الإسلام > الجنايات والحدود > حكم الردء > حكم من تاب من حد غير الحرابة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 33 دقيقة قراءةوالثاني: أنْ تكونَ له فِئةٌ.
والثالثُ: كيفَما كانَتْ، له فئةٌ أو لم تَكنْ، لَحِقَ بدارِ الحربِ أو لم يَلحقْ.
واختُلفَ في المُحارِبِ إذا امتَنعَ فأمَّنَه الإمامُ على أنْ يَنزلَ، فقيلَ: له الأمانُ ويَسقطُ عنه حَدُّ الحِرابةِ، وقيلَ: لا أمانَ له؛ لأنه إنما يُؤمَّنُ المُشركُ.
وأما ما تُسقِطُ عنه التَّوبةُ فاختَلفوا في ذلكَ على أربَعةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّ التوبةَ إنما تُسقِطُ عنه حَدَّ الحِرابةِ فقطْ، ويُؤخَذُ بما سِوى ذلكَ مِنْ حُقوقِ اللهِ وحُقوقِ الآدميِّينَ، وهو قَولُ مالكٍ.
والقَولُ الثاني: أنَّ التوبةَ تُسقِطُ عنه حَدَّ الحِرابةِ وجَميعَ حُقوقِ اللهِ مِنْ الزِّنا والشَّرابِ والقَطعِ في السرقةِ، ويُتبعُ بحُقوقِ الناسِ مِنْ الأموالِ والدماءِ، إلا أنْ يَعفوَ أولياءُ المَقتولِ.
والثالثُ: أنَّ التوبةَ تَرفعُ جَميعَ حُقوقِ اللهِ، ويُؤخَذُ بالدماءِ وفي الأموالِ بما وُجدَ بعَينِه في أيدِيهم، ولا تُتبعُ ذِمَمُهم.
والقَولُ الرابعُ: أنَّ التوبةَ تُسقِطُ جَميعَ حُقوقِ اللهِ وحُقوقِ الآدميِّينَ مِنْ مالٍ ودَمٍ، إلا ما كانَ مِنْ الأموالِ قائِمَ العينِ بيَدِه (١).
حُكمُ مَنْ تابَ مِنْ حَدِّ غيرِ الحِرابةِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على مَنْ ارتَكبَ حَدًّا مِنْ حُدودِ اللهِ كالزنا واللِّواطِ والسَّرقةِ وشُربِ الخَمرِ ثم تابَ بعدَ القُدرةِ عليه أنه لا يَسقطُ عنه حَدٌّ مِنْ هذهِ الحُدودِ وتُقامُ عليهِ.
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٢، ٣٤٣).
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ أنه مَنْ أصابَ ذَنبًا فيه حَدٌّ أنه لا تَرفعُه التوبةُ ولا يَجوزُ للإمامِ العَفوُ عنه إذا بلَغَه (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: اتَّفقَ العُلماءُ فيما أعلَمُ على أنَّ قاطِعَ الطريقِ واللِّصَ ونحوَهما إذا رُفِعوا إلى وليِّ الأمرِ ثم تابوا بعدَ ذلكَ لم يَسقطِ الحَدُّ عنهم، بل تَجبُ إقامتُه وإنْ تابوا، فإنْ كانوا صادِقينَ في التوبةِ كانَ الحَدُّ كفَّارةِ لهُم، وكانَ تَمكينُهم مِنْ ذلكَ مِنْ تَمامِ التوبةِ بمَنزلةِ رَدِّ الحُقوقِ إلى أهلِها والتَّمكينِ مِنْ استِيفاءِ القِصاصِ في حُقوقِ الآدميِّينَ (٢).
وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: الحُدودُ لا تَسقطُ بالتَّوبةِ بعدَ القُدرةِ اتفاقًا (٣).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو تابَ مِنْ الزنا أو القَذفِ أو السرقةِ أو شُربِ الخَمرِ قبلَ القُدرةِ عليه، هل يُقامُ عليه الحَدُّ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ حَدَّ السرقةِ فقطْ هو مَنْ يَسقطُ عنه إذا تابَ قبلَ القُدرةِ عليهِ، ويُؤاخَذُ بسائرِ الحُدودِ وإنْ تابَ منها قبلَ القُدرةِ عليهِ، فإذا تابَ السارقُ قبلَ أنْ يُظفَرَ به ورَدَّ المالَ إلى صاحبِه يَسقطُ عنه القَطعُ، بخِلافِ سائرِ الحُدودِ أنها لا تَسقطُ بالتوبةِ.
والفَرقُ أنَّ الخُصومةَ شَرطٌ في السَّرقةِ الصُّغرَى والكُبرى؛ لأنَّ مَحلَّ الجِنايةِ خالِصُ حَقِّ العِبادِ، والخَصومةُ تَنتهِي بالتوبةِ، والتَّوبةُ تَمامُها برَدِّ
(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٤٤٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٣٠٠).
(٣) «إعلام الموقعين» (٣/ ١٣١).
المالِ إلى صاحبِه، فإذا وصَلَ المالُ إلى صاحبِه لم يَبْقَ له حَقُّ الخُصومةِ مع السارقِ، بخِلافِ سائرِ الحُدودِ، فإنَّ الخُصومةَ فيها ليسَتْ بشَرطٍ، فعَدمُها لا يَمنعُ مِنْ إقامةِ الحُدودِ، وفي حَدِّ القَذفِ وإنْ كانَتْ شَرطًا لكنَّها لا تَبطلُ بالتوبةِ؛ لأنَّ بُطلانَها برَدِّ المالِ إلى صاحبِه ولم يُوجَدْ.
وقد رُويَ عن سيِّدِنا عَليٍّ رضي الله عنه «أنه كتَبَ إليه عامِلُه بالبَصرةِ أنَّ حارِثةَ ابنَ زَيدٍ حارَبَ اللهَ ورَسولَه وسَعَى في الأرضِ فَسادًا، فكتَبَ إليهِ سَيدُنا عليٌّ رضي الله عنه أنَّ حارِثةَ قد تابَ قبلَ أنْ تَقدرَ عليهِ، فلا تَتعرَّضْ له إلا بخَيرٍ».
هذا إذا تابَ قاطِعُ الطريقِ قبلَ القُدرةِ عليهِ، فأما إذا تابَ بعدَما قُدرَ عليه بأنْ أُخِذَ ثم تابَ لا يَسقطُ عنه الحَدُّ؛ لأنَّ التوبةَ عن السرقةِ إذا أخَذَ المالَ برَدِّ المالِ على صاحبِه، وبعدَ الأخذِ لا يَكونُ رَدُّ المالِ، بل يَكونُ استِردادًا منه جبْرًا، فلا يَسقطُ الحَدُّ، وإذا لم يَأخُذِ المالَ فهو بعدَ الأخذِ مُتهَمٌ في إظهارِ التوبةِ، فلا تَتحققُ تَوبتُه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ التَّوبةَ لا تُسقِطُ عنه أيَّ حَدٍّ مِنْ الحُدودِ، فإنَّ السارِقَ والقاذفَ والزانِيَ متى تابُوا ثم قامَتِ الشَّهادةُ عليهم أُقيمَتْ عليهم الحُدودُ، وحُجةُ أنَّ التَّوبةَ لا تُسقِطُ الحَدَّ قولُ النبيِّ ﷺ في المَرأةِ الجُهينيةِ: «لقد تابَتْ تَوبةً لو قُسِمتْ بينَ سَبعينَ مِنْ أهلِ المَدينةِ لَوَسعَتْهم، وهل وجدَتْ تَوبةً أفضَلَ مِنْ أنْ جادَتْ بنَفسِها للهِ تعالَى؟» (٢)، وقالَ في
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٩٦).
(٢) رواه مسلم (١٦٩٦).
الغامِديةِ: «لقدْ تابَتْ تَوبةً لو تابَها صاحِبُ مَكْسٍ لَغُفرَ لهُ» (١)، فإقامَةُ الرسولِ ﷺ الحَدَّ على هاتَينِ مع تَوبتِهما دَليلٌ قاطعٌ على أنَّ سُقوطَ الحَدِّ بالتوبةِ إنما خُصَّ به المُحارِبونَ دونَ غيرِهم (٢).
إلا أنَّ الإمامَ القُرطبيَّ رحمة الله عليه قالَ: فأما الشُّرَّابُ والزُّناةُ والسُّراقُ إذا تابوا وأصلَحُوا وعُرفَ ذلكَ منهُم ثم رُفِعوا إلى الإمامِ فلا يَنبغِي له أنْ يَحُدَّهم، وإنْ رُفِعوا إليه فقالوا: «تُبْنَا» لم يُتركُوا، وهُم في هذهِ الحالِ كالمُحارِبينَ إذا غُلِبوا، واللهُ أعلَمُ (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في قَولٍ -وهو مَذهبُ المالِكيةِ والحَنفيةِ في غيرِ السرقةِ كما تَقدَّمَ- إلى أنَّ المُحارِبَ وغيرَ المُحارِبِ إذا فعَلَ ما يُوجِبُ حَدًّا لا يَختصُّ بالمُحارَبةِ كالزنا والقَذفِ وشُربِ الخَمرِ والسرقةِ ثمَّ تابَ أنه لا يَسقطُ عنه الحَدُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقولِه تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقالَ ﷺ: «مَنْ شَربَ الخَمرَ .. فاجلِدُوهُ» (٤) ولمْ يُفرِّقْ بينَ أنْ يَتوبَ وبينَ أنْ لا يَتوبَ؛ ولأنه حَدٌّ لا يَختصُّ بالمُحارَبةِ، فلمْ يَسقطْ بالتَّوبةِ كحَدِّ القَذفِ.
(١) رواه مسلم (١٦٩٥).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٤٤٣)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ١١٥)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٩١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣٢٩).
(٣) «تفسير القرطبي» (٦/ ١٥٨).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٤٨٥)، والترمذي (١٤٤٤)، والنسائي (٥٦٦١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ -وإنْ رجَّحَه العَمرانِيُّ وقالَ: هو الأصَحُّ- والحَنابلةُ في القَولِ الثَّاني إلى أنَّ الحُدودَ تَسقطُ بالتوبةِ قبلَ القُدرةِ عليهِم.
قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وأما الحُدودُ التي تَجبُ لحَقِّ اللهِ تعالَى ولا يَختَصُّ وُجوبُها بالمُحارَبةِ كحَدِّ الزنى واللِّواطِ وحَدِّ الخَمرِ والسَّرقةِ .. فهلْ تَسقطُ بالتَّوبةِ عن المُحارِبِ وغيرِ المُحارِبِ؟ فيه قَولانِ:
أحَدُهما: لا تَسقطُ بالتَّوبةِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقَولِه تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقالَ ﷺ: «مَنْ شَربَ الخَمرَ .. فاجلِدُوه» ولمْ يُفرِّقْ بينَ أنْ يَتوبَ وبينَ أنْ لا يَتوبَ؛ ولأنه حَدٌّ لا يَختصُّ بالمُحارَبةِ، فلمْ يَسقطْ بالتَّوبةِ كحَدِّ القَذفِ.
والثاني: يَسقطُ بالتَّوبةِ، وهو الأصَحُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، فأخبَرَ أنَّ المُحارِبَ إذا تابَ قبلَ القُدرةِ عليهِ .. غُفرَ له جَميعُ ما كانَ منهُ، وقالَ تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] إلى قَولِه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]، فأخبَرَ أنه إذا تابَ وأصلَحَ .. فإنَّ اللهَ يَتوبُ عليهِ ويَغفرُ لهُ؛ والظاهِرُ أنه لا يَتعلقُ عليهِ شيءٌ بعدَ ذلكَ، وقالَ في الزِّنى:
﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦]، وقالَ ﷺ: «التَّوبةُ تَجُبُّ ما قبْلَها» (١).
ورُويَ: «أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: أني أصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْه عليَّ، فقالَ: أليسَ تَوضَّأتَ فصَلَّيتَ؟ فقالَ: بَلى، قالَ: فلا حَدَّ عليكَ» (٢)، فالظاهِرُ أنه إنَّما سقَطَ عنه الحَدُّ بصَلاحِ العَملِ، ولأنه حَدٌّ خالِصٌ للهِ، فسقَطَ بالتَّوبةِ كالحَدِّ الذي يَختصُّ بالمُحارَبةِ.
فإذا قُلنا بهذا: فإنْ كانَتْ هذهِ الحُدودُ وجَبَتْ عليهِ في حالِ المُحاربَةِ .. سقَطَتْ عنه بالتَّوبةِ، ولا يُشترطُ عليه في سُقوطِ الحَدِّ مع التَّوبةِ إصلاحُ العَملِ، وإنْ كانَتْ وجَبَتْ عليه في غيرِ المُحارَبةِ .. لم تَسقطْ عنه حتَّى يَقرنَ مع التَّوبةِ إصلاحَ العَملِ.
والفَرقُ بينَهُما: أنَّ المُحارِبَ مُظهِرٌ للمَعاصِي، فإذا تابَ .. فالظاهِرُ مِنْ حالِه أنه لم يَتُبْ تَقيَّةً، وإنما رجَعَ عمَّا كانَ عليه. وغيرُ المُحارِبِ غيرُ مُظهِرٍ
(١) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١٧٨١٢) بلفظ: «الإسلامَ يَجبُّ ما كانَ قبْلَه، وإنَّ الهِجرةَ تَجبُّ ما كانَ قبْلَها».
(٢) رواه البخاري (٦٤٣٧) عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قالَ: «كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ فجاءَهُ رَجلٌ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْه عَليَّ، قالَ: ولم يَسألْه عنه، قالَ: وحَضرَتِ الصلاةُ فصَلَّى مع النبيِّ ﷺ، فلمَّا قضَى النبيُّ ﷺ الصلاةَ قامَ إليه رَجلٌ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْ فِيَّ كِتابَ اللهِ، قالَ: أليسَ قد صَلَّيتَ معَنا؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فإنَّ اللهَ قد غفَرَ لكَ ذنبَكَ، أو قالَ: حَدَّكَ».
للمَعاصي، فإذا تابَ .. فالظاهِرُ أنه تابَ تقيَّةً، فلمْ يُحكمْ بصِحةِ تَوبتِه حتى يَقترنَ به إصلاحُ العَملِ، ويُشترطُ إصلاحُه للعَملِ مُدةً يُوثَقُ بتَوبتِه فيها.
وأما قَطعُ اليَدِ لأخذِ المالِ في المُحارَبةِ .. فاختَلفَ أصحابُنا فيه:
فقالَ أبو إسحاقَ: لا يَختصُّ بالمُحارَبةِ؛ لأنه لا يَجبُ إلا بأخذِ نِصابٍ، فهو كالقَطعِ في السرقةِ.
وقالَ أبو عَليٍّ ابنُ أبي هُريرةَ وأبو عَليٍّ الطبَريُّ: يَختصُ بالمُحارَبةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآيةَ، فعلَّقَ قطْعَ اليدِ والرِّجلِ بالمحارَبةِ، فدَلَّ على أنهُما يَختصَّانِ معًا بالمحارَبةِ، ولأنه وجَبَ لأخذِ المالِ مُجاهَرةً، وقَطعُ اليدِ في السرقةِ يَجبُ لأخذِ المالِ مِنْ حِرزِه على وجهِ الاستخفاءِ .. فكانَا مُختلِفينِ.
فعَلى قولِ أبي إسحاقَ: إذا تابَ قاطعُ الطريقِ قبلَ القُدرةِ عليه .. هل يَسقطُ عنه قَطعُ اليدِ؟ على قَولينِ.
وعلى قَولِ أبَوَي عليٍّ: يَسقطُ بالتَّوبةِ قبلَ القُدرةِ عليه قولًا واحدًا.
هذا نَقلُ أصحابِنا العِراقيِّينَ، وقالَ المَسعوديُّ في «الإبانَةِ»: إذا تابَ قاطعُ الطريقِ قبلَ الظفَرِ به .. فالصَّحيحُ أنَّ ما كانَ حقًّا للهِ تعالَى كالقطعِ ونحوِه .. فإنه يَسقطُ، وما كانَ حقًّا لآدَميٍّ كانحِتامِ القِصاصِ .. لا يَسقطُ، وقيلَ: يَسقطُ القِصاصُ أيضًا، وليسَ بشَيءٍ، وإنْ تابَ بعدَ الظفَرِ به .. ففيهِ قَولانِ:
أحَدُهما: حُكمُه حُكمُ ما لو تابَ قبلَ الظفَرِ به؛ لأنَّ ما يَسقطُ بتَوبةٍ أو غيرِها لا فرْقَ فيه قبلَ الظفَرِ بهِ أو بعدَ الظفرِ بهِ، كسُقوطِ قَطعِ السرقةِ الواجِبِ بالإقرارِ، وعَكسُه القِصاصُ.
والثَّاني: لا يَسقطُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، قالَ: وعلى هذا خرَّجَ أصحابُنا وَجهينِ في حَدِّ الزنى والشُّربِ: هل يَسقطُ بالتوبةِ؟ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فَصلٌ: وإنْ تابَ مَنْ عليهِ حَدٌّ مِنْ غيرِ المُحارِبينَ وأصلَحَ ففيهِ رِوايتانِ:
إحداهُما: يَسقطُ عنه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وذكَرَ حَدَّ السارِقِ ثم قالَ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٣٩]، وقالَ النبيُّ ﷺ: «التائِبُ مِنْ الذَّنبِ كمَن لا ذنْبَ لهُ» (٢)، ومَن لا ذنْبَ له لا حَدَّ عليهِ، وقالَ في ماعِزٍ لمَّا أُخبِرَ بهَربِه: «هلَّا تَركْتُموهُ يَتوبُ فيَتوبَ اللهُ عليهِ»، ولأنه خالِصَ حَقِّ اللهِ تعالَى، فيَسقطُ بالتوبةِ كحَدِّ المُحارِبِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ: لا يَسقطُ، وهو قَولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحَدُ قَولَي الشافِعيِّ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾
(١) «البيان» (١٢/ ٥١١، ٥١٣)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢١٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٠١).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٤٢٥٠).
[النور: ٢]، وهذا عامٌّ في التائِبينَ وغيرِهم، وقالَ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولأنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ ماعِزًا والغامِديةَ، وقطَعَ الذي أقَرَّ بالسرقةِ، وقد جاؤُوا تائبِينَ يَطلبونَ التَّطهيرَ بإقامةِ الحَدِّ، وقد سَمَّى رَسولُ اللهِ ﷺ فِعلَهم تَوبةً، فقالَ في حَقِّ المَرأةِ، «لقَدْ تابَتْ تَوبةً لو قُسِمتْ على سِبعينَ مِنْ أهلِ المَدينةِ لَوَسعَتْهم».
وجاءَ عَمرُو بنُ سَمُرةَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: «يا رَسولِ اللهِ إني سَرَقتُ جَملًا لبَني فُلانٍ فطَهِّرنِي» (١).
وقد أقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ الحَدَّ عليهِم، ولأنَّ الحَدَّ كفَّارةٌ، فلمْ يَسقطْ بالتَّوبةِ ككفَّارةِ اليَمينِ والقَتلِ، ولأنه مَقدورٌ عليهِ، فلمْ يَسقطْ عنهُ الحَدُّ بالتوبةِ كالمُحارِبِ بعدَ القُدرةِ عليه.
فإنْ قُلنا بسُقوطِ الحَدِّ بالتوبةِ فهل يَسقطُ بمُجرَّدِ التوبةِ؟ أو بها مع إصلاحِ العَملِ؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يَسقطُ بمُجرَّدِها، وهو ظاهِرُ قولِ أصحابِنا؛ لأنها تَوبةٌ مُسقِطةٌ للحَدِّ، فأشبَهَتْ تَوبةَ المُحارِبِ قبلَ القُدرةِ عليه.
والثَّاني: يُعتبَرُ إصلاحُ العَملِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وقالَ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٣٩]، فعَلى هذا القولِ يُعتبَرُ مُضيُّ مُدةٍ يُعلَمُ بها صِدقُ تَوبتِه وصَلاحُ نيَّتِه، وليسَتْ مُقدَّرةً بمُدةٍ مَعلومةٍ، وقالَ بعضُ
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٥٥٨).
أصحابِ الشافِعيِّ: «مُدةُ ذلكَ سَنةٌ»، وهذا تَوقيتٌ بغيرِ تَوقيفٍ فلا يَجوزُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: فَصلٌ: قِياسُ تَوبةِ التائبِ على تَوبةِ المُحارِبِ:
وأما اعتِبارُ تَوبةِ المُحارِبِ قبلَ القُدرةِ عليه دونَ غيرِه فيُقالُ: أينَ في نُصوصِ الشارِعِ هذا التَّفريقُ؟ بل نَصُّه على اعتبارِ تَوبةِ المحارِبِ قبلَ القُدرةِ عليهِ إمَّا مِنْ بابِ التَّنبيهِ على اعتِبارِ تَوبةِ غَيرِه بطَريقِ الأَولى؛ فإنه إذا دفَعَتْ تَوبتُه عنه حَدَّ حِرابَه مع شِدةِ ضَررِها وتَعدِّيه فلَأنْ تَدفعَ التوبةُ ما دونَ حَدِّ الحِرابِ بطَريقِ الأَولى والأَحرى، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقالَ النبيُّ ﷺ: «التائِبُ مِنْ الذَّنبِ كمَن لا ذنْبَ لهُ» (٢)، واللهُ تعالَى جعَلَ الحُدودَ عُقوبةً لأربابِ الجَرائمِ، ورفَعَ العُقوبةَ عن التائبِ شَرعًا وقَدرًا، فليسَ في شَرعِ اللهِ ولا قَدَرِه عُقوبةُ تائبٍ ألبتَّةَ.
وفي الصَّحيحينِ مِنْ حَديثِ أنسٍ قالَ: «كنتُ مع النبيِّ ﷺ فَجاءَ رَجلٌ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْه عليَّ، قالَ: ولم يَسألْه عنهُ، فحضَرَتِ الصلاةُ فصَلَّى مع النبيِّ ﷺ، فلما قضَى النبيُّ ﷺ الصلاةَ قامَ إليهِ الرَّجلُ فأعادَ قولَه، قالَ: أليسَ قد صَلَّيتَ مَعَنا؟ قالَ: نَعمْ، قالَ: فإنَّ اللهَ ﷿ قد غفَرَ لكَ ذنْبَكَ» (٣)، فهذا لمَّا جاءَ
(١) «المغني» (٩/ ١٣٠، ١٣١).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٤٢٥٠).
(٣) رواه البخاري (٦٤٣٧)، ومسلم (٢٧٦٤).
تائبًا بنَفسِه مِنْ غيرِ أنْ يُطلَبَ غفَرَ اللهُ له ولم يُقَمْ عليهِ الحَدُّ الذي اعتَرفَ بهِ، وهو أحَدُ القَولينِ في المَسألةِ، وهو إحدَى الرِّوايتينِ عن أحمَدَ، وهو الصَّوابُ.
فإنْ قيلَ: فماعِزٌ جاءَ تائبًا والغامِديةُ جاءَتْ تائِبةً وأقامَ عليهِما الحَدَّ.
قيلَ: لا رَيبَ أنهُما جاآ تائبَينِ، ولا رَيبَ أنَّ الحَدَّ أُقيمَ عليهِما، وبهِما احتَجَّ أصحابُ القَولِ الآخَرِ، وسألْتُ شَيخَنا عن ذلكَ فأجابَ بما مَضمونُه بأنَّ الحَدَّ مُطهِّرٌ وأنَّ التَوبةَ مُطهِّرةٌ، وهُما اختارَا التطهيرَ بالحَدِّ على التَّطهيرِ بمُجرَّدِ التوبةِ، وأبَيَا إلا أنْ يُطهَّرَا بالحَدِّ، فأجابَهُما النبيُّ ﷺ إلى ذلكَ، وأرشَدَ إلى اختيارِ التطهيرِ بالتوبةِ على التَّطهيرِ بالحَدِّ، فقالَ في حَقِّ ماعزٍ: «هلَّا تَركْتُموهُ يَتوبُ فيَتوبَ اللهُ عليهِ»، ولو تَعيَّنَ الحَدُّ بعدَ التوبةِ لَمَا جازَ تَركُه، بلِ الإمامُ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَتركَه كما قالَ لصاحِبِ الحَدِّ الذي اعتَرفَ بهِ: «اذهَبْ فقدْ غفَرَ اللهُ لكَ»، وبينَ أنْ يُقيمَه كما أقامَه على ماعِزٍ والغامِديةِ لمَّا اختارَا إقامتَه وأبَيَا إلا التطهيرَ بهِ، ولذلكَ رَدَّهما النبيُّ ﷺ مِرارًا وهُما يَأبَيانِ إلا إقامتَهُ عليهِما، وهذا المَسلكُ وَسطٌ بينَ مَسلكِ مَنْ يَقولُ: لا تَجوزُ إقامَتُه بعدَ التوبةِ ألبتَّةَ، وبينَ مَسلكِ مَنْ يَقولُ: لا أثَرَ للتَّوبةِ في إسقاطِه ألبتَّةَ، وإذا تأمَّلْتَ السُّنةَ رَأيتَها لا تَدلُّ إلا على هذا القَولِ الوَسطِ، واللهُ أعلَمُ (١).
(١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٩٧، ٩٨).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحرابة
الباب الخامس بماذا تثبت الحرابة
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَظْهَرَ لِجِيرَانِهِ. وَإِنْ أَتَى الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ إِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامُ. وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بِأَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
وَأَمَّا صِفَةُ الْمُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ.
وَالثَّالِثُ: كَيْفَمَا كَانَتْ، لَهُ فِئَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا امْتَنَعَ، فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ - فَقِيلَ: لَهُ الْأَمَانُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ. وَقِيلَ: لَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَمَّنُ الْمُشْرِكُ.
وَأَمَّا مَا تُسْقِطُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الْحِرَابَةِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
ارجع إلى حكم الردء للاطلاع على جميع المسائل.