الإسلام > الجنايات والحدود > الشروط المعتبر توفرها في قتال البغاة > هل يقاتل الخوارج على رأيهم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةهل يُقاتَلُ الخَوارجُ على رَأيِهم:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ عَلى أنه لَو أظهَرَ قَومٌ رأيَ الخَوارجِ فتَجنَّبوا الجَماعاتِ وسَبُّوا السلَفَ وكفَّروهُم وقالوا: «مَنْ أتَى بكَبيرةٍ خرَجَ مِنْ المِلَّةِ واستَحقَّ الخُلودَ في النارِ»، ولكنَّهم لم يَخرُجوا مِنْ قَبضةِ الإمامِ فإنه لا يَجوزُ قتالُهم.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فإذا اعتَقدَ قومٌ رأيَ الخَوارجِ وظهَرَ مُعتقَدُهم على ألسِنتِهم وهُم بينَ أهلِ العَدلِ غيرُ منابِذينَ لهم ولا مُتجرِّئينَ عليهِم تُرِكوا على حالِهم ولم يَجُزْ قَتلُهم ولا قتالُهم، ولم يُؤخَذُوا جَبْرًا بالانتقالِ عن مَذهبِهم والرُّجوعِ عن تَأويلِهم، وعُدلَ إلى مُناظَرتِهم وإبطالِ شُبهتِهم بالحُججِ والبَراهينَ وإنْ كانُوا عليهَا مُقرِّينَ، فقدْ أقَرَّهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام قبلَ أنْ يَعتزِلوه وسَمِعَ قائلَهم يقولُ: «لا حُكمَ إلا للهِ» تَعريضًا به في تَحكيمِه يَومَ صِفِّينَ، فقالَ عليٌّ: «كَلمةُ حَقٍّ أريدَ بها باطِلٌ»، وهذا أحسَنُ جوابٍ لمَن عرَّضَ بمثلِ هذا القَولِ، ثم قالَ: «لكُم علينا ثَلاثٌ: لا نَمنعُكم مَساجدَ اللهِ أنْ تَذكُروا فيها اسمَ اللهِ، ولا نَمنعُكم الفيءَ ما دامَتْ أيديكُم مَعَنا، ولا نَبدؤُكم بقتالٍ»، فجعَلَ هذهِ الأحكامَ فيهم كهيَ في أهلِ العَدلِ، واقتَضى في ذلكَ سيرةَ رسولِ اللهِ ﷺ في المُنافقينَ في كفِّه عنهم مع عِلمِه بمُعتقَدِهم لتَظاهُرِهم بطاعَتِه مع استِبطانِ مَعصيتِه.
فإنْ صرَّحَ الخوارجُ بسبِّ الإمامِ وسبِّ أهلِ العَدلِ عُزِّروا؛ للأذَى وذَبًّا عن مَنصبِ الإمامةِ، وإنْ عَرَّضوا به مِنْ غيرِ تَصريحٍ ففي تَعزيرِهم
وَجهانِ: أحَدُهما: لا يُعزَّرونَ؛ لأنَّ عليًّا لم يُعزِّرْ مَنْ عرَّضَ؛ لفرقِ ما بينَ التعريضِ والتصريحِ.
والثاني: أنهم يُعزَّرونَ؛ لأنَّ الإقرارَ على التعريضِ مُفضٍ إلى التصريحِ، فكانَ التعزيرُ حاسِمًا لِما بعدَه مِنْ التَّصريحِ (١).
وقالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ أظهَرَ قَومٌ رأيَ الخَوارجِ فتَجنَّبوا الجَماعاتِ وسَبُّوا السلَفَ وكفَّروهُم، وقالَوا: «مَنْ أتى بكَبيرةٍ .. خرَجَ مِنْ الملَّةِ واستَحقَّ الخلودَ في النارِ» ولكنَّهم لم يَخرُجوا مِنْ قَبضةِ الإمامِ .. فإنه لا يُقاتِلُهم في ذلكَ، كما روينَاهُ في الرَّجلِ الذي قالَ لعليٍّ على بابِ المَسجدِ وعليُّ رضي الله عنه وأرضاهُ يَخطبُ: «لا حُكمَ إلا للهِ» وكانَ خارِجيًّا؛ لأنَّ هذا مِنْ كَلامِهم.
ورُوِيَ: أنه حُملَ ابنُ مُلجمٍ إلى عَليٍّ رضي الله عنه وأرضاهُ وقيلَ له: إنه يُريدُ أنْ يَقتلَكَ، فلَم يَقتلْه، وكانَ ابنُ مُلجمٍ خارِجيًّا.
ورُوِيَ: أنَّ عامِلًا لعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ رضي الله عنه كتَبَ إليه: أنَّ قَومًا يَرَونَ رأيَ الخوارجِ، يُسبُّونَكَ، فقالَ: إذا سَبُّوني .. سُبُّوهم، وإذا حَمَلوا السلاحَ فاحمِلُوا عليهِم السلاحَ، وإذا ضَرَبوا .. فاضرِبوهُم.
وإنْ سَبُّوا الإمامَ أو غيرَه .. عُزِّروا، وإنْ عَرَّضوا بسَبِّ الإمامِ .. ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يُعزَّرونَ؛ «لأنَّ عليًّا رضي الله عنه وأرضاه صَلَّى الفَجرَ فسَمعَ
(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ١١٨).
رجلًا خلْفَه مِنْ الخَوارجِ يَقولُ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ورفَعَ بها صَوتَه تعريضًا له بذلكَ، فأجابَه عليٌّ رضي الله عنه وأرضاهُ وكانَ في الصلاةِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]، ولم يُعزِّرْه»، ولأنَّ التعريضَ يَحتملُ السَّبَّ وغيرَه.
والثَّاني: يُعزَّرونَ؛ لأنه إذا لم يُعزِّرْهم بالتعريضِ بالسبِّ .. ارتَقَوا إلى التصريحِ بالسبِّ وإلى أعظَمَ منه.
فإنْ بعَثَ إليهم الإمامُ واليًا فقتَلَوهُ .. وجَبَ عليهِم القصاصُ؛ لِما رُوِي: «أنَّ عليًّا رضي الله عنه وأرضاهُ بعَثَ عبدَ اللهِ بنَ خبَّابٍ إلى أهلِ النهرَوانِ واليًا، فسَلَّموا وأطاعوا، ثم قَتَلوهُ، فبعَثَ إليهم أنِ ابعَثُوا بقاتلِه، فأبوا وقالُوا: كُلُّنا قتَلَه، فسارَ إليهِم وقاتَلَهم».
وهل يَتحتمُ القِصاصُ على القاتلِ؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يَتحتمُ؛ لأنه قتَلَ بتَشهيرِ السِّلاحِ، فصارَ بمَنزلةِ قاطعِ الطَّريقِ.
والثاني: لا يَتحتمُ؛ لأنه لم يَقصدْ بذلكَ إخافةَ الطريقِ وأخْذَ الأموالِ، فأشبَهَ مَنْ قتَلَ رَجلًا مُنفردًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا أظهَرَ قومٌ رأيَ الخوارجِ مثلَ تَكفيرِ مَنْ ارتَكبَ كَبيرةً وتَركِ الجَماعةِ واستِحلالِ دماءِ المُسلمينَ وأموالِهم إلا أنهُم لم يَخرُجوا عن قَبضةِ الإمامِ ولم يَسفِكوا الدمَ الحَرامَ فحكَى القاضي عن أبي بكرٍ أنه لا يَحلُّ بذلكَ قَتلُهم ولا قتالُهم، وهذا قولُ أبي
(١) «البيان» (١٢/ ٣٦، ٣٧).
حَنيفةَ والشافِعيِّ وجُمهورِ أهلِ الفقهِ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ، فعَلى هذا حُكمُهم في ضمانِ النَّفسِ والمالِ حُكمُ المُسلمينَ.
وإنْ سَبُّوا الإمامَ أو غيرَه مِنْ أهلِ العَدلِ عُزِّروا؛ لأنهم ارتَكَبوا مُحرَّمًا لا حَدَّ فيه، وإنْ عَرَّضوا بالسَّبِّ فهلْ يُعزَّرونَ؟ على وَجهين، وقالَ مالكٌ في الإباضِيةِ وسائرِ أهلِ البِدعِ: يُستتابونَ، فإنْ تابوا وإلا ضُربَتْ أعناقُهم، قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: رَأى مالكٌ قتْلَ الخَوارجِ وأهلِ القَدرِ مِنْ أجْلِ الفسادِ الداخلِ في الدِّينِ كقطَّاعِ الطريقِ، فإنْ تابوا وإلا قُتِلوا على إفسادِهم.
وأما مَنْ رَأى تَكفيرَهم فمُقتضَى قَولِه: «إنهُم يُستتابونَ، فإنْ تابوا وإلا قُتِلوا لكُفرِهم كما يُقتلُ المُرتدُّ»، وحُجَّتُهم قولُ النبيِّ ﷺ: «فأينَما لَقيتُموهُم فاقتُلوهُم»، وقولُه عليه السلام: «لَئِنْ أدرَكْتُهم لَأقتُلنَّهم قتْلَ عادٍ»، وقولُه ﷺ في الذي أنكَرَ عليهِ وقالَ: «إنها لَقِسمةٌ ما أُريدَ بها وَجهُ اللهِ» لأبي بَكرٍ: «اذهَبْ فاقُتلْه، ثم قالَ لعُمرَ مثلَ ذلكَ»، فأمَرَ بقَتلِه قبلَ قِتالِه، وهو الذي قالَ: «يَخرجُ مِنْ ضِئضِئ هذا قَومٌ» يَعني الخَوارجَ، وقولُ عُمرَ لصُبيغٍ: «لو وجَدتُكَ مَحلوقًا لَضرَبتُ الذي فيه عَيناكَ بالسَّيفِ» يعني لَقتَلتُكَ، وإنما يَقتلُه لكَونِه مِنْ الخَوارجِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «سِيماهُم التَّسبيدُ» يعني حلْقَ رُؤوسِهم.
واحتَجَّ الأوَّلونَ بفِعلِ عليٍّ رضي الله عنه، فإنه رُويَ عنه «أنه كانَ يَخطبُ يَومًا، فقالَ رَجلٌ ببابِ المَسجدِ: لا حُكمَ إلا للهِ، فقالَ عليٌّ: كَلمةُ حَقٍّ أريدَ بها باطِلٌ، ثم قالَ: لكُم علينا ثَلاثٌ: لا نَمنعُكم مَساجدَ اللهِ أنْ تَذكُروا فيها اسمَ اللهِ تعالَى، ولا نَمنعُكم الفَيءَ ما دامَتْ أيديكُم معَنا، ولا نَبدؤُكم
بقِتالٍ» (١)، ورَوى أبو يَحيى قالَ: «صلَّى عليٌّ رضي الله عنه صَلاةً فناداهُ رَجلٌ مِنْ الخَوارجِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابَه عليٌّ رضي الله عنه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]».
وكتَبَ عَديُّ بنُ أرطَأةَ إلى عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: إنَّ الخَوارجَ يَسبُّونَكَ، فكتَبَ إليه: إنْ سَبُّوني فسُبُّوهم أو اعفُوا عنهُم، وإنْ شَهَروا السِّلاحَ فاشهرُوا عليهِم، وإنْ ضَرَبوا فاضرِبُوا، ولأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَتعرَّضْ للمُنافِقينَ الذينَ معه في المَدينةِ، فلَأنْ لا يُتعرَّضَ لغَيرِهم أَولى، وقد رُويَ في خبَرِ الخارِجيِّ الذي أنكَرَ عليهِ أنَّ خالِدًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ ألَا أضرِبُ عُنقَه؟ قالَ: لعلَّه يُصلِّي، قالَ: رُبَّ مُصَلٍّ لا خيرَ فيه، قالَ: إني لم أُومَرْ أنْ أنقِّبَ عن قُلوبِ الناسِ (٢).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: رَأى مالِكٌ قتْلَ الخَوارجِ وأهلِ القَدرِ مِنْ أجْلِ الفَسادِ الداخلِ في الدِّينِ، وهو مِنْ بابِ الفَسادِ في الأرضِ، وليسَ إفسادُهم بدُونِ فسادِ قطَّاعِ الطريقِ والمُحارِبينَ للمُسلمينَ على أموالِهم، فوجَبَ بذلكَ قَتلُهم، إلا أنه يَرى استِتبابتَهم لعَلَّهم يُراجِعونَ الحقَّ، فإنْ تَمادَوا قُتِلوا على إفسادِهم لا على كُفرٍ.
(١) ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٧١)، وذكره ابن جرير الطبري في «تاريخه» (٤/ ٥٣) معلقًا.
(٢) «المغني» (٩/ ٧، ٨)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٢٧٢)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٦٠، ٣٦١).
قالَ أبو عُمرَ: هذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ الذين يَرَونَ قتْلَهم واستِتابتَهم، ومنهُم مَنْ يَقولُ: «لا يُتعرَّضُ لهم باستِتابةٍ ولا غيرِها ما استَتَروا ولم يَبغُوا ويُحارِبوا»، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأصحابِهما وجُمهورِ أهلِ الفقهِ وكَثيرٍ مِنْ أهلِ الحَديثِ.
قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه في كِتابِ قتالِ أهلِ البغيِ: لو أنَّ قَومًا أظهَرُوا رأيَ الخَوارجِ وتَجنَّبوا جَماعةَ المُسلمينَ وكفَّروهُم لم تَحلَّ بذلكَ دِماؤُهم ولا قِتالُهم؛ لأنهُم على حُرمةِ الإيمانِ، حتى يَصيروا إلى الحالِ التي يَجوزُ فيها قِتالُهم، مِنْ خُروجِهم إلى قِتالِ المسلمينَ وإشهارِهم السلاحَ وامتِناعِهم مِنْ نُفوذِ الحقِّ عليهِم، وقالَ: بلَغَنا «أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ بينَما هو يَخطبُ إذ سَمعَ تَحكيمًا مِنْ ناحِيةِ المَسجدِ، فقالَ: ما هذا؟ فقيلَ: رَجلٌ يَقولُ: لا حُكمَ إلا للهِ، فقالَ عليٌّ رضي الله عنه: كَلمةُ حَقٍّ أُريدَ بها باطِلٌ، لا نَمنعُكم مَساجدَ اللهِ أنْ تَذكُروا فيها اسمَ اللهِ، ولا نَمنعُكم الفَيءَ ما كانَتْ أيدِيكُم مع أيدِينا، ولا نَبدؤُكم بقِتالٍ».
قالَ: وكتَبَ عَديٌّ إلى عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أنَّ الخوارِجَ عندَنا يَسبُّونَكَ، فكتَبَ إليه عُمرُ: إنْ سَبُّوني فسُبُّوهم أو اعفُوا عنهم، وإنْ شَهَروا السلاحَ فأشهِرُوا عليهِم، وإنْ ضَرَبوا فاضرِبوا».
قالَ الشافِعيُّ: وبهذا كلِّه نَقولُ، فإنْ قاتَلونَا على ما وصَفْنا قاتَلناهُم، فإنِ انهَزَموا لم نَتبعُهم ولم نُجهِزْ على جَريحِهم.
قالَ أبو عُمرَ: قَولُ مالكٍ في ذلكَ ومَذهبُه عندَ أصحابِه في أنْ لا يُتبعَ مُدبِرٌ مِنْ الفئةِ الباغيةِ ولا يُجهزَ على جَريحٍ كمَذهبِ الشافِعيِّ سواءٌ،
ارجع إلى الشروط المعتبر توفرها في قتال البغاة للاطلاع على جميع المسائل.