الإسلام > الجنايات والحدود > حقوق أهل الذمة > ثالثا: عدم التعرض لهم في عقيدتهم وعبادتهم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوقالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ أنْ يُؤذَنَ لهم في دُخولِها بحالٍ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: لا يُمنعُ الذِّميُّ من دُخولِ الحَرمِ، ولا يَتوقَفَ جَوازُ دُخولِه على إذنِ مُسلمٍ ولو كانَ المَسجدَ الحَرامَ (٢).
يَقولُ الجَصاصُ رحمة الله عليه في تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]: يَجوزُ للذِّميِّ دُخولُ سائرِ المَساجدِ، وإنَّما مَعنى الآيةِ على أحدِ الوَجهَينِ: إمَّا أنْ يَكونَ النَّهيُ خاصًّا في المُشرِكينَ الذين كانُوا مَمنوعينَ من دُخولِ مَكةَ وسائرِ المَساجدِ؛ لأنَّهم لمْ تَكنْ لهم ذِمةٌ، وكانَ لا يُقبَلُ منهم إلا الإسلامُ أو السَّيفُ وهُم مُشرِكو العَربِ، أو أنْ يَكونَ المُرادُ مَنعَهم من دُخولِ مَكةَ للحَجِّ، ويَدلُّ على ذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] الآيةَ، وإنَّما كانَت خَشيةَ العَيلةِ لانقِطاعِ تلك المَواسمِ بمَنعِهم من الحَجِّ؛ لأنَّهم كانُوا يَنتفِعونَ بالتِّجاراتِ التي كانَت في مَواسمِ الحَجِّ (٣).
ثالِثًا: عَدمُ التَّعرُّضِ لهم في عَقيدتِهم وعِبادَتِهم:
إنَّ مِنْ مُقتَضى عَقدِ الذِّمةِ ألَّا يَتعرَّضَ المُسلِمونَ لأهلِ الذِّمةِ في عَقيدتِهم وأداءِ عِبادتِهم دونَ إظهارِ شعائِرِهم، فعَقدُ الذِّمةِ إقرارُ الكُفارِ على كُفرِهم بشَرطِ بَذلِ الجِزيةِ والتِزامِ أَحكامِ المِلةِ، وإذا كانَ هناك احتِمالُ
(١) «الأحكام السلطانية» للماوردي ص (١٨٨).
(٢) «الأشباه والنظائر» لابن نجيم ص (٣٦٩)، و «أحكام القرآن» الجصاص (٤/ ٢٧٩)، و «البدائع» (٥/ ١٢٨)، و «الهداية» (٤/ ٩٥)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٤١) وما بعدَها.
(٣) «أحكام القرآن» الجصاص (٤/ ٢٧٩).
دُخولِ الذِّميِّ في الإسلامِ -عن طَريقِ مُخالَطتِه للمُسلِمينَ- ووُقوفِه على مَحاسنِ الدِّينِ، فهذا يَكونُ عن طَريقِ الدَّعوةِ لا عن طَريقِ الإِكراهِ، وقد قالَ اللهُ ﷾: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وفي كِتابِ النَّبيِّ ﷺ لأهلِ نَجرانَ: «ولنَجرانَ وحاشيَتِها جِوارُ اللهِ وذِمةُ مُحمدٍ رَسولِ اللهِ ﷺ على أَموالِهم ومِلَّتِهم وبِيَعِهم وكلِّ ما تحتَ أيديهم … » (١) وهذا الأصلُ مُتَّفقٌ عليه بينَ الفُقهاءِ.
لكنْ هناك تَفصيلٌ وخِلافٌ في بعضِ الفُروعِ نَذكرُه فيما يَلي:
إجراءُ عباداتِهم: الأصلُ في أهلِ الذِّمةِ تَركُهم وما يَدينونَ، فيُقَرُّونَ على الكُفرِ وعَقائدِهم وأَعمالِهم التي يَعتبِرونها من أُمورِ دِينِهم، كضَربِ الناقوسِ خَفيفًا في داخِلِ مَعابِدِهم، وقِراءةِ التَّوراةِ والإِنجيلِ فيما بينَهم، ولا يُمنَعونَ من ارتِكابِ المَعاصي التي يَعتقِدونَ بجَوازِها، كشُربِ الخَمرِ واتِّخاذِ الخَنازيرِ وبَيعِها، أو الأكلِ والشُّربِ في نَهارِ رَمضانَ، وغيرِ ذلك فيما بينَهم، أو إذا انفَردوا بقَريةٍ، ويُشترطُ في جَميعِ هذا ألَّا يُظهِروها ولا يَجهَروا بها بينَ المُسلِمينَ، وإلا مُنِعوا وعُزِّروا، وهذا باتِّفاقِ المَذاهبِ، فقد جاءَ في شُروطِ أهلِ الذِّمةِ لعبدِ الرَّحمنِ بنِ غُنمٍ: (ألَّا نَضرِبَ ناقوسًا إلَّا ضَربًا خَفيفًا في جَوفِ كنائسِنا، ولا نُظهِرَ عليها صَليبًا، ولا نَرفَعَ أصواتَنا في الصَّلاةِ ولا القِراءةِ في كَنائسِنا، ولا نُظهِرَ صَليبًا ولا كِتابًا في سُوقِ المُسلِمينَ) إلخ (٢).
(١) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٥/ ٣٨٩) وفي إِسنادِه جَهالَةٌ.
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: تَقدَّمَ. وانظُر: «البناية على الهداية» (٤/ ٨٣٧)، و «ابن عابدين» (٣/ ٢٧٢)، و «الدسوقي» (٢/ ٢٠٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٣٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في شرائط وجوب حد القذف وبعضها يرجع إلى القاذف
يَكُنْ جِنَايَةً، وَشُرْبُ الْخَمْرِ مُبَاحٌ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا فَلَا يَكُونُ جِنَايَةً، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لَكِنَّا نُهِينَا عَلَى التَّعْرِيضِ لَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ وَفِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ تَعَرُّضٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهُمْ مِنْ الشُّرْبِ، وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُمْ إذَا شَرِبُوا وَسَكِرُوا يُحَدُّونَ لِأَجْلِ السُّكْرِ لَا لِأَجْلِ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ حَسَنٌ.
وَمِنْهَا بَقَاءُ اسْمِ الْخَمْرِ لِلْمَشْرُوبِ وَقْتَ الشُّرْبِ فِي حَدِّ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالشُّرْبِ تَعَلُّقٌ بِهِ، حَتَّى لَوْ خُلِطَ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ شُرِبَ نُظِرَ فِيهِ إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِيَّةِ يَزُولُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْخَمْرِ أَوْ كَانَا سَوَاءً يُحَدُّ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ بَاقٍ وَهِيَ عَادَةُ بَعْضِ الشَّرَبَةِ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَهَا مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا وَإِنْ كَانَ لَا يَخْلُو عَنْ أَجْزَاءِ الْخَمْرِ.
(فَأَمَّا) الذُّكُورَةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
ارجع إلى حقوق أهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.