ضمان ما أتلفه البغاة لأهل العدل

الإسلام > الجنايات والحدود > الشروط المعتبر توفرها في قتال البغاة > ضمان ما أتلفه البغاة لأهل العدل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ضمان ما أتلفه البغاة لأهل العدل - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: فإنْ أتلَفَ ذلكَ أهلُ العَدلِ .. لم يَلزمْهم ضَمانُه بلا خِلافٍ؛ لأنهُم مأمورُونَ بقتالِهم، والقتالُ يَقتضي إتلافَ ذلكَ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: لا يَضمنُ أهلُ العَدلِ ما أتلَفوهُ على أهلِ البَغيِ بالتأويلِ باتِّفاقِ العُلماءِ (٢).

وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: ولا يَضمنُ أهلُ العَدلِ ما أتلَفوهُ عليهِم حالَ الحَربِ مِنْ نَفسٍ أو مالٍ بلا نِزاعٍ (٣).

ضَمانُ ما أتلَفَه البُغاةُ لأهلِ العَدلِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما أتلَفَه البُغاةُ لأهلِ العَدلِ، هل يَضمنونَه أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجبُ عليهِم ضَمانُ ما أتلَفوهُ لأهلِ العَدلِ، كما لا يَضمنُ أهلُ العَدلِ ما أتلَفوهُ للبُغاةِ حالَ الحَربِ؛ «لأنَّ عليًّا لم يُضمِّنِ البُغاةَ ما أتلَفُوه حالَ الحَربِ مِنْ نَفسٍ ومالٍ» (٤)، ولأنهم طائفةٌ مُتأوِّلةٌ، فلا تَضمنُ كأهلِ العَدلِ، ولأنه ذو مَنعةٍ في حَقِّنا، وأما الإثمُ فإنه لا مَنعةَ له في حقِّ الشارعِ، ولأنَّ تَضمينَهم يُفضِي إلى تَنفيرِهم عن الرُّجوعِ إلى الطاعةِ؛ لِما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ بإسنادِه عن الزهريِّ أنَّ سُليمانَ بنَ هِشامٍ كتَبَ إليه يَسألُه عن امرأةٍ خرَجَتْ مِنْ عندِ زوجِها وشَهدَتْ على قَومِها بالشِّركِ ولَحِقتْ

(١) «البيان» (١٢/ ٢٩).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ١٧١).
(٣) «الإنصاف» (١٠/ ٣١٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٥٩).
(٤) ضَعِيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٤٥٣)، رقم (٢٩٥٢).

بالحَروريةِ فتَزوَّجتْ، ثم إنها رجَعَتْ إلى أهلِها تائبةً، قالَ: فكَتبَ إليه: أما بعدُ، فإنَّ الفِتنةَ الأُولى ثارَتْ وأصحابُ رَسولِ اللهِ مَنْ شَهِدَ بَدرًا كَثيرٌ، فاجتَمعَ رَأيُهم على ألا يُقيمُوا على أحَدٍ حَدًّا في فَرجٍ استَحلُّوه بتَأويلِ القُرآنِ، ولا قِصاصًا في دمٍ استَحلُّوه بتَأويلِ القُرآنِ، ولا يُرَدُّ مالٌ استَحلُّوه بتأويلِ القُرآنِ، إلا أنْ يُوجَدَ شَيءٌ بعَينِه، فيُرَدُّ على صاحبِه، وإني أَرى أنْ تُرَدَّ على زوجِها، وأنْ يُحَدَّ مِنْ افتَرى عليها»، ومثلُه لا يَكذبُ، فانعَقدَ الإجماعُ مِنْ الصَّحابةِ رضي الله عنهم على ما قُلنا وإنه حُجةٌ قاطِعةٌ.

والمَعنى في المَسألةِ ما نبَّهَ عليهِ الصَّحابةُ رضي الله عنهم، وهو أنَّ لهم في الاستِحلالِ تَأويلًا في الجُملةِ وإنْ كانَ فاسِدًا، لكنْ لهم مَنعةٌ، والتأويلُ الفاسدُ عندَ قِيامِ المَنعةِ يَكفي لرَفعِ الضَّمانِ كتأويلِ أهلِ الحَربِ، ولأنَّ الوِلايةَ مِنْ الجانبَينِ مُنقطِعةٌ؛ لوُجودِ المَنعةِ، فلَم يكنِ الوُجوبُ مُفيدًا لتعذُّرِ الاستيفاءِ، فلَم يَجبْ، ولو فَعَلوا شَيئًا مِنْ ذلكَ قبلَ الخُروجِ وظُهورِ المَنعةِ أو بعدَ الانهزامِ وتَفرُّقِ الجَمعِ يُؤخَذونَ به؛ لأنَّ المَنعةَ إذا انعَدمَتِ الولايةُ وبَقيَ مُجرَّدُ تأويلٍ فاسِدٍ، فلا يُعتبَرُ في دَفعِ الضَّمانِ.

ولو قتَلَ تاجرٌ مِنْ أهلِ العَدلِ تاجرًا آخَرَ مِنْ أهلِ العَدلِ في عَسكرِ أهلِ البَغيِ، أو قتَلَ الأسيرُ مِنْ أهلِ العَدلِ أسيرًا آخَرَ أو قطَعَ ثم ظهَرَ عليهِ فلا قِصاصَ عليهِ؛ لأنَّ الفِعلَ لم يَقعْ مُوجِبًا؛ لتعذُّرِ الاستيفاءِ وانعِدامِ الوِلايةِ، كما لو قطَعَ في دارِ الحَربِ؛ لأنَّ عَسكرَ أهلِ البغيِ في حقِّ انقطاعِ الولايةِ ودارَ الحَربِ سَواءٌ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٤١، ١٤٢)، و «الهداية» (٢/ ١٧٢)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ١٠٦)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٥٣)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٨١٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٢٦٦، ٢٦٧)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٠٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٢٧٩)، و «البيان» (١٢/ ٢٩)، و «المغني» (٩/ ٩)، و «الإنصاف» (١٠/ ٣١٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٥٩).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ولهذا كانَ جمهورُ العُلماءِ كأبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمَدَ في أصَحِّ الرِّوايتينِ والشافِعيِّ في أحَدِ القَولينِ على أنَّ أهلَ البَغيِ المُتأوِّلينَ لا يَضمنونَ ما أتلَفوهُ على أهلِ العَدلِ بالتأويلِ، كما لا يَضمنُ أهلُ العَدلِ ما أتلَفوهُ على أهلِ البغيِ بالتأويلِ باتِّفاقِ العُلماءِ.

وكذلكَ أصَحُّ قَولَي العُلماءِ في المُرتدِّينَ، فإنَّ المُرتدَّ والباغيَ المُتأوِّلَ والمُبتدِعَ كلُّ هؤلاء يَعتقدُ أحَدُهم أنه على حقٍّ فيَفعلُ ما يَفعلُه متأوِّلًا، فإذا تابَ مِنْ ذلكَ كانَ كتَوبةِ الكافرِ مِنْ كُفرِه، فيُغفرُ له ما سلَفَ ممَّا فعَلَه مُتأوِّلًا، وهذا بخِلافِ مَنْ يَعتقدُ أنَّ ما يَفعلُه بَغيٌ وعُدوانٌ، كالمُسلمِ إذا ظلَمَ المُسلمَ، والذِّميِّ إذا ظلَمَ المُسلمَ، والمُرتدِّ الذي أتلَفَ مالَ غيرِه وليسَ بمُحاربٍ، بل هو في الظاهرِ مُسلمٌ أو مُعاهدٌ، فإنَّ هَؤلاءِ يَضمنونَ ما أتلَفوهُ بالاتفاقِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في القَديمِ إلى أنه يَجبُ عليهم ضَمانُ ما أتلَفوهُ مِنْ نَفسٍ أو مالٍ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، والباغي ظالِمٌ، فوجَبَ أنْ يكونَ عليهِ السلطانُ، وهو القِصاصُ، فيَضمنونَ، ولقَولِ أبي بكرٍ رضي الله عنه: «تَدُونَ قَتلانَا ولا نَدِي -مِنْ الدِّيةِ- قَتلاكُم»، ولأنها نُفوسٌ وأموالٌ مَعصومةٌ أُتلفَتْ بغيرِ حَقٍّ ولا ضَرورةِ دَفعِ

(١) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ١٧١، ١٧٢).

مُباحٍ، فوجَبَ ضَمانُه، كالتي أُتلفَتْ في غيرِ حالِ الحربِ، ولأنَّ الضَّمانَ يَجبُ على آحادِ أهلِ البغيِ، فوجَبَ أنْ يكونَ على جَماعتِهم.

وإنهم لمَّا ضَمنوهُ إذا لم يَمتنِعوا ضَمنوهُ وإنِ امتَنَعوا كأهلِ الحِرابةِ، ولأنه لمَّا كانَ القِتالُ مَحظورًا عليهم كانَ ما حدَثَ عنه مَضمونًا كالجِناياتِ، كما أنَّ القِتالَ لمَّا وجَبَ على أهلِ العَدلِ كانَ ما حدَثَ عنه غيرَ مَضمونٍ كالحُدودِ؛ لفَرقِ ما بينَ الواجبِ والمَحظورِ (١).

وإذا خَرَجوا فأصابوا الدِّماءَ والأموالَ ثم تابوا ورَجَعوا وُضعَتِ الدماءُ عنهُم، ويُؤخذُ منهم ما وُجدَ بأيدِيهم مِنْ مالٍ بعَينِه، وما استَهلكوهُ لم يُتبَعوا به ولو كانوا أملياءَ؛ لأنهم مُتأوِّلونَ، بخِلافِ المُحاربينَ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهل يَتحتَّمُ قتلُ الباغي إذا قتَلَ أحَدًا مِنْ أهلِ العَدلِ في غيرِ المَعركةِ؟ فيه وَجهانِ:

أحَدُهما: يَتحتمُ؛ لأنه قتَلَ بإشهارِ السِّلاحِ وللسَّعيِ في الأرضِ بالفسادِ، فيُحتَّمُ قتلُه كقاطعِ الطَّريقِ.

والثاني: لا يَتحتمُ، وهو الصَّحيحُ؛ لقَولِ عليٍّ رضي الله عنه: «إنْ شِئتُ أنْ أعفُوَ وإنْ شِئتُ استَقدْتُ»، فأما الخوارِجُ فالصَّحيحُ على ما ذكَرْنا إباحةُ قَتلِهم، فلا قِصاصَ على قاتلِ أحَدٍ منهم ولا ضَمانَ عليهِ في مالِه (٣).

(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٠٦)، و «المهذب» (٢/ ٢٢٤)، و «البيان» (١٢/ ٢٩، ٣٠).
(٢) «التاج والإكليل» (٥/ ٣٠٥)، و «منح الجليل» (٩/ ٢٠٣).
(٣) «المغني» (٩/ ٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب استيفاء القصاص

يقدم القطع، وان كان متأخرا، لان اليد ينقص بنقصان الاصبع: والنفس لا تنقص بنقصان اليد (فرع)

إذا قتل رجلا وارتد أو قطع يمين رجل وسرق، قدم حق الادمي من القتل والقطع لانه مبنى على التشديد، وحق الله مبنى على المسامحة.

وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:

باب استيفاء القصاص

من ورث المال ورث الدية، لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر رضى الله عنه يقول: لا ترث المرأة من دية زوجها، حتى قال له الضحاك ابن قيس: كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ورث امرأة أشيم الضبابي

من دية زوجها، فرجع عمر رضى الله عنه عن ذلك " ويقضي من الدية دينه وينفذ منها وصيته.

وقال أبو ثور.

لا يقضى منها الدين ولا ينفذ منها الوصية، لانها تجب بعد الموت، والمذهب الاول، لانه مال يملكه الوارث من جهة فقضى منه دينه، ونفذت منه وصيته كسائر أمواله.

ومن ورث المال ورث القصاص، والدليل عليه ماروى أبو شريح الكعبي " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ثم أنتم يا خراعة قد قلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " وإن قطع مسلم طرف مسلم ثم ارتد ومات في الردة، وقلنا بأصح القولين انه يحب القصاص في طرفه، فقد نقل المزني أنه قال يقتص وليه المسلم، وقال المزني رحمه الله: لايقتص غير الامام لان المسلم لا يرثه، فمن أصحابنا من قال لايقتص غير الامام كما قال المزني، وحمل قول الشافعي رحمة الله عليه على الامام وقال عامة أصحابنا يقتص المناسب، لان القصد من القصاص التشفي ودرك الغيظ والذي يتشفى هو المناسب، ويجوز أن يثبت القصاص لمن لا يرث شيئا،

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 24 - 27

ارجع إلى الشروط المعتبر توفرها في قتال البغاة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده