الإسلام > الجنايات والحدود > الذين لا يجوز قتلهم قصدا من الكفار الحربيين > النساء والصبيان والمجانين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةفصل في الذين لا يَجوزُ قَتلُهم قَصدًا من الكُفارِ الحَربيِّين
نَصَّ الفُقهاءُ على عَدمِ جَوازِ قَصدِ قَتلِ مَنْ يَلي في القِتالِ إلا أنْ يَكونوا من أهلِ القِتالِ.
والذينَ لا يَجوزُ قَتلُهم هُمْ:
١ - النِّساءُ والصِّبيانُ والمَجانينُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ في الجِهادِ قَصدُ قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ والمَجانينِ والخُنثى المُشكِلِ إلا أنْ يَكونوا من أهلِ القِتالِ.
وذلك لما رُوي عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «وُجِدت امرأةٌ مَقتولةٌ في بعضِ مَغازِي رَسولِ اللهِ ﷺ فنَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أجمَع العُلماءُ على العَملِ بهذا الحَديثِ وتَحريمِ قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ إذا لم يُقاتِلوا؛ فإنْ قاتَلُوا قالَ جَماهيرُ العُلماءِ يُقتَلون (٢).
(١) رواه البخاري (٢٨٥٢)، ومسلم (١٧٤٤).
(٢) «شرح مسلم» للنووي (١٢/ ٤٨).
وقالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الأزْديُّ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: أمَّا المَجنونُ فلا يَنبَغي أنْ يَكونَ فيه خِلافٌ أنَّه لا يُقتَل، لا سيَّما إنْ كانَ كذلك بلَغَ، فهو غيرُ مُكلَّفٍ باتِّفاقٍ، ولا يَنطلِقُ عليه وَصفُ الكُفرِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ عندَ جَميعِ العُلماءِ قَصدُ قَتلِ نِساءِ الحَربيِّينَ ولا أطفالِهم؛ لأنَّهم ليسُوا ممَّن قاتَلَ في الغالِبِ. وقالَ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] وبذلك حكَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ في مَغازيه أنْ تُقتَلَ المُقاتِلةُ وتُسبَى الذُّرِّيةُ؛ لأنَّهم مالٌ للمُسلِمينَ إذا سُبُوا.
واتَّفقَ الجُمهورُ على أنَّ النِّساءَ والصِّبيانَ إذا قاتَلُوا قُتِلوا، وهو قَولُ مالِكٍ واللَّيثِ وأبي حَنيفةَ والثَّوريِّ والأَوزاعيِّ والشافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ.
وقالَ الحَسنُ البَصريُّ: إنْ قاتلَت المَرأةُ وخرَجَت معهم إلى ديارِ المُسلِمينَ فلتُقتَل، وقد قتَلَ رَسولُ اللهِ يَومَ قُريظةَ والخَندَقِ (٢) … ، وقتَلَ يَومَ الفَتحِ قَينتَيْن كانَتا تُغنِّيان بهِجاءِ رَسولِ اللهِ (٣).
ومن الأدِلةِ على جَوازِ قَتلِ المَرأةِ إذا قاتَلَت، ما رَواه رَباحُ بنُ رَبِيعٍ قالَ: كنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في غَزوةٍ فرأى الناسَ مُجتمِعينَ على شَيءٍ،
(١) «الإنجاد» ص (٢١٤).
(٢) طَمسٌ بالأصلِ.
(٣) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٥/ ١٧٠).
فبعَثَ رَجلًا فقالَ: «انظُرْ عَلامَ اجتمَع هؤلاء»، فجاءَ، فقالَ: على امَرأةٍ قَتيلٍ، فقالَ: «ما كانَت هذه لتُقاتِلَ» (١).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: لو قاتَلَت المَرأةُ جازَ أنْ تُقتَلَ بالاتِّفاقِ؛ لوُجودِ المَعنى فيها الذي جعَلَ اللهُ ﷾ ورَسولُه ﷺ عَدمَه مانِعًا من قَتلِها بقَولِه ﷺ: «ما كانَت هذه لتُقاتِلَ» (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولو وقَفَت امرأةٌ في صَفِّ الكُفارِ أو على حِصنِهم فشَتمَت المُسلِمينَ أو تَكشَّفت لهم جازَ رَميُها قَصدًا؛ لِما رَوى سَعيدٌ حدَّثَنا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ عن أيُّوبَ عن عِكرِمةَ قالَ: لمَّا حاصَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الطائِفِ أشرَفت امرأةٌ فكشَفَت عن قُبُلِها، فقالَ: «ها دُونَكم فارمُوها»، فرَماها رَجلٌ من المُسلِمينَ فما أخطأ ذلك منها، ويَجوزُ النَّظرُ إلى فَرجِها للحاجةِ إلى رَميِها؛ لأنَّ ذلك من ضَرورةِ رَميِها، وكذلك يَجوزُ رَميُها إذا كانَت تَلتقِطُ لهم السِّهامَ أو تَسقيهمُ الماءَ أو تُحرِّضُهم على القِتالِ؛ لأنَّها في حُكمِ المُقاتِلِ، وهكذا الحُكمُ في الصَّبيِّ والشَّيخِ وسائرِ من مُنِع من قَتلِه منهم (٣).
وقد نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ التَّعرُّضَ لسَبِّ الإسلامِ والمُسلِمينَ كالمُشارَكةِ في القِتالِ فيُقتَلنَ به.
(١) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٦٦٩)، وأحمد (١٦٠٣٥)، وابن حبان (١١/ ١١٢).
(٢) «الصارم المسلول» (٢/ ٥١٥).
(٣) «المغني» (٩/ ٢٣١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى الذين لا يجوز قتلهم قصدا من الكفار الحربيين للاطلاع على جميع المسائل.