الإسلام > الجنايات والحدود > حكم الردء > عقوبة المحاربين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةعُقوبةُ المحارِبينَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ الإسلامِ على أنَّ عُقوبةَ الحِرابةِ وقَطعِ الطريقِ حَدٌّ مِنْ حُدودِ اللهِ، لا يَجوزُ للحاكمِ أنْ يُسقطَها ولا أنْ يَعفوَ عنها، إلا إذا تَابوا قبلَ القُدرةِ عليهِم، والأصلُ في هذا قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤].
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا هل هذا الحُكمُ فيهِم على التَّخييرِ في أنْ يَفعلَ الإمامُ منها ما رَآهُ صَلاحًا؟ أم على التَّنويعِ والتَّرتيبِ، فتَكونُ كلُّ عُقوبةٍ منها في مُقابَلةِ ذَنبٍ لا يَتعدَّاهُ إلى غيرِه؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ هذهِ الآيةِ على التَّنويعِ وليسَتْ على التَّخييرِ، وحالُهم لا يَخلو مِنْ أربَعةِ أنواعٍ:
النَّوعُ الأولُ: مَنْ قتَلَ منهُم وأخَذَ المالَ: فهذا حُكمُه أنه يُقتلُ ولو عَفَى وليُّ المَقتولِ عن القتلِ؛ لأنه حَقُّ اللهِ تعالَى، فلا يَسقطُ بعَفوِ الوليِّ، ويُصلَبُ حتى يَشتهرَ بهِ؛ لأنَّ المَقصودَ منه زَجرُ غيرِه، ولا يَحصلُ إلا بهِ، ثم يُنزَلُ ويُدفعُ إلى أهلِه.
النَّوعُ الثاني: أنْ يَقتلَ ولا يأخُذَ مالًا: وهذا حُكمُه أنه يُقتلُ ولا يَصلبُ، ولا يُلتفتُ إلى عَفوِ أولياءِ القتيلِ؛ لأنَّ ذلكَ حَقُّ اللهِ تعالى، وحُدودُ اللهِ لا يَجوزُ العفوُ عنها.
النَّوعُ الثالثُ: أنْ يَأخذَ المالَ -وهو مِقدارُ النِّصابِ- ولا يَقتلَ: فحُكمُه أنه تُقطعُ يَدُه اليُمنى ورِجلُه اليُسرَى، فإنْ لم يَبلغْ ما أخَذَه نِصابًا -على الخِلافِ المُتقدمِ في السرقةِ- فلا يَتعلقُ به حُكمُ قاطعِ الطَّريقِ.
النَّوعُ الرابعُ: مَنْ أخافَ الطَّريقَ ولم يَقتلْ ولم يَأخذْ مالًا: فحُكمُه عندَ الحَنفيةِ أنه يُنفَى ويَحبسُه الإمامُ حتى يُحدِثَ تَوبةً، ويُعزَّرُ أيضًا؛ لمُباشَرتِه مُنكَرًا.
وقالَ الشافِعيةُ: عَزَّرَه الإمامُ بحَبسٍ أو غيرِه؛ لارتِكابِه مَعصيةً، وهي الحِرابةُ، لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، وهذا تَفسيرُ النفيِ في الآيةِ الكَريمةِ، وللإمامِ تَركُه إنْ رَأى في ذلكَ مَصلحةً، ولا يُقدَّرُ الحَبسُ بمُدةٍ، بل يُستدامُ حتى تَظهرَ تَوبتُه، وقيلَ: سِتةُ أشهُرٍ، وقيلَ: سَنةٌ.
وقالَ الحَنابلةُ: يَنفَوا مِنْ الأرضِ، فلا يُتركونَ يَأوُونَ إلى بَلدٍ حتى تَظهرَ تَوبتُهم، وقيلَ: التَّعزيرُ فيه بما يَردعُهم، وقيلَ: الحَبسُ في غيرِ بَلدِهم.
والدليلُ على أنها وجَبَتْ على التَّرتيبِ والتَّنويعِ على حَسبِ العُقوبةِ ما يَلي:
١ - ما رَواهُ الشافِعيُّ قالَ: أخبَرَنا إبراهيمُ عن صالِحٍ مَولى التَّوأمةِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في قُطَّاعِ الطريقِ: «إذا قَتَلوا وأخَذُوا المالَ قُتِلوا وصُلِبوا، وإذا
قَتَلوا ولم يَأخُذوا المالَ قُتِلوا ولم يُصلَبوا، وإذا أخَذُوا المالَ ولم يَقتلُوا قُطِعتْ أيدِيهم وأرجُلُهم مِنْ خِلافٍ، وإذا هَرَبوا طُلِبوا حتى يُوجَدوا فتُقامَ عليهِم الحُدودُ، وإذا أخَافُوا السبيلَ ولم يَأخُذوا مالًا نُفُوا مِنْ الأرضِ» (١)، فإما أنْ يكونَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَه تَوقيفًا أو لُغةً، وأيَّهما كانَ فهو حُجةٌ.
٢ - ورُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قالَ: «وادَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ أبا برزةَ الأسلَميَّ، فجاءَ ناسٌ يُريدونَ الإسلامَ، فقطَعَ عليهِم أصحابُه، فنزَلَ جِبريلُ عليه السلام بالحَدِّ فيهِم: أنَّ مَنْ قتَلَ وأخَذَ المالَ قُتلَ وصُلبَ، ومَن قتَلَ ولم يأخُذِ المالَ قُتلَ، ومَن أخَذَ المالَ ولم يَقتلْ قُطِعتْ يَدُه ورِجلُه مِنْ خِلافٍ» (٢)، وعُلِمَ منه أنَّ «أَوْ» في الآيةِ ليسَتْ للتَّخييرِ ولا للشكِّ، بل للتَّنويعِ.
٣ - قَذذولُ النبيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأني رَسولُ اللهِ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: الثَّيبُ الزَّاني، والنَّفسُ بالنفسِ، والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (٣)، فنَفَى ﷺ قتْلَ مَنْ خرَجَ عن هَذهِ الوُجوهِ الثَّلاثةِ، ولم يُخصِّصْ فيه قاطِعَ الطريقِ، فانتفَى بذلكَ قتلُ مَنْ لم يَقتلْ مِنْ قُطَّاعِ الطريقِ، وإذا انتفَى قتلُ مَنْ لم يَقطعْ وجَبَ قَطعُ يَدِه ورِجلِه إذا أخَذَ المالَ.
(١) ضَعِيفٌ: رواه الشافعي في «المسند» (١٥٣١)، وفي «الأم» (٦/ ١٥٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٧٠٩٠)، وفي إسنادِه مَولَى التَّوأمةِ (إلى الضَّعفِ أقرَبُ).
(٢) ضَعِيفٌ: رواه أبو يوسف القاضي في كتاب «الخراج» ص (١٠٨).
(٣) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (٤٤٦٨).
ويَدلُّ على أنَّ في الآيةِ ضَميرًا ولا تَخييرَ فيها اتِّفاقُ الجَميعِ على أنهم لو أخَذُوا المالَ ولم يَقتلُوا لم يَجُزْ للإمامِ أنْ يَنفيَه ويَتركَ قطْعَ يَدِه ورِجلِه، وكذلكَ لو قَتلُوا وأخَذُوا المالَ لم يَجُزْ للإمامِ أنْ يُعفيَه مِنْ القَتلِ أو الصَّلبِ، ولو كانَ الأمرُ على ما قالَ القائِلونَ بالتَّخييرِ لَكانَ التَّخييرُ ثابتًا فيما إذا أخَذُوا المالَ وقَتَلوا أو أخَذُوا المالَ ولم يَقتلُوا، فلمَّا كانَ ذلك على ما وصَفْنا ثبَتَ أنَّ في الآيةِ ضَميرًا، وهو أنْ يُقتَلوا إنْ قَتَلوا، أو يُصلَبُوا إنْ قَتَلوا وأخَذُوا المالَ، أو تُقطَّعَ أيدِيهِم وأرجُلُهم مِنْ خِلافٍ إنْ أخَذُوا المالَ ولم يَقتُلوا، أو يُنفَوا مِنْ الأرضِ إنْ خَرَجوا ولم يَفعَلوا شَيئًا مِنْ ذلكَ حتى ظفرَ بهِم.
٤ - ولأنَّ اختِلافَ العُقوباتِ يُوجِبُ اختِلافَ أسبابِها.
٥ - ولأنَّ التخييرَ مُفْضٍ إلى أنْ يُعاقَبَ مَنْ قَلَّ جُرمُه بأغلَظِ العُقوباتِ، ومَن كَثُرَ جُرمُه بأخَفِّ العُقوباتِ، والترتيبُ يَمنعُ مِنْ هذا التناقُضِ؛ لأنه يُعاقبُ في أقَلِّ الجُرمِ بأخَفِّ العُقوباتِ، وفي كَثرةِ الجُرمِ بأغلَظِها، فكانَ أَولى؛ لأنَّ الجَزاءَ على قَدرِ الجِنايةِ يَزدادُ بزِيادةِ الجِنايةِ ويَنتقصُ بنُقصانِها، هذا هو مُقتضَى العَقلِ والسَّمعِ أيضًا، قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فالتخييرُ في الجِنايةِ القاصِرةِ بالجَزاءِ في الجَزاءِ الذي هو جَزاءٌ في الجِنايةِ الكامِلةِ، وفي الجِنايةِ الكَاملةِ بالجَزاءِ الذي هو جَزاءٌ في الجِنايةِ القاصِرةِ خِلافُ المَشروعِ.
يُحقِّقُه أنَّ الأمَّةَ اجتَمعَتْ على أنَّ القُطَّاعَ لو أخَذوا المالَ وقَتَلوا لا يُجازَونَ بالنفيِ وحْدَه وإنْ كانَ ظاهرُ الآيةِ يَقتضي التَّخييرَ بينَ الأجزِيةِ
الأربَعِ، دَلَّ أنه لا يُمكِنُ العَملُ بظاهرِ التخييرِ، على أنَّ التخييرَ الوارِدَ في الأحكامِ المُختلِفةِ مِنْ حُيثِ الصورةُ بحَرفِ التخييرِ إنما يَجرِي على ظاهرِه إذا كانَ سَببُ الوُجوبِ واحِدًا، كما في كفَّارةِ اليَمينِ وكفَّارةِ جَزاءِ الصَّيدِ.
أما إذا كانَ مُختلِفًا فيُخرَّجُ مَخرجَ بَيانِ الحُكمِ لكلٍّ في نفسِه، كما في قولِه تعالَى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾ [الكهف: ٨٦] إنَّ ذلكَ ليس للتخييرِ بينَ المُذكورَينَ، بل لبَيانِ الحُكمِ لكلٍّ في نفسِه؛ لاختِلافِ سَببِ الوُجوبِ، وتأويلُه: إمَّا أنْ تُعذِّبَ مَنْ ظلَمَ أو تَتخذَّ الحُسنَ فيمَن آمَنَ وعَمِلَ صالحًا، ألَا تَرَى إلى قولِه: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف: ٨٧] الآيَة، ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٨] الآيَة، وقَطعُ الطَّريقِ مُتنوِّعٌ في نَفسِه وإنْ كانَ مُتحِدًا مِنْ حيثُ الذاتُ، قد يَكونُ بأخذِ المالِ وحْدَه، وقد يَكونُ بالقتلِ لا غيرَ، وقد يكونُ بالجَمعِ بينَ الأمرَينِ، وقد يكونُ بالتَّخويفِ لا غيرَ، فكانَ سَببُ الوُجوبِ مُختلِفًا، فلا يُحملُ على التَّخييرِ، بل على بَيانِ الحُكمِ لكلِّ نَوعٍ، أو يُحتمَلُ هذا ويُحتمَلُ التَّخييرُ، فلا يكونُ حُجةً مع الاحتِمالِ، وإذا لم يُمكِنْ صُرفَتِ الآيةُ الشَّريفةُ إلى ظاهرِ التخييرِ في مُطلَقِ المُحارِبِ، فتُحملُ على الترتيبِ ويُضمَرُ في كلِّ حُكمٍ مَذكورٍ نَوعٌ مِنْ أنواعِ قَطعِ الطريقِ، كأنه قالَ ﷾: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] إنْ أخَذوا المالَ وقَتَلوا، ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] إنْ أخَذوا المالَ لا غيرَ، ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] إنْ أخافُوا، هكذا ذكَرَ سَيدُنا جِبريلُ
عليه الصلاة والسلام لرَسولِ اللهِ ﷺ لمَّا قطَعَ أبو بُردةَ رضي الله عنه بأصحابِه الطَّريقَ على أناسِ جاؤُوا يُريدونَ الإسلامَ أنَّ مَنْ قتَلَ قُتلَ، ومَن أخَذَ المالَ ولم يَقتلْ قُطِعتْ يَدُه ورِجلُه مِنْ خِلافٍ، ومَن قتَلَ وأخَذَ المالَ صُلبَ، ومَن جاءَ مُسلمًا هدَمَ الإسلامُ ما كانَ قبلَه مِنْ الشِّركِ»، وإلى هذا التأويلِ يَذهبُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما (١).
ومَذهبُ الإمامِ أبي حَنيفةَ كمَذهبِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ والشافِعيةِ والحَنابلةِ إلا في نَوعٍ واحدٍ، وهو: مَنْ قتَلَ منهُم وأخَذَ المالَ فهذا حُكمُه عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ أنَّ الإمامَ بالخِيارِ بينَ ثلاثةِ أشياءَ:
الأولُ: إنْ شاءَ قَطعَ أيدِيَهم وأرجُلَهم مِنْ خِلافِ جَزاءً على أخذِ المالِ، وبعدَ ذلكَ قتَلَهم وصلَبَهم جَزاءً على القتلِ.
والثاني: وإنْ شاءَ قتَلَهم فقط.
(١) «أحكام القرآن» (٤/ ٥٤، ٥٨)، و «المبسوط» (٩/ ١٩٥، ١٩٨)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٩٣، ٩٤)، والهداية (٢/ ١٣٢)، و «الاختيار» (٤/ ١٣٧، ١٣٨)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤١٨، ٤٢٠)، و «اللباب» (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «الأم» (٦/ ١٥٢)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٣/ ٣٥٣، ٣٥٥)، و «المهذب» (٢/ ٢٨٤)، و «البيان» (١٢/ ٥٠٠، ٥٠١)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٥٣)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٩٨، ٥٩٩)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٩٦، ٤٩٧)، و «المغني» (٩/ ١٢٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٣٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٩١، ١٩٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٤٨، ٣٤٩)، و «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٠).
والثالث: وإنْ شاءَ صَلبَهم فقطْ؛ لِما في كُلٍّ منهِمُا مِنْ الإهلاكِ، وفيهِ كِفايةٌ في الزَّجرِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ قولَ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣] على التَّخييرِ بينَ القَتلِ والصَّلبِ والقَطعِ والنَّفيِ؛ لأنَّ «أَوْ» تَدخلُ في الكَلامِ للتخييرِ في الأوامرِ، والشَّكِ في الأخبارِ، وهذا أمرٌ، فكانَتْ للتخييرِ كهيَ في كفَّارةِ اليَمينِ.
فيُخيَّرُ الإمامُ بينَ هذهِ الأمورِ، ويَستشيرُ بذلكَ أهلَ العِلمِ والرأيِ والفَضلِ على قَدرِ جُرمِ المُحارِبِ وإفسادِه، وليسَ ذلكَ إلى سِوى الإمامِ.
إلا أنْ يكونَ المُحارِبُ قد قتَلَ فيَتحتَّمُ قتلُه، سَواءٌ كانَ المَقتولُ مُكافِئًا كمُسلمٍ حُرٍّ، بل ولو كافِرًا ورَقيقًا قتَلَه مُسلمٌ حُرٌّ أو أعانَ على قَتلِه ولو بجاهِه، فيُقتلُ للحِرابةِ بلا صَلبٍ أو مع صَلبٍ، ولا يَجوزُ قَطعُه ولا نَفيُه، وليسَ لوَليِّ الدَّمِ عَفوٌ عنه قبلَ مَجيئِه تائبًا، فإنْ جاءَ تائبًا فللوليِّ العَفوُ؛ لأنَّ قتْلَه حِينئذٍ قِصاصٌ لا يَسقطُ بمَجيئِه تائبًا، بل بعَفوِ الوليِّ عنه.
وإنْ قُدِرَ عليه ولم يَكنْ قد قتَلَ أحَدًا فيُخيَّرُ الإمامُ في أمورٍ أربَعةٍ، ويُندَبُ له العَملُ بالمَصلحةِ:
(١) «أحكام القرآن» (٤/ ٥٤، ٥٨)، و «المبسوط» (٩/ ١٩٥، ١٩٨)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٩٣، ٩٤)، و «الهداية» (٢/ ١٣٢)، و «الاختيار» (٤/ ١٣٧، ١٣٨)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤١٨، ٤٢٠)، و «اللباب» (٢/ ٣٣٥، ٣٣٦).
١ - فللإمامِ قَتلُه بدونِ صَلبٍ.
٢ - وله قَتلُه وهو مَصلوبٌ.
٣ - وله قَطعُ يَمينِه مِنْ الكُوعِ ورِجلِه اليُسرَى مِنْ مَفصِلِ الكَعبِ.
٤ - وله نَفيُ الذَّكرِ الحُرِّ كما يُنفى في الزنا، ويُحبَسُ للأقصى مِنْ السَّنةِ وظُهورِ التوبةِ، وضُربَ قبلَ النَّفيِ اجتِهادًا بحَسبِ ما يَراهُ الحاكمُ.
وهذه الحُدودُ الأربعُ يُخيَّرُ فيها الإمامُ، والتخييرُ بينَ الأربعِ في حقِّ المحارِبِ الذَّكرِ، أمَّا المَرأةُ فلا تُصلَبُ ولا تُنفى؛ إنما حَدُّها القَتلُ أو القَطعُ مِنْ خِلافٍ.
إلا أنه يُندَبُ للإمامِ أنْ يَنظرَ في حالِ المُحارِبِ الذي لم يَصدرْ منه قَتلٌ، فمَن كانَ له تَدبيرٌ في الحُروبِ وفي الخَلاصِ منها تَعيَّنَ له القَتلُ لا القَطعُ مِنْ خِلافٍ؛ لأنه لا يُدفعُ ضَررُه.
وإنْ كانَ المُحارِبُ مِنْ أهلِ البَطشِ والشجاعةِ فيَتعيَّنُ قَطعُه مِنْ خِلافٍ.
فإنْ لم يَكنْ عندَه تَدبيرٌ ولا بَطشٌ بل اتَّصفَ بغَيرِهما أو وقَعَتْ منه الحِرابةُ فَلْتةً مُخالِفةً لظاهرِ حالِه ومُوافِقةً لغيرِه تعيَّنَ له الضَّربُ والنفيُ، أي: يَضربُه ويَنفيهِ.
ثمَّ إنَّ الإمامَ هو الذي يُعيِّنُ ما يفعلُ بالمُحاربِ مِنْ العُقوباتِ الأربعِ المَذكورةِ، لا لمَن قُطِعتْ يَدُه ونحوُها، فلا تَعيينَ له في ذلكَ؛ إذ لا حَقَّ له في ذلك؛ لأنَّ ما يَفعلُه الإمامُ بالمحارِبِ ليس عن شيءٍ مُعيَّنٍ، وإنما هو عن جَميعِ ما يَفعلُه في حِرابتِه مِنْ إخافةٍ وأخذِ مالٍ وجرحٍ (١).
(١) «الاستذكار» (٧/ ٥٥٢، ٥٥٣)، و «أحكام القرآن» (٢/ ٩٨، ٩٩) «التاج والإكليل» (٥/ ٣٦٤، ٣٦٥)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٠٥، ١٠٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦١، ٣٦٣)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٩٢، ٣٩٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٣٤٣، ٣٤٤).
ارجع إلى حكم الردء للاطلاع على جميع المسائل.