من الذي يقيم الحد

الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > من الذي يقيم الحد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

من الذي يقيم الحد - الأقوال والأدلة

زَجرِ غيرِهم، وقد كتَبَ عُمرُ إلى أبي عُبَيدةَ أنْ يَجلِدَ من شَربَ الخَمرَ ثَمانينَ وهو بالشامِ وهو من الثُّغورِ (١).

مَنْ الذي يُقيمُ الحَدَّ:

من المُتَّفقِ عليه بينَ الفُقهاءِ أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُقيمَ الحَدَّ إلا الإمامُ أو نائِبُه؛ سَواءٌ كانَ الحدُّ حقًّا للهِ تَعالى كحَدِّ الزِّنا، أو لآدميٍّ كحَدِّ القَذفِ؛ لأنَّه يَفتقِرُ إلى الاجتِهادِ، ولا يُؤمَنُ فيه الحَيفُ، فوجَبَ أنْ يُفوَّضَ إلى الإمامِ، ولأنَّ النَّبيَّ كانَ يُقيمُ الحُدودَ في حَياتِه، وكذا خُلفاؤُه مِنْ بَعدِه، ويَقومُ نائِبُ الإمامِ فيه مَقامَه (٢).

لكنْ ما الحُكمُ إذا لم يُوجَدَ إمامٌ للناسِ، أو وُجدَ لكنَّه كافِرٌ فهل يَجوزُ حينَئذٍ للقُضاةِ الشَّرعيِّينَ إذا تَوافَرت شُروطُهم أنْ يُقيموا الحُدودَ أو لا؟

قد نَصَّ بعضُ الفُقهاءِ على أنَّ مَنْ تَمكَّن مِنْ فِعلِ ذلك جازَ له أنْ يُقيمَ الحُدودَ.

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: خاطَب اللهُ المُؤمِنينَ بالحُدودِ والحُقوقِ خِطابًا مُطلَقًا، كقَولِه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] وقَولِه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] وقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ

(١) «المغني» (٩/ ٢٨٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٣٤٢)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ١٧٢).
(٢) «مواهب الجليل» (٦/ ١٣٧)، و «شرح ابن بطال» (٨/ ٢٢٤، ٢٢٥)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٩)، و «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٧٥، ١٧٦).

لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] وكذلك قَولُه: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] لكنْ قد عُلمَ أنَّ المُخاطَب بالفِعلِ لا بدَّ أنْ يَكونَ قادِرًا عليه، وأنَّ العاجِزينَ لا يَجبُ عليهم، وقد عُلمَ أنَّ هذا فَرضٌ على الكِفايةِ، وهو مِثلُ الجِهادِ بل هو نَوعٌ من الجِهادِ، فقَولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ وقَولُه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وقَولُه: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩] ونَحوُ ذلك هو فَرضٌ على الكِفايةِ من القادِرينَ.

والقُدرةُ هي السُّلطانُ، فلِهذا وجَبَ إقامةُ الحُدودِ على ذي السُّلطانِ ونُوابِه، والسُّنةُ أنْ يَكونَ للمُسلِمينَ إمامٌ واحِدٌ والباقونَ نُوابُه، فإذا فُرضَ أنَّ الأُمةَ خرَجَت عن ذلك لمَعصيةٍ من بَعضِها وعَجزٍ مِنْ الباقِينَ أو غيرِ ذلك، فكانَ لها عِدةُ أئِمةٍ؛ لكانَ يَجبُ على كلِّ إمامٍ أنْ يُقيمَ الحُدودَ ويَستوفيَ الحُقوقَ، ولِهذا قالَ العُلماءُ: إنَّ أهلَ البَغيِ يَنفُذُ من أحكامِهم ما يَنفُذُ من أحكامِ أهلِ العَدلِ، وكذلك لو شارَكوا الإمارةَ وصاروا أحزابًا لوجَبَ على كلِّ حِزبٍ فِعلُ ذلك في أهلِ طاعَتِهم، فهذا عندَ تَفرُّقِ الأُمراءِ وتَعدُّدِهم، وكذلك لو لمْ يَتفرَّقوا لكنَّ طاعَتَهم للأميرِ الكَبيرِ ليسَت طاعةً تامةً؛ فإنَّ ذلك أيضًا إذا أُسقِطَ عنه إلزامُهم بذلك لمْ يَسقُطْ عنهم القيامُ بذلك، بل عليهم أنْ يُقيموا ذلك، وكذلك لو فُرضَ عَجزُ بعضِ الأُمراءِ عن إقامةِ الحُدودِ والحُقوقِ، أو إضاعَتُه لذلك، لكانَ ذلك الفَرضُ على القادِرِ عليه، وقَولُ من قالَ: لا يُقيمُ الحُدودَ إلا السُّلطانُ ونُوَّابُه إذا كانُوا قادِرينَ فاعِلينَ بالعَدلِ، كما يَقولُ الفُقهاءُ: الأمرُ إلى الحاكِمِ إنَّما هو العادِلُ القادِرُ، فإذا كانَ مُضيِّعًا لأموالِ اليَتامى أو عاجِزًا عنها لم يَجبْ تَسليمُها إليه مع إمكانِ

حِفظِها بدُونِه، وكذلك الأميرُ إذا كانَ مُضيِّعًا للحُدودِ أو عاجِزًا عنها لم يَجبْ تَفويضُها إليه مع إمكانِ إقامَتِها بدونِه.

والأصلُ أنَّ هذه الواجباتِ تُقامُ على أحسَنِ الوُجوهِ؛ فمَتى أمكَن إقامَتُها من أميرٍ لمْ يُحتَجْ إلى اثنَينِ، ومَتى لمْ تَقمْ إلا بعَددٍ ومِن غيرِ سُلطانٍ أُقيمَت إذا لمْ يَكنْ في إقامَتِها فَسادٌ يَزيدُ على إضاعَتِها؛ فإنَّها من بابِ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ؛ فإنْ كانَ في ذلك من فَسادِ وُلاةِ الأمرِ أو الرَّعيةِ ما يَزيدُ على إضاعَتِها لم يُدفَعْ فَسادٌ بأفسَدَ منه، واللهُ أعلَمُ (١).

مَنْ له حقٌّ في بَيتِ المالِ أو الغَنيمةِ وظفِرَ بشَيءٍ من بَيتِ المالِ أو الغَنيمةِ هل يَحِلُّ له أخْذُه أو لا؟

نَصَّ جَماهيرُ العُلماءِ من فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ مَنْ له حقٌّ في بَيتِ المالِ أو الغَنيمةِ وظفِرَ بشَيءٍ منه؛ فإنَّه يَحِلُّ له أخْذُه دِيانةً.

وإليكَ نَصَّ كَلامِ الفُقهاءِ بالتَّفصيلِ في هذه المَسألةِ:

قالَ الإمامُ ابنُ عابدِين رحمة الله عليه: مَطلَبٌ فيمَن له حقٌّ في بَيتِ المالِ وظفِرَ بشَيءٍ من بَيتِ المالِ.

ونُقلَ في «القنيةِ» عن الإمامِ الوَبريِّ: أنَّ مَنْ له حَظٌّ في بَيتِ المالِ ظفِرَ بما له وَجهٌ لبَيتِ المالِ فله أنْ يأخُذَه دِيانةً. اه.

ونَظَمه في «الوَهبانيةِ» وفي «البَزَّازيةِ» قالَ الإمامُ الحَلوانيُّ: إذا كانَ عِندَه وَديعةٌ فماتَ المُودِعُ بلا وارِثٍ فله أنْ يَصرِفَ الوَديعةَ إلى نَفسِه في زَمانِنا؛

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٧٥، ١٧٦).

لأنَّه لو أعطاها لبَيتِ المالِ لضاعَتْ؛ لأنَّهم لا يَصرِفونَه مَصارِفَه، فإذا كانَ مِنْ أهلِه صرَفه إلى نَفسِه وإلا صرَفَه إلى المَصرِفِ. اه.

وقدَّمَ الشارِحُ هذا في بابِ العُشرِ من كِتابِ الزَّكاةِ وظاهِرُه أنَّ مَنْ له حَظٌّ في بَيتِ المالِ بكَونِه فَقيرًا أو عالِمًا أو نَحوَ ذلك ووُجدَ ما مَرجِعُه إلى بَيتِ المالِ من أيِّ بَيتٍ من البُيوتِ الأربَعةِ الآتيةِ في آخِرِ الجِزيةِ له أخْذُه دِيانةً بطَريقِ الظَّفرِ في زَمانًا، ولا يَتقيَّدُ أخْذُه بأنْ يَكونَ مَرجِعُ المأخوذِ إلى البَيتِ الذي يَستحِقُّ منه وإلا فمَصرِفُ تَركِه بلا وارِثٍ، ولُقَطةٌ هو لقِيطُ فَقيرٍ وفَقيرٌ لا وَليَّ له.

وقَولُه: فإذا كانَ مِنْ أهلِه، أي: مِنْ أهلِ بَيتِ المالِ غيرَ مُقيَّدٍ بكَونِه مِنْ أهلِ ذلك البَيتِ كما هو ظاهِرُ كَلامِ الوَبريِّ أيضًا؛ لأنَّه لو تَقيَّدَ بذلك لزِمَ ألَّا يَأخذَ مُستحِقٌّ شَيئًا؛ لأنَّ بَيتَ المالِ في زَمانِنا غيرُ مُنتظِمٍ وليسَ فيه بُيوتٌ مُرتَّبةٌ ولو رَدَّ ما وجَده إلى بَيتِ المالِ لزِمَ ضياعُه لعَدمِ صَرفِه الآنَ في مَصارِفِه كما حَرَّرناه في بابِ العُشرِ من الزَّكاةِ.

فعلى هذا إذا اشتَرى جاريةً من الغَنيمةِ؛ فإنْ كانَ ممَّن يَستحِقُّ من الخُمسِ جازَ له صَرفُها إلى نَفسِه بطَريقِ استِحقاقِه من الخُمسِ، وإنْ لمْ يَكنْ مُستحِقًّا منه وله استِحقاقٌ من غيرِه كالعالِمِ الغَنيِّ يَنبَغي له أنْ يُملِّكَها لفَقيرٍ مُستحِقٍّ من الخُمسِ ثم يَشتريَها منه أو يُملِّكَه خُمسَها فقط ثم يَشتريَه منه؛ لأنَّه لو صرَفها إلى نَفسِه يَبقى فيها الخُمسُ فلا يَحِلُّ له وَطؤُها لكنْ قد يُقالُ: إنَّ الغَنيمةَ بعدَ الإحرازِ صارَت مُشترَكةً بينَ الغانِمينَ وأصحابِ الخُمسِ، وقد مَرَّ أنَّ مَنْ ماتَ بعدَ الإحرازِ يُورَثُ نَصيبُه ولكنْ لمَّا جُهِل

أصحابُ الحُقوقِ وانقطَعَ الرَّجاءُ من مَعرِفَتِهم صارَ مَرجِعُها إلى بَيتِ المالِ وانقطَعَت الشَّركةُ الخاصةُ وصارَت من حُقوقِ بَيتِ المالِ كسائرِ أموالِ بَيتِ المالِ المُستحَقةِ لعامةِ المُسلِمينَ استِحقاقًا لا بطَريقِ المِلكِ؛ لأنَّ من ماتَ وله حقٌّ في بَيتِ المالِ لا يُورَثُ حَقُّه منه بخِلافِ الغَنيمةِ المُحرَزةِ قبلَ جَهالةِ مُستحِقِّيها وتَفرُّقِهم؛ فإنَّها شَرِكةٌ خاصةٌ، وحيثُ صار مَرجِعُها بَيتَ المالِ لم يَبقَ فيها حقُّ الخُمسِ أيضًا، فلِمَن يَستحِقُّ من بَيتِ المالِ أنْ يَتملَّكَها لنَفسِه هذا ما ظهَرَ لي.

وقد رأيتُ رِسالةً لمُحقِّقِ الشافِعيةِ السَّيِّدِ السَّمهوديِّ قالَ فيها: وقد كانَ شَيخُنا الوالِدُ قد شَرى لي أمَةً للتَّسرِّي فذاكَرَ شَيخَنا العَلَّامةَ مُحقِّقَ العَصرِ الجَلالَ المَحليَّ في أمرِ الغَنائمِ والشِّراءِ من وَكيلِ بَيتِ المالِ فقالَ له شَيخُنا الوالِدُ: نحن نَتملَّكُها بطَريقِ الظَّفرِ لما لنا من الحَقِّ الذي لا نَصِلُ إليه في بَيتِ المالِ؛ لأنَّ تلك الجاريةَ على تَقديرِ كَونِها من غَنيمةٍ لم تُقسَمْ قِسمةً شَرعيةً قد آلَ الأمرُ فيها إلى بَيتِ المالِ لتَعذُّرِ العِلمِ بمُستحِقِّيها، فقالَ شَيخُنا المَحليُّ: نَعمْ، لكم فيه حُقوقٌ من وُجوهٍ. اه.

وهذا مُوافِقٌ لما نَقَلناه عن القِنيةِ وعن البَزَّازيةِ، واللهُ أعلَمُ (١).

وأمَّا المالِكيةُ، فقالَ الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: وليسَ منه -أي: من الغُلولِ المُحرَّمِ- أخْذُ قَدرِ ما يَستحِقُّ منها إذا كانَ الأميرُ جائِرًا لا يَقسِمُ قِسمةً شَرعيةً؛ فإنَّه يَجوزُ إنْ أمِنَ على نَفسِه، ثم قالَ بعدَ ذلك: وجازَ أخذُ

(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٥٩)، و «البحر الرائق» (٩/ ٢٠).

مُحتاجٍ من الغانِمينَ ولو لمْ تَبلغْ حاجَتُه الضَّرورةَ، سَواءٌ أذِنَ له الإمامُ أو لم يَأذنْ، ما لم يَمنَعِ الإمامُ من ذلك.

قالَ الدُّسوقيُّ مُعلِّقًا على قَولِه: فلا يَجوزُ أنْ يَأخذَ إذا مَنَع الإمامُ: لكنَّ الذي في المُدوَّنةِ: ولو نَهاهم الإمامُ ثم اضطُرُّوا إليه جازَ لهم أخْذُه، ولا عِبرةَ بنَهيِه، قالَ أبو الحَسَنِ: لأنَّ الإمامَ إذ ذاك عاصٍ، قالَ البَنانيُّ: وأخْذُ المُحتاجِ من الغَنيمةِ مَحَلُّ جَوازِه إذا أخَذَه على وَجهِ الاحتياجِ، لا على وَجهِ الخِيانةِ، وكانَ أخَذَ على نِيَّةِ رَدِّه، وأنْ يَكونَ المَأخوذُ مُعتادًا لمِثلِه، لا حِزامًا كأحزِمةِ المُلوكِ فلا يَجوزُ أخْذُه (١).

وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ منهم الجَملُ في «حاشِيَتِه»: وظاهِرُ أنَّ مَنْ له حقٌّ في بَيتِ المالِ يَجوزُ له تَملُّكُ الأمَةِ بطَريقِ الظَّفرِ؛ لأنَّ المَرجِعَ فيها حينَئذٍ إلى بَيتِ المالِ للجَهلِ بالمُستحِقِّين، وفي كَلامِ التاجِ ابنِ الفِركاحِ: أنَّ الغُلولَ في الغَنيمةِ يَحرُمُ ما دامَت الغَنيمةُ تُقسَمُ على الوَجهِ المَشروعِ، فإذا تَغيَّر الحالُ جازَ لمَن ظفِرَ بقَدرِ حَقِّه وبما دونَه أنْ يَأخذَ به ويَكتُمَه. اه.

ومُقتَضاه جَوازُ الأخذِ ظَفرًا في الغَنيمةِ فَضلًا على بَيتِ المالِ.

لكنَّ المُصنِّفَ نقَلَ في المَجموعِ عن الغَزاليِّ وأقرَّه أنَّه لو لم يَدفَعِ السُّلطانُ إلى كلِّ المُستحِقِّين حُقوقَهم من بَيتِ المالِ فهل يَجوزُ لأحدِهم أخْذُ شَيءٍ من بَيتِ المالِ؟ فيه أربَعةُ مَذاهبَ:

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/ ١٨٠)، و «منح الجليل» (٣/ ١٥٥).

أحَدُها: لا يَجوزُ؛ لأنَّه مُشترِكٌ ولا يَدري حِصَّتَه منه أهو حَبَّةٌ أو دانَقٌ أو غيرُهما، قالَ الغَزاليُّ: وهذا غُلوٌّ لا يَجوزُ.

والثانِي: يَأخذُ لكُلِّ يَومٍ ما يَكفيه.

والثالِثُ: كِفايةُ سَنةٍ.

والرابِعُ: يَأخذُ ما يُعطَى وهو حَقُّه والباقونَ مَظلومونَ، قالَ: وهذا هو القياسُ؛ لأنَّه ليسَ مشتَرَكًا كالغَنيمةِ والمِيراثِ؛ لأنَّ ذلك مِلكٌ له حتى لو ماتوا قُسِم بينَ ورَثتِهم، وهذا لا يَستحِقُّ وارِثُه شَيئًا، وهذا إذا صرَفَ إليه ما يَليقُ صَرفُه إليه. اه.

وبالأوَّلِ جزَمَ ابنُ عبدِ السَّلامِ في قَواعِدِه، ومُقتَضاه إلحاقُ ذلك بالأموالِ المُشترَكةِ وأنَّ الأخْذَ ظَفرًا ممَّا يُستحَقُّ في بَيتِ المالِ لا يَجوزُ وإنْ مُنعَ المُتكلَّمُ في أمرِه المُستحَقَّ، ونقَلَ الزَّركشيُّ عن ابنِ عبدِ السَّلامِ مَنعَ ذلك، وهو مُوافِقٌ لما سبَقَ عنه مِنْ مَنعِ الأخْذِ حيثُ لمْ يَدفَعِ السُّلطانُ إلى كلِّ المُستحِقِّين حُقوقَهم.

وفي فَتاوى المُصنِّفِ أنَّ السُّلطانَ إذا أَعطى رَجلًا من الجُندِ من المَغنَمِ شَيئًا؛ فإنْ لم يَكنِ السُّلطانُ خمَّسَه ولمْ يَقسِمِ الباقيَ قِسمةً شَرعيةً وجَبَ الخُمسُ في الذي صارَ إلى هذا، ولا يَحِلُّ له الانتِفاعُ بالباقي حتى يُعلَمَ أنَّه حصَلَ لكلٍّ من الغانِمينَ قَدرُ حِصَّتِه من هذا؛ فإنْ تَعذَّرَ عليه صَرفُ ما صارَ إليه إلى مُستحِقِّه لزِمَه دَفعُه إلى القاضي كسائرِ الأموالِ الضائِعةِ، هذا إذ لم يُعطِه ذلك على سَبيلِ النَّفلِ بشَرطِه. اه.

ويُؤخذُ ممَّا سبَقَ عن المَجموعِ نَقلًا عن الغَزاليِّ الفَرقُ بينَ مالِ الغَنيمةِ وبينَ مالِ بَيتِ المالِ، قالَ بَعضُهم: وهو ظاهِرٌ. اه (١).

وقالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ رحمة الله عليه: فتَقريرُ النَّوويِّ والغَزاليِّ رحِمَهما اللهُ تبارك وتعالى على تَرجيحِ الرابِعِ -يأخُذُ ما يُعطى وهو حَقُّه والباقونَ مَظلومونَ- لكَونِ القياسِ ظاهِرًا في اعتِمادِه لذلك فيَتفرَّعُ عليه جَوازُ الأخذِ ظَفَرًا، سَواءٌ أكانَ هناك أحوَجُ منه كما اقتَضاه كَلامُ البَغَويِّ أو لا، خِلافًا للسُّبكيِّ، وبه صرَّحَ ابنُ الفِركاحِ وابنُ جُماعةَ، حيثُ قالَ في المالِ الضائِعِ: ولمَن كانَ في يَدِه إذا عُدمَ الحاكِمُ العادِلُ أنْ يَصرِفَه لنَفسِه إذا كانَ بهذه الصِّفةِ وهو عالِمٌ بالأحكامِ الشَّرعيةِ، أي: واقتصَرَ على ما يَليقُ أنْ يُصرَفَ إليه من ذلك، وبالجَوازِ أيضًا صرَّحَ الأذرَعيُّ بَحثًا قياسًا على مالِ الغَريمِ، قالَ: بل أوْلى، ونُقلَ عن مُحقِّق عَصرِه الجَلالِ المَحليِّ ما يَقتَضي الجَوازَ أيضًا، فهو المُعتمَدُ.

ويَدلُّ له أيضًا قَولُ ابنِ عبدِ السَّلامِ: إنْ قيلَ: الجِزيةُ للأَجنادِ على قَولٍ، أو المَصالحِ العامةِ على قَولٍ، وقد رأَيْنا جَماعةً من أهلِ العِلمِ والصَّلاحِ لا يَتورَّعونَ عنها ولا يَخرُجونَ من الخِلافِ فيها مع ظُهورِه.

فالجَوابُ: أنَّ الجُندَ قد أكَلوا من مالِ المَصالحِ التي يَستحِقُّها أهلُ العِلمِ والوَرعِ وغيرُهم ممَّن يَجبُ تَقديمُه أكثَرَها فيُؤخَذُ من الجِزيةِ ما يَكونُ قِصاصًا ببَعضِ ما أخَذوه وأكَلوه فتَصيرُ كمَسألةِ الظَّفرِ. اه.

(١) «حاشية الجمل» (٥/ ٤٩١، ٤٩٢)، و «نهاية المحتاج» (٨/ ٤٤٤).

فما نقَله عنه الزَّركشيُّ من إطلاقِ مَنعِ الأخذِ ظَفَرًا من بَيتِ المالِ يُحمَلُ على ما إذا كانَ الآخِذُ غيرَ عالِمٍ بالأحكامِ الشَّرعيةِ أو أخَذَ فوقَ حَقِّه وإلا فإطلاقُه ضَعيفٌ، وإنِ اقتَضى كَلامُ السُّبكيِّ في فَتاوِيه المَيلَ إليه، وفي بعضِ كُتُبِ الحَنفيةِ أنَّ مَنْ له حَظٌّ في بَيتِ المالِ فظفِرَ بما هو لبَيتِ المالِ فله أخْذُه دِيانةً (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ، فقالَ الرُّحيبانِيُّ رحمة الله عليه: فأمَّا وَقفُ الأُمراءِ والسَّلاطينِ فلا يَتبَعُ شُروطَهم؛ لأنَّهم لا مِلكَ لهم؛ إذْ ما بأيديهم إمَّا مُجتمَعٌ من المَظالِمِ، أو من الغَنائمِ، أو من الجِزيةِ، أو مِنْ مالٍ لا وارِثَ له، ونَحوِ ذلك، وعلى كلِّ حالٍ ليسَ لهم ممَّا بأيديهم شَيءٌ، وإنَّما هو للمُسلِمينَ، يُصرَفُ في المَصالحِ العامةِ.

فلو اشتَرَوا ممَّا بأيديهم عَقاراتٍ ووَقَفوها، وشَرَطوا في أوقافِهم شُروطًا؛ فلا يَجبُ العَملُ بها، فمَن كانَ له حقٌّ في بَيتِ المالِ ومُنعَ منه؛ فله أنْ يَتناوَلَ من أوقافِهم كِفايَتَه، ولو لم يَعمَلْ بما شَرَطوه (٢).

(١) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٢/ ٢٣٤، ٢٣٥)، وانظر: «إعانة الطالبين» (٢/ ٢٠٦).
(٢) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٣١٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٥٨ - مسألة؛ قال: (والذى يجب عليه الحد، ممن ذكرت، من أقر بالزنى أربع مرات)

يجبُ قَتْلُها حتى يَثْبُتَ هذا العملُ بها بِبَيِّنَةٍ، فأمَّا إن أقرَّ الفاعِلُ، فإن كانتِ البهيمةُ له، ثَبَتَ بإقْرارِه، وإن كانَتْ لغيرِه، لم يَجُزْ قَتْلُها بقَوْلِه؛ لأنَّه إقرارٌ على مِلْكِ غيرِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقرَّ بها لغيرِ مالِكِها. وهل يثبتُ هذا بشاهِدَيْن عَدْلَيْنِ، وإقْرارٍ مَرَّتَين ، أو يُعْتَبَرُ فيه ما يُعْتَبَرُ في الزِّنَى؟ على وَجْهَيْن، نذكرُهما في مَوْضِعِهما، إن شاء اللَّه تعالى.

١٥٥٨ - مسألة؛ قال: (والَّذِى يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ، مِمَّنْ ذَكَرْتُ، مَنْ أقَرَّ بالزِّنِى أرْبَعَ مَرَّاتٍ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 340 - 348

ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل