ثانيا: الشهادة على الزنا

الإسلام > الجنايات والحدود > ثبوت الزنا > ثانيا: الشهادة على الزنا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

ثانيا: الشهادة على الزنا - الأقوال والأدلة

وأمَّا حَدُّ القَذفِ فلا يَصحُّ الرُّجوعُ عن الإقرارِ فيهِ؛ لأنَّ للعبدِ فيهِ حقًّا، فيَكونُ مُتهَمًا في الرجوعِ، فلا يَصحُّ كالرجوعِ عن سائرِ الحُقوقِ المُتمحِّضةِ للعبادِ.

وكذلكَ الرُّجوعُ عنِ الإقرارِ بالقِصاصِ؛ لأنَّ القِصاصَ خالِصُ حَقِّ العِبادِ، فلا يَحتمِلُ الرُّجوعَ (١).

ثانيًا: الشَّهادةُ على الزِّنا:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لو شَهِدَ أربَعُ أحرارٍ عُدولٍ بالزِّنا ووَصفُوهُ بأنْ قالُوا: «رَأيْنا ذكَرَه في فَرجِها كالمروَدِ في المكحلَةِ والرِّشا في البئرِ» أنَّ عليه الحَدُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤].

وعن أبِي هُريرة رضي الله عنه أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ رضي الله عنه قالَ لرسولِ اللهِ : «أَرَأيتَ إنْ وَجدْتُ مع امرَأتي رَجلًا أَأُمهِلُه حتَّى آتِيَ بأربَعةِ شُهداءَ، فقالَ رسولُ اللهِ : نعَمْ» (٢).

وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالَى يُحبُّ الستْرَ على عِبادِه، وفي اشتِراطِ الأربَعةِ يَتحقَّقُ معنَى الستْرِ؛ إذ وُقوفُ الأربَعةِ على هذه الفاحِشةِ في غايةٍ مِنْ النُّدْرةِ.

وقد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على هذا.

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٣٣).
(٢) رواه مسلم (١٠٠٠٨).

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولم أعلَمِ الناسَ اختَلفُوا في أنْ لا يُقامَ الحدُّ في الزِّنا بأقلَّ مِنْ أربَعةِ شُهداءَ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعُوا على أنَّ الشَّهادةَ على الزِّنا أربَعةٌ لا يُقبَلُ أقلُّ مِنهُم (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: فأجمَعَ العُلماءُ أنَّ البيِّنةَ في الزنا أربَعةُ شُهداءَ رِجالٌ عُدولٌ يَشهَدونَ بالصَّريحِ مِنْ الزِّنا لا بالكِنايةِ، وبالرُّؤيةِ كذلكَ والمُعايَنةِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: فأما وُجوبُ قَبولِ أربَعةٍ في الزنا فبِنَصِّ القُرآنِ، ولا خِلافَ فيه (٤).

وقالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ رحمة الله عليه: قولُه تعالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، وهذا حُكمٌ ثابتٌ بإجماعٍ مِنْ الأمَّةِ.

فشرَطَ غايَةَ الشَّهادةِ في غايةِ المَعصيةِ لِأعظَمِ الحُقوقِ حُرمةً، وتَعديدُ الشُّهودِ بأربَعةٍ حُكمٌ ثابتٌ في التَّوراةِ والإنجِيلِ والقُرآنِ، روَى أبو داودَ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: جاءَتِ اليَهودُ برَجلٍ وامرأةٍ قد زنَيَا، فقالَ النبيُّ : ائتُونِي بأعلَمِ رَجلَينِ منكُم، فأتَوهُ بابني صُوريَّا، فنشَدَهما

(١) «الأم» (٧/ ٨٣).
(٢) «الإجماع» (٦٤١).
(٣) «الاستذكار» (٧/ ٤٨٥).
(٤) «المحلى» (٩/ ٣٩٦).

اللهَ: كيفَ تَجِدانِ أمْرَ هذَينِ في التَّوراةِ؟ قالا: نَجدُ في التَّوراةِ إذا شَهِدَ أربعَةٌ أنهُم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلَةِ رُجِمَا، قالَ: فما يَمنعُكُما أنْ تَرجمُوهُما؟ قالَا: ذهَبَ سُلطانُنا وكَرهْنا القتلَ، فدَعَا رسولُ اللهِ بالشُّهودِ فجَاؤُوا وشَهدُوا أنهم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلَةِ، فأمَرَ رسولُ اللهِ فرجَمَهُما» (١) (٢).

وقالَ القاضِي عِياضٌ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنه لا يُقبَلُ في الزنا أقَلُّ مِنْ أربَعةٍ (٣).

وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ البيِّنةَ التي يَثبتُ بها الزنا أنْ يَشهدَ له أربَعةُ عُدولٍ رِجالٌ ويَصِفونَ حقيقةَ الزنا (٤).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أجمَعُوا على أنَّ البيِّنةَ أربَعةُ شُهداءَ ذُكورٍ عُدولٍ، هذا إذا شَهدُوا على نَفسِ الزِّنا، ولا يُقبَلُ دونَ الأربعةِ (٥).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ المُسلمونَ على أنه لا يُقبَلُ في الزِّنا أقلُ مِنْ أربَعةِ شُهودٍ، وقد نَصَّ اللهُ تعالَى عليه (٦).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٤٥٢).
(٢) «أحكام القرآن» (١/ ٤٥٩).
(٣) «إكمال المعلم شرح صحيح مسلم» (٥/ ٢٦٤).
(٤) «الإفصاح» (٢/ ٢٥٤).
(٥) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٩٢).
(٦) «المغني» (١٠/ ١٥٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الحدود)
(باب حد الزنا والشهادة عليه)

(فصل)

فبدأ الشَّافِعِيُّ بِحَدِّ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَتَعَدَّى فِيهِ حُكْمُهُ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لهن سبيلا وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فأعرضوا عنهما} النساء: ١٥، ١٦ فَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وزعموا أن الأولى منهما وهو قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نسائكم} وَارِدَةٌ فِي إِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ فَيَكُونُ كَالزِّنَا فِي الحظر ومخالف لَهُ فِي الْحَدِّ.

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " السِّحَاقُ زِنَا النِّسَاءِ بَيْنَهُنَّ) وَيَكُونُ الْحَدُّ فِيهِ حَبْسَهُمَا حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا بِالتَّزْوِيجِ، فَيَسْتَغْنِينَ بِحَلَالِهِ عَنْ حَرَامِ مَا ارْتَكَبْنَهُ.

وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قوله: ... {واللذان يأتيانها منكم} واردة في إتيان الرجال الرجال لِاقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ فَيَكُونُ كَالزِّنَا فِي الْحَظْرِ.

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " مُبَاشَرَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ زِنًا وَمُبَاشَرَةُ المرأة المرأة زنا) .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 241 - 243

ارجع إلى ثبوت الزنا للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله