ب- ضمان الإتلاف

الإسلام > الجنايات والحدود > المعاملات المالية لأهل الذمة > ب- ضمان الإتلاف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 6 دقيقة قراءة

ب- ضمان الإتلاف - الأقوال والأدلة

ويَستدِلُّ الحَنفيةُ لذلك بقَولِهم: إنَّ الخَمرَ والخِنزيرَ مالٌ مُتقوَّمٌ في حقِّهم، كالخَلِّ والشاةِ للمُسلِمينَ، فيَجوزُ بَيعُه، ورُوي عن عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه أنَّه كتَبَ إلى عشَّارِه بالشامِ: (أنْ وَلُّوهم بَيعَها وخُذوا العُشرَ من أَثمانِها)، ولو لم يَجزْ بَيعُ الخَمرِ منهم لما أمَرَهم بتَوليَتِهم البَيعَ (١).

ب- ضَمانُ الإتلافِ:

إذا أُتلِفَ الخَمرُ والخِنزيرُ لمُسلمٍ فلا ضَمانَ اتِّفاقًا؛ لعَدمِ تَقوُّمِهما في حَقِّ المُسلِمينَ.

وكذلك إِتلافُهما لأهلِ الذِّمةِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ ما لا يَكونُ مَضمونًا في حَقِّ المُسلمِ لا يَكونُ مَضمونًا في حَقِّ غيرِه (٢).

لكنَّ الحَنفيةَ صرَّحوا بضَمانِ مُتلِفِهما لأهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّهما مالٌ مُتقوَّمٌ في حَقِّهم، وبهذا قالَ المالِكيةُ، إذا لمْ يُظهِرِ الذِّميُّ الخَمرَ والخِنزيرَ (٣).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: «مَنْ أتلَفَ لذِميٍّ خَمرًا أو خِنزيرًا فلا غُرمَ عليه، ويُنهى عن التَّعرُّضِ لهم فيما لا يُظهِرونَه» وجُملةُ ذلك أنَّه لا يَجبُ ضَمانُ الخَمرِ والخِنزيرِ، سَواءٌ كانَ مُتلِفُه مُسلمًا أو ذِميًّا لمُسلمٍ أو ذِميٍّ، نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي الحارِثِ، في الرَّجلِ يُهريقُ مُسكِرًا لمُسلمٍ أو

(١) «البدائع» (٥/ ١٤٣)، و «المبسوط» (١١/ ١٠٢).
(٢) «مغني المحتاج» (٢/ ٢٨٥)، و «المغني مع الشرح الكبير» (٧/ ١١١، ١١٣).
(٣) «البدائع» (٥/ ١٦، ١١٣)، و «الزرقاني على خليل» (٣/ ١٤٦).

لذِميٍّ خَمرًا، فلا ضَمان عليه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ.

وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: يَجبُ ضَمانُهما إذا أَتلَفهما على ذِميٍّ، قالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ مُسلمًا بالقِيَمةِ وإنْ كانَ ذِميًّا بالمِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ الذِّمةِ إذا عصَمَ عَينًا قَوَّمها كنَفسِ الآدميِّ، وقد عصَمَ خَمرَ الذِّميِّ، بدَليلِ أنَّ المُسلِمَ يُمنَعُ من إِتلافِها، فيَجبُ أنْ يُقوِّمَها؛ ولأنَّها مالٌ لهم يَتموَّلونَها، بدَليلِ ما رُوي عن عُمرَ رضي الله عنه «أنَّ عامِلَه كتَبَ إليه: إنَّ أهلَ الذِّمةِ يَمُرُّونَ بالعاشرِ، ومعهم الخُمورُ، فكتَبَ إليه عُمرُ: وَلُّوهم بَيعَها، وخُذوا منهم عُشرَ ثَمنِها». وإذا كانَت مالًا لهم وجَبَ ضَمانُها كسائرِ أَموالِهم.

ولنا: أنَّ جابِرًا رَوى أنَّ النَّبيَّ قالَ: «إنَّ اللهَ ورَسولَه حرَّمَ بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأَصنامِ» مُتَّفقٌ على صِحتِه.

وما حرُمَ بَيعُه لا لحُرمتِه لم تَجِبْ قيمَتُه كالمَيْتةِ، ولأنَّ ما لم يَكنْ مَضمونًا في حَقِّ المُسلمِ لم يَكنْ مَضمونًا في حَقِّ الذِّميِّ كالمُرتدِّ، ولأنَّها غيرُ مُتقوَّمةٍ فلا تُضمَنُ كالمَيتةِ، ودَليلُ أنَّها غيرُ مُتقوَّمةٍ في حَقِّ المُسلمِ فكذلك في حَقِّ الذِّميِّ؛ فإنَّ تَحريمَها ثبَتَ في حَقِّهما، وخِطابُ النَّواهي يَتوجَّهُ إليهما، فما ثبَتَ في حَقِّ أحدِهما ثبَتَ في حَقِّ الآخَرِ، ولا نُسلِّمُ بأنَّها مَعصومةٌ؛ بل مَتى أُظهِرت حلَّت إِراقتُها، ثم لو عصَمَها ما لزِمَ تَقويمُها؛ فإنَّ نِساءَ أهلِ الحَربِ وصِبيانَهم مَعصومونَ غيرُ مُتقوَّمينَ.

وقَولُهم: إنَّها مالٌ عندَهم يَنتقِضُ بالعبدِ المُرتدِّ؛ فإنَّه مالٌ عندَهم، وأمَّا حَديثُ عُمرَ، فمَحمولٌ على أنَّه أراد تَركَ التَّعرُّضِ لهم، وإنَّما أمرَ بأخذِ عُشرِ أثمانِها؛ لأنَّهم إذا تبايَعوا وتَقابَضوا حكَمنا لهم بالمِلكِ ولمْ ننقُضْه،

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 639 - 640

ارجع إلى المعاملات المالية لأهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر