الإسلام > الجنايات والحدود > حكم عقد الهدنة هل يلزم الوفاء به أو يجوز للإمام فسخه متى شاء > متى يجوز للإمام أن ينقض العقد؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةعليهم؛ لأنَّ العَقدَ المُؤقَّتَ إلى غايةٍ يَنتَهي بانتِهاءِ الغايةِ من غيرِ الحاجةِ إلى الناقِضِ ولو كانَ واحِدٌ منهم دخَلَ الإسلامَ بالمُوادَعةِ المُؤقَّتةِ فمَضى الوَقتُ وهو في دارِ الإسلامِ فهو آمِنٌ حتى يَرجِعَ إلى مَأمَنِه؛ لأنَّ التَّعرُّضَ له يُوهِمُ الغَدرَ والتَّغريرَ فيَجبُ التَّحرُّزُ عنه ما أمكَنَ (١).
إلا أنَّه لا يَخرجُ إليهم إلا بعدَ انتِهائِها لما رَوى أبو داودَ وغيرُه عن سُلَيمِ بنِ عامِرٍ قالَ: كانَ بينَ مُعاويةَ وبينَ الرُّومِ عَهدٌ، وكانَ يَسيرُ نَحوَ بِلادِهم حتى إذا انقَضى العَهدُ غَزاهم، فجاءَ رَجلٌ على فَرسٍ أو بِرذَونٍ وهو يَقولُ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، وَفاءٌ لا غَدرٌ. فنظَروا فإذا عَمرُو بنُ عَبَسةَ. فأرسَلَ إليه مُعاويةُ فسَألَه، فقالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ كانَ بَينَه وبَينَ قَومٍ عَهدٌ فلا يَشُدَّ عُقدةً ولا يَحُلَّها حتى يَنقَضيَ أمَدُها أو يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ» فرجَعَ مُعاويةُ (٢).
متى يَجوزُ للإمامِ أنْ يَنقُضَ العَقدَ؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإمامَ إذا خافَ خيانَتَهم بظُهورِ أمارةٍ تَدلُّ على الخَوفِ لا بمُجرَّدِ الوَهمِ فله نَبذُ عَهدِهم إليهم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨] أباحَ اللهُ لرَسولِه إذا تَوقَّع من أعدائِه غائِلةً من مَكرٍ، أنْ يَنبِذَ إليهم على سَواءٍ، حتى لا يَقولَ المُبطِلُ: إنَّكَ نقَضتَ العَهدَ بنَصبِ الحَربِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١١٠).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٥٩)، والإمام أحمد (١٧٠٥٦)، والترمذي (١٥٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٧٣٢).
وعليه أنْ يُعلِمَهم بأنَّه يُريدُ أنْ يَغزُوَهم، وأنَّ الصُّلحَ الذي كانَ بينَهم قد ارتفَع، فيَكونَ الفَريقانِ في ذلك على السَّواءِ.
ولا يَجوزُ أنْ يَبدأَهم بقِتالٍ ولا غارةٍ قبلَ إعلامِهم بنَقضِ العَهدِ للآيةِ ولأنَّهم آمِنونَ بحُكمِ العَهدِ فلا يَجوزُ قَتلُهم ولا أخذُ مالِهم.
ولا تُنتقَضُ الهُدنةُ إلا أنْ يَحكُمَ الإمامُ بنَقضِها؛ لقَولِه ﷿: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، ولأنَّ نقضَها لخَوفِ الخِيانةِ، وذلك يَفتقِرُ إلى نَظرٍ واجتِهادٍ فافتَقَر إلى الحاكِمِ.
فإنْ قيلَ: كيف يَجوزُ نَقضُ العَهدِ مع خَوفِ الخِيانةِ والخَوفُ ظَنٌّ لا يَقينَ معه فكيف يَسقُطُ يَقينُ العَهدِ بظَنِّ الخِيانةِ؟
فعنه جَوابانِ:
أحدُهما: أنَّ الخَوفَ ههنا بمَعنى اليَقينِ كما يأتي الرَّجاءُ بمَعنى العِلمِ كقَولِه: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣].
الثانِي: أنَّه إذا ظهَرَت آثارُ الخِيانةِ وثبَتَت دَلائِلُها وجَبَ نَبذُ العَهدِ لئلَّا يُوقِعَ التَّمادي عليه في الهَلكةِ، وجازَ إسقاطُ اليَقينِ ههنا بالظَّنِّ للضَّرورةِ، وإذا كانَ العَهدُ قد وقَعَ فهذا الشَّرطُ عادةً وإنْ لم يُصرَّحَ به لفظًا إذْ لا يُمكِنُ أكثَرُ من هذا (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٠٩)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٢٤٠)، و «أحكام القرآن» للكيا هراسي (٣/ ١٦٢)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٣)، و «البيان» (١٢/ ٣٢٧، ٣٢٨)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٥٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٩٨)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٤٥)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٥٨٥)، و «المغني» (٩/ ٢٤٠).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول، يصفون الزنى)
اللهُ عَلَيْهِ " . ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجوعُه. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كُنَّا أصحابَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نتحدَّثُ أنَّ الغامديَّةَ وماعزَ بن مالِكٍ، لو رَجَعا بعدَ اعْترافِهِما . أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْترافِهما، لم يَطْلُبْهُما، وإنَّما رجَمَهما عندَ الرابعة. روَاه أبو داود . ولأنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ الإِقْرارَ إحْدَى بَيِّنَتَىِ الحَدِّ، فيَسْقطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رجعَتْ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، وفارقَ سائرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرأُ بالشُّبهاتِ. وإنَّما لم يجبْ ضَمانُ ماعزٍ على الذين قَتلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بِصَريحٍ في الرُّجوعِ. إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا هَرَبَ لم يُتْبَعْ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " هَلَّا تَرَكْتُمُوه". وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُضَمِّنْ ماعزًا مَنْ قَتَلَه، ولأنَّ هربَه ليس بِصَريحٍ في رُجوعِه. وإن قال: رُدُّونى إلى الحاكمِ. وجبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإنْ أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أَتمَّه؛ لمَا ذكرْنَا في هَرَبِه. وإن رجعَ عن إقْرارِهِ، وقال: كذَبْتُ في إقْرارِى. أو: رجعتُ عنه. أو: لم أفعلْ ما أقْرَرْتُ به. وجبَ تركهُ، فإنْ قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، وجبَ ضَمانُه؛ لأنَّه قد زالَ إقْرارُه بالرُّجوعِ عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قصاصَ على قاتِلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اخْتَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكان اخْتلافُهم شُبْهَةً دارئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحَّةَ الإِقْرارِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا من وُجوبِ القِصَاصِ.
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أحرارٌ عُدُولٌ، يَصِفُونَ الزِّنَى)
ارجع إلى حكم عقد الهدنة هل يلزم الوفاء به أو يجوز للإمام فسخه متى شاء؟ للاطلاع على جميع المسائل.