الإسلام > الجنايات والحدود > ثبوت السرقة > الرجوع عن الإقرار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةهَؤلاءِ: «فطَرَدَه، ثمَّ عادَ بعدَ ذلكَ فأقَرَّ فقالَ له عَليٌّ: شَهِدتَ على نَفسِكَ مرَّتينِ، فأمَرَ به فقُطعَ»، وفي لَفظٍ: «قد أقرَرْتَ على نَفسِكَ مرَّتينِ» (١)، وفي لَفظٍ: «لا يُقطَعُ السارقُ حتَّى يَشهدَ على نَفسِه مرَّتينِ» (٢)، ومِثلُ هذا يَشتهرُ فلمْ يُنكَرْ، ولأنه يَتضمنُ إتلافًا في حَدٍّ، فكانَ مِنْ شَرطِه التَّكرارُ كحَدِّ الزنا، ولأنه أحَدُ حُجَّتِي القَطعِ، فيُعتبَرُ فيه التَّكرارُ كالشهادةِ، ويُفارِقُ حَقَّ الآدَميِّ؛ لأنَّ حَقَّه مَبنيٌّ على الشُّحِّ والتضييقِ ولا يُقبَلُ رُجوعُه عنه، بخِلافِ مَسألتِنا.
ويُعتبَرُ أنْ يَذكرَ في إقرارِه شُروطَ السرقةِ مِنْ النِّصابِ والحِرزِ وإخراجِه منهُ (٣).
الرُّجوعُ عنِ الإقرارِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على الصَّحيحِ عندَهم على أنَّ مَنْ أقَرَّ على نَفسِه بالسَّرقةِ ثم رجَعَ عن إقرارِه قُبِلَ إقرارُه ولا يُقامُ حَدُّ القَطعِ عليهِ؛ لحَديثِ أبي أُميَّةَ المَخزوميِّ رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بلِصٍّ فاعتَرَفَ ولم يُوجَدْ معه مَتاعٌ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: ما إِخالُكَ سَرَقْتَ، قالَ: بلى، مرَّتَينِ أو ثَلاثًا، قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: اقطَعُوهُ ثمَّ جِيئوا به، فقَطَعوهُ ثمَّ جاؤُوا بهِ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: قُلْ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، قالَ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٨٧٨٣).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الطحاوي (٢/ ٩٧)، والبيهقي (٨/ ٢٧٥).
(٣) «المغني» (٩/ ١١٩)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٣٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٤٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٤١، ٣٤٢).
ﷺ: اللَّهمَّ تُبْ عَليهِ» (١)، فلَولا أنَّ القَطعَ يَسقطُ بالرُّجوعِ لَمَا عرَّضَ له النبيُّ ﷺ بالرُّجوعِ، ولأنه حَقٌّ للهِ تعالَى، فيَسقطُ كحَدِّ الزِّنى.
ولأنَّ الحُدودَ تُدرَأُ بالشبُهاتِ، ورُجوعُه عنه شُبهةٌ؛ لاحتِمالِ أنْ يكونَ كذَبَ على نفسِه في اعتِرافِه، ولأنه أحَدُ حُجَّتَي القَطعِ، فيَبطلُ بالرُّجوعِ عنه كالشهادةِ، ولأنَّ حُجةَ القَطعِ زالَتْ قبلَ استيفائِه، فسَقطَ كما لو رَجعَ الشهودُ، وفارقَ حَقَّ الآدَميِّ؛ فإنه مَبنيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ (٢).
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه أنه يُقبَلُ رُجوعُ المُقِرِّ بالزنى وشُربِ الخَمرِ، وكذلكَ السرقةُ إذا أقَرَّ بها السارِقُ مِنْ مالِ الرَّجلِ وحِرزِه فأكذَبَه ذلكَ الرَّجلُ ولم يَدَّعِ السرقةَ ثم رجَعَ السارقُ عن إقرارِه قُبِلَ إقرارُه عندَ مالِكٍ ومَن ذكَرْنا معه (٣).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: فإنْ رجَعَ عن إقرارِه سقَطَ عنه القَطعُ، وبه قالَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ (٤).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: هذا قَولُ أكثرِ الفُقهاءِ (٥).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٤٣٨٠)، والنسائي (٤٨٧٧)، وابن ماجه (٢٥٩٧)، وأحمد (٢٢٥٦١).
(٢) «البيان» (١٢/ ٤٨٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٨٦)، و «المغني» (٩/ ١١٩).
(٣) «الاستذكار» (٧/ ٥٠٢).
(٤) «البيان» (١٢/ ٤٨٣).
(٥) «المغني» (٩/ ١١٩).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها)
(باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها)
(مسألة)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يُقَامُ عَلَى سَارِقٍ حَدٌّ إِلَّا بِأَنْ يَثْبُتَ عَلَى إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أو بعدلين يقولان إِنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ سَرَقَ مَتَاعًا لِهَذَا مِنْ حرزه بصفاته يُسَاوِي رُبُعَ دِينَارٍ وَيُحْضَرُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَيَدَّعِي شَهَادَتَهُمَا) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو ثُبُوتُ السَّرِقَةَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ.
إِمَّا أَنْ تكون عن دعوى المالك أو يغير دَعْوَاهُ، فَإِنْ كَانَ عَنْ دَعْوَى الْمَالِكِ فَثُبُوتُهَا على السارق، ويكون إِمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ بِإِقْرَارِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِنْ خَالَفَا فِي الزِّنَا فَلَمْ يَحُدَّاهُ إِلَّا بِإِقْرَارِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الشَّهَادَةِ فِيهِ، وَوَافَقَا فِي السَّرِقَةِ أنها تلزمه بإقرار مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُعْتَبَرُ عَدَدُ الشَّهَادَةِ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: لَا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهَا مَرَّتَيْنِ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الشَّهَادَةِ فِيهِ كَالزِّنَا؛ لِأَنَّهَا حَدٌّ لِلَّهِ تعالى، واحتجاجاً بأن سارقاً أقر عند علي عليه السلام بالسرقة فانتهره، فأقر ثانية فقال الآن أَقْرَرْتَ مَرَّتَيْنِ، وَقَطَعَهُ.
ارجع إلى ثبوت السرقة للاطلاع على جميع المسائل.