الإسلام > الجنايات والحدود > القصاص في الأطراف والجراحات > الشرط الثالث: أن يكون المجني عليه مكافئا للجاني
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ المجنيُّ عليهِ مُكافِئًا للجاني:
وهو أنْ يَكونَ الجاني ممَّن يُقادُ مِنْ المَجنيِّ عليهِ لو قتَلَه، كالحُرِّ المُسلمِ مع الحُرِّ المُسلمِ، فأما مَنْ لا يُقتلُ بقَتلِه فلا يُقتصُّ منه فيما دُونَ النَّفسِ له كالمُسلمِ مع الكافرِ والحُرِّ مع العَبدِ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قد أجمَعُوا أنه لا يُقادُ الكافِرُ مِنْ المُسلمِ فيما دُونَ النَّفسِ مِنْ الجِراحِ (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: كلُّ شَخصينِ جَرَى القِصاصُ بينَهُما في النفسِ .. جَرَى القِصاصُ بينَهُما فيما دُونَ النفسِ، فتُقطعُ يَدُ الحرِّ المُسلمِ بيَدِ الحرِّ المُسلمِ، ويَدُ الكافرِ بيَدِ الكافرِ، ويَدُ المرأةِ بيَدِ المرأةِ، وهذا إجماعٌ (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يُقطعُ الرَّجلُ بالمَرأةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا قِصاصَ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ فيما دُونَ النَّفسِ مِنْ الجِراحاتِ؛ لأنَّ المُساواةَ مُعتبَرةٌ في النَّفسِ وغَيرُ مُعتبَرةٍ في الأطرافِ، ألَا تَرى أنَّ اليدَ الصَّحيحةَ لا تُؤخذُ بالشلَّاءِ، والنفسَ الصَّحيحةَ تُؤخذُ بالمَريضةِ.
فلا تُقطعُ يَدُ المَرأةِ بيَدِ الرَّجلِ، ولا يَدُ الرَّجلِ بيَدِ المَرأةِ، وإنْ جرَى القِصاصُ بينَهُما في النفسِ.
ولا يَجري القِصاصُ في الأطرافِ إلَّا بينَ مُستَوِي الدِّيةِ إذا قُطعَتْ مِنْ المَفصلِ وتَماثَلتْ.
(١) «الاستذكار» (٨/ ١٢٤).
(٢) «البيان» (١١/ ٣٥٨).
ولأنَّ الأطرافَ يُسلَكُ بها مَسلَكَ الأموالِ، ولهذا لا يُقطعُ الصَّحيحُ بالأشلِّ، والكاملُ بالناقِصِ الأصابعِ؛ لاختِلافِهما في القِيمةِ، بخِلافِ النَّفسِ على ما مَرَّ، وإذا كانَ كذلكَ تَنتفي المُماثَلةُ بانتِفاءِ المُساواةِ في الماليَّةِ، والماليَّةُ مَعلومةٌ بتَقديرِ الشَّرعِ، فأمكَنَ اعتِبارُ التَّساوِي فيها، ولا يُمكنُ التساوي في القَطعِ إلا إذا كانَ مِنْ المَفصلِ.
إذا ثبَتَ هذا فنَقولُ: لا يَجرِي القِصاصُ في الأطرافِ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ، حتَّى لو قطَعَ يَدَها عمدًا لا يَجبُ القِصاصُ؛ لأنَّ الأرشَ مُختلِفُ المِقدارِ، والتَّكافؤُ مُعتبَرٌ فيما دونَ النَّفسِ؛ بدَليلِ أنه لا يُقطعُ اليَمينُ باليَسارِ، ولا اليَدُ الصَّحيحةُ بالشَّلاءِ وناقِصةِ الأصابعِ، بخِلافِ القِصاصِ في الأنفُسِ، فإنَّ التَّكافؤَ لا يُعتبَرُ فيه، ولهذا يُقتلُ الصَّحيحُ بالزَّمِنِ والجَماعةُ بالواحدِ، فإنْ كانَ التَّكافؤُ مُعتبَرًا فيما دونَ النَّفسِ فلا تَكافؤَ بينَ يَدِ الرَّجلِ والمَرأةِ؛ لأنَّ يَدَها تَصلحُ لِما لا يَصلحُ له يَدُه، كالطَّحنِ والخَبزِ والغَزْلِ، وإذا سقَطَ القِصاصُ وجَبَ الأرشُ في مالِه حالًّا.
وكذا لا يَجرِي القِصاصُ في الأطرافِ بَينَ الحُرِّ والعَبدِ؛ لاختِلافِهما في القِيمةِ، وهي الدِّيةُ.
ويَجري القِصاصُ في الأطرافِ بينَ المُسلمِ والذِّميِّ؛ لتَساويهِما في الدِّيةِ، وكذا بينَ المَرأتينِ الحُرَّتينِ، والمُسلِمةِ والكتابيةِ، وكذا بينَ الكِتابيَّتينِ (١).
(١) «المبسوط» للشيباني (٤/ ٤٩١)، و «أحكام القرآن» (١/ ١٧٣)، و «الهداية» (٤/ ١٦٦)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢١٩، ٢٢٠)، و «عمدة القاري» (٢٤/ ٤٧)، و «الفتاوى الهندية» (٦/ ٩).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ القِصاصَ بينَ الرِّجالِ والنساءِ في الجِراحاتِ كما هو في النَّفسِ.
لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قَولِه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فكانَ على عُمومِه، ولأنَّ كلَّ شَخصينِ جَرَى القِصاصُ بينَهُما في النفسِ جَرَى في الأطرافِ كالرَّجلينِ، ولأنَّ كلَّ قِصاصٍ جَرَى بينَ الرَّجلينِ والمَرأتينِ جازَ أنْ يَجريَ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ كالنُّفوسِ، وكلَّ قِصاصٍ جَرَى بينَ الحُرَّينِ جَرَى بينَ العَبدينِ كالنُّفوسِ.
وما ذكَرَه مِنْ اختِصاصِ أطرافِ الرَّجلِ بالمَنافعِ فيَفسدُ مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ:
أحَدُها: ما اتَّفقوا عليهِ مِنْ أخذِ يَدِ الكاتِبِ والصانعِ والمُحارِبِ بيَدِ مَنْ ليسَ بكاتِبٍ ولا صانعٍ ولا مُحارِبٍ.
والثاني: أنَّ في يَدِ المَرأةِ مَنافعَ ليسَتْ في يَدِ الرَّجلِ، فتَقابلَا.
والثالثُ: أنَّ أطرافَ العَبيدِ تَماثَلُ في المَنافعِ ولا يَجرِي فيها قَودٌ، فبطَلَ هذا الاعتِبارُ.
وقالَ ابنُ المُنذرِ: إنهُم لمَّا أجمَعُوا على أنَّ نفْسَه بنَفسِها -وهي أكبَرُ الأشياءِ- واختَلفُوا فيما دونَ ذلكَ كانَ ما اختَلفُوا فيه مَردودًا على ما أجمَعُوا عليهِ؛ لأنَّ الشيءَ إذا أُبيحَ منه الكَثيرُ كانَ القليلُ أَولى.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في الجناية على ما دون النفس مطلقا وأنواعها
أَوْلَى، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ تَصِحُّ دَعْوَاهُمْ، فَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ إنْ وَافَقَهُمْ الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّعْوَى عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقهُمْ فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ قَدْ أَبْرَءُوهُ حَيْثُ أَنْكَرُوا وُجُودَ الْقَتْلِ مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ لَهُمْ الْبَيِّنَةُ وَحَلَفَ ذَلِكَ الرَّجُلُ تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ ثُمَّ كَيْفَ يَحْلِفُونَ؟ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ ﷾ الْمُوَفِّقُ.
فَصْلٌ فِي الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مُطْلَقًا وأنواعها
ارجع إلى القصاص في الأطراف والجراحات للاطلاع على جميع المسائل.