الشرط الرابع: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة

الإسلام > الجنايات والحدود > القصاص في الأطراف والجراحات > الشرط الرابع: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الشرط الرابع: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة - الأقوال والأدلة

ولِما قالَ رَسولُ اللهِ : «المُؤمنونَ تَتكافأُ دِماؤُهم»، وكانَتِ المَرأةُ كافَأَتْه في النفسِ -وهو أعظَمُ خَطرًا ممَّا دُونَ النفسِ- كانَ ما دُونَ النَّفسِ أحرَى أنْ تَكونَ كافَأَتْه فيه (١).

الشَّرطُ الرابعُ: إمكانُ الاستيفاءِ مِنْ غَيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ لوُجوبِ القِصاصِ إمكانُ استِيفائِه مِنْ غَيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولأنَّ دمَ الجاني مَعصومٌ إلا في قَدرِ جِنايتِه، فما زادَ عليهَا يَبقَى على العِصمةِ، فيَحرمُ استِيفاؤُه بعدَ الجِنايةِ كتَحريمِه قبلَها، ومِن ضَرورةِ المَنعِ مِنْ الزِّيادةِ المَنعُ مِنْ القِصاصِ؛ لأنها مِنْ لَوازمِه، فلا يُمكنُ المَنعُ منها إلا بالمَنعِ منه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا لا خِلافَ فيه نَعلمُه، وممَّن منَعَ القِصاصَ فيما دُونَ المُوضِحةِ الحَسنُ والشافِعيُّ وأبو عُبيدٍ وأصحابُ الرأيِ.

إذا ثبَتَ هذا فإنَّ الجُرحَ الذي يُمكنُ استِيفاؤُه مِنْ غيرِ زِيادةٍ هو كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ كالمُوضحةِ في الرَّأسِ والوَجهِ، ولا نَعلمُ في جَوازِ القِصاصِ في المُوضحةِ خِلافًا، وهي كُلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى العَظمِ في الرَّأسِ

(١) «الأوسط» (١٣/ ٤٧، ٤٨)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥١٦)، و «الأم» (٧/ ١٤٩)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢٦)، و «البيان» (١١/ ٣٥٨، ٣٥٩)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٣٨٢، ٣٨٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٤٧، ٢٤٨)، و «المغني» (٨/ ٢٥١)، و «المبدع» (٨/ ٣٠٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٤٥).

والوَجهِ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ القِصاصَ في الجُروحِ، فلو لم يَجبْ هاهُنا لَسقَطَ حُكمُ الآيةِ، وفي مَعنَى المُوضِحةِ كلُّ جُرحٍ يَنتهي إلى عَظمٍ فيما سِوى الرَّأسِ والوجهِ، كالساعِدِ والعَضدِ والساقِ والفَخذِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، وهو مَنصوصُ الشافِعيِّ.

وقالَ بعضُ أصحابِه: «لا قِصاصَ فيها؛ لأنه لا يُقدَّرُ فيها»، وليسَ بصَحيحٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنه أمكَنَ استِيفاؤُها بغيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ؛ لانتِهائِها إلى عَظمٍ فهيَ كالمُوضِحةِ، والتقديرُ في المُوضِحةِ ليسَ هو المُقتضي للقِصاصِ ولا عَدمُه مانِعًا، وإنما كانَ التقديرُ في المُوضحةِ لكَثرةِ شَينِها وشَرفِ مَحلِّها، ولهذا ما قُدِّرَ ما فوقَها مِنْ شِجاجِ الرأسِ والوجهِ، ولا قِصاصَ فيه، وكذلكَ الجائِفةُ أرشُها مُقدَّرٌ لا قِصاصَ فيه (١).

وقالَ أيضًا: فإنْ كانَ مِنْ غيرِ مَفصلٍ فلا قِصاصَ فيه مِنْ مَوضعِ القَطعِ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه، وقد رَوى نَمرُ بنُ جابرٍ عن أبيه «أنَّ رَجلًا ضرَبَ رَجلًا على ساعِدِه بالسيفِ فقطَعَها مِنْ غيرِ مَفصلٍ، فاستَعدَى عليهِ النبيَّ ، فأمَرَ له بالدِّيةِ، قالَ: إني أريدُ القِصاصَ، قالَ: «خُذِ الدِّيةَ بارَكَ اللهُ لكَ فيها، ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ» (٢). رواهُ ابنُ ماجَه (٣).

(١) «المغني» (٨/ ٢٥٢)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٩٧، ٢٩٨).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٦٣٦).
(٣) «المغني» (٨/ ٢٥٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف

فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 324 - 325

ارجع إلى القصاص في الأطراف والجراحات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده