينَ (٢).

وقالَ الإمامُ الشَّوكانَيُّ رحمة الله عليه: فالمُشرِكُ سَواءٌ حارَبَ أو لم يُحارِبْ مُباحُ الدَّمِ ما دامَ مُشرِكًا (٣).

(١) «زاد المعاد» (٣/ ١٥٩).
(٢) «زاد المعاد» (٣/ ٧١).
(٣) «السيل الجرار» (٤/ ٣٦٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحرابة
الباب الخامس بماذا تثبت الحرابة

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَظْهَرَ لِجِيرَانِهِ. وَإِنْ أَتَى الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ إِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامُ. وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بِأَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.

وَأَمَّا صِفَةُ الْمُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.

وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ.

وَالثَّالِثُ: كَيْفَمَا كَانَتْ، لَهُ فِئَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا امْتَنَعَ، فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ - فَقِيلَ: لَهُ الْأَمَانُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ. وَقِيلَ: لَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَمَّنُ الْمُشْرِكُ.

وَأَمَّا مَا تُسْقِطُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الْحِرَابَةِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 79 - 88

ارجع إلى الأصناف الذين يقاتلون للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله