أحدهما: الإقرار بالسرقة

الإسلام > الجنايات والحدود > ثبوت السرقة > أحدهما: الإقرار بالسرقة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

أحدهما: الإقرار بالسرقة - الأقوال والأدلة

ثُبوتُ السَّرقةِ:

السَّرقةُ تَثبتُ بأحَدِ أمرَينِ:

أحَدُهما: الإقرارُ بالسَّرقةِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ أقَرَّ بالسَّرقةِ وهو حُرٌّ بالغٌ غيرُ مُكرَهٍ أنه يُقبَلُ إقرارُه ويُقامُ الحَدُّ عليهِ؛ لِما رواهُ ابنُ ماجه عن ثَعلبةَ الأنصاريِّ «أنَّ عمرَو بنَ سَمُرةَ بنَ حَبيبِ بنِ عبدِ شَمسٍ جاءَ إلى رسولِ اللَّهِ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إني سَرَقتُ جَملًا لبَنِي فُلانٍ فطَهِّرني، فأرسَلَ إليهم النبيُّ فقالوا: إنَّا افتَقدْنَا جَملًا لنا، فأمَرَ به النبيُّ فقُطِعتْ يَدُه، قالَ ثَعلبةُ: أنا أنظُرُ إليه حينَ وَقَعتْ يَدُه وهو يَقولُ: الحَمدُ للَّهِ الذي طَهَّرَني منكِ أرَدْتِ أنْ تُدخِلي جَسدِيَ النارَ» (١).

قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقوا أنَّ مَنْ أقَرَّ على نَفسِه بسَرقةٍ كما ذكَرْنا في مَجلسينِ مُختلِفينِ على ما قَدَّمْنا في الإقرارِ بالزِّنا وثبَتَ على إقرارِه أو أحضَرَ ما سرَقَ أنَّ القطعَ يَجبُ عليه ما لم يَرجعْ (٢).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ السَّرقةَ تَثبتُ بشاهدَينِ عَدلينِ، وعلى أنها تَثبتُ بإقرارِ الحُرِّ (٣).

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يُشترطُ أنْ يَعترفَ مرَّةً واحِدةً؟ أم لا بُدَّ مِنْ مرَّتينِ؟

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٥٨٨).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (١٣٦).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٠).

فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يَكفي مَرةٌ واحِدةٌ، فيُقطَعُ إنْ أقَرَّ ولو مرَّةً واحدةً أنه سَرقَ؛ لأنه حَقٌّ يَثبتُ بالإقرارِ، فلمْ يُعتبَرْ فيه التَّكرارُ كحَقِّ الآدَميِّ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ وأبو يُوسفَ وزُفرُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه لا بُدَّ مِنْ إقرارِه واعتِرافِه بالسرقةِ مرَّتينِ؛ لحَديثِ أبي أُميَّةَ المَخزوميِّ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ أُتِيَ بلِصٍّ فاعتَرَفَ ولم يُوجَدْ معه مَتاعٌ، فقالَ له رَسولُ اللهِ : ما إِخالُكَ سَرَقْتَ، قالَ: بلى، مرَّتَينِ أو ثَلاثًا، قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ : اقطَعُوهُ ثمَّ جِيئوا به، فقَطَعوهُ ثمَّ جاؤُوا بهِ، فقالَ له رَسولُ اللهِ : قُلْ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، قالَ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ : اللَّهمَّ تُبْ عَليهِ» (٢)، ولو وجَبَ القَطعُ بأولِ مَرَّةٍ لَمَا أخَّرَه.

ورَوى سَعيدٌ عن هُشيمٍ وسُفيانَ وأبي الأحوَصِ وأبي مُعاويةَ عن الأعمَشِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ عن أبيه قالَ: «شَهِدتُ عَليًّا وأتاهُ رَجلٌ فأقَرَّ بالسرقةِ فرَدَّه» وفي لَفظٍ: «فانتَهَرَه» وفي لَفظٍ: «فسَكتَ عنهُ»، وقالَ غيرُ

(١) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٨٥)، و «اللباب» (٢/ ٣٢٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٥٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٥٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٨٥)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٧٧)، و «البيان» (١٢/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٨١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٨٦).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٤٣٨٠)، والنسائي (٤٨٧٧)، وابن ماجه (٢٥٩٧)، وأحمد (٢٢٥٦١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها)

(باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يُقَامُ عَلَى سَارِقٍ حَدٌّ إِلَّا بِأَنْ يَثْبُتَ عَلَى إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أو بعدلين يقولان إِنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ سَرَقَ مَتَاعًا لِهَذَا مِنْ حرزه بصفاته يُسَاوِي رُبُعَ دِينَارٍ وَيُحْضَرُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَيَدَّعِي شَهَادَتَهُمَا) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو ثُبُوتُ السَّرِقَةَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ.

إِمَّا أَنْ تكون عن دعوى المالك أو يغير دَعْوَاهُ، فَإِنْ كَانَ عَنْ دَعْوَى الْمَالِكِ فَثُبُوتُهَا على السارق، ويكون إِمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ بِإِقْرَارِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِنْ خَالَفَا فِي الزِّنَا فَلَمْ يَحُدَّاهُ إِلَّا بِإِقْرَارِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الشَّهَادَةِ فِيهِ، وَوَافَقَا فِي السَّرِقَةِ أنها تلزمه بإقرار مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُعْتَبَرُ عَدَدُ الشَّهَادَةِ فِيهِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهَا مَرَّتَيْنِ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الشَّهَادَةِ فِيهِ كَالزِّنَا؛ لِأَنَّهَا حَدٌّ لِلَّهِ تعالى، واحتجاجاً بأن سارقاً أقر عند علي عليه السلام بالسرقة فانتهره، فأقر ثانية فقال الآن أَقْرَرْتَ مَرَّتَيْنِ، وَقَطَعَهُ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
كتاب السرقة

أَبُو يُوسُفَ: أَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا.

(أَمَّا) عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمة الله عليه ؛ فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ، وَنَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ أَوْلَى، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الْخَارِجِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا نَقَبَ مَنْزِلًا، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ: " أَقْطَعُ وَلَا أُبَالِي دَخَلَ الْحِرْزَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَقَبَ وَدَخَلَ، وَجَمَعَ الْمَتَاعَ عِنْدَ النَّقْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَرَفَعَ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
باب القطع في السرقة

باب القَطْع في السَّرِقَة

والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ" . مُتَّفَقٌ عليهما . في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.

١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه اللهُ: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ،

أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 461 - 462

ارجع إلى ثبوت السرقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.9 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله