الإسلام > الجنايات والحدود > دية الجنايات فيما دون النفس > دية الأنف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةدِيةُ الأنفِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأنفَ إذا كانَ قُطعَ مارِنُه ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، لقَولِ النبيِّ ﷺ: «وفي الأنفِ إذا أوعِبَ جَدعُه الدِّيةُ» (١)، يعني: إذا استُوعبَ واستُؤصلَ، ولأنه عُضوٌ فيه جَمالٌ ومَنفعةٌ ليسَ في البدنِ منه إلا شيءٌ واحدٌ، فكانَت فيه الدِّيةُ كاللسانِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ في الأنفِ إذا أُوعبَ جَدعًا الدِّيةَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ في الأنفِ إذا استُوعبَ جَذعًا الدِّيةُ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والذي يَجبُ فيه القِصاصُ أو الدِّيةُ هو المارِنُ، وهو ما لانَ منه دونَ قَصبةِ الأنفِ؛ لأنَّ ذلكَ حدٌّ يَنتهي إليه، فهو كاليَدِ يَجبُ القِصاصُ فيما انتَهى إلى الكوعِ (٤).
وقالَ أيضًا: وإنما الدِّيةُ في مارنِه، وهو ما لانَ منه، هكذا قالَ الخَليلُ وغيرُه؛ لأنه يُروى عن طاوسٍ أنه قالَ: كانَ في كتابِ رَسولِ اللهِ ﷺ: «وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ مارِنُه جَدعًا الدِّيةُ»، ولأنَّ الذي يُقطعُ فيه ذلكَ،
(١) «رواه النسائي» (٤٨٥٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٥٥٩).
(٢) «الإجماع» (٦٨١).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ٣٨).
(٤) «المغني» (٨/ ٢٥٨).
فانصَرفَ الخبَرُ إليه، فإنْ قطَعَ بعضَه ففيهِ بقَدرِه مِنْ الدِّيةِ، يُمسحُ ويُعرَفُ قدرُ ذلكَ منه كما قُلنا في الأذنَينِ، وقد رُويَ هذا عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والشَّعبيِّ والشافِعيِّ، وإنْ قطَعَ أحَدَ المِنخرينِ ففيه ثُلثُ الدِّيةِ، وفي المُنخرينِ ثُلثُاها، وفي الحاجزِ بينَهُما الثلثُ، قالَ أحمَدُ: في الوَتَرةِ الثلثُ، وفي الخَرَمةِ في كلِّ واحدٍ منهُما الثلثُ، وبهذا قالَ إسحاقُ، وهو أحَدُ الوَجهينِ لأصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المارِنَ يَشتملُ على ثَلاثةِ أشياءَ مِنْ جِنسٍ، فتَوزَّعتِ الدِّيةُ على عَددِها كسائرِ ما فيه عَددٌ مِنْ جِنسٍ مِنْ اليَدينِ والأصابعِ والأجفانِ الأربعةِ.
وحكَى أبو الخطَّابِ وَجهًا آخَرَ أنَّ في المِنخرينِ الدِّيةَ، وفي الحاجزِ بينَهُما حكومةٌ؛ لقَولِ أحمدَ: في كلِّ زَوجينِ مِنْ الإنسانِ الدِّيةُ، وهو الوَجهُ الثاني لأصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المِنخرينِ ليسَ في البَدنِ لهُما ثالثٌ، فأشبَهَا اليَدينِ، ولأنه بقَطعِ المِنخرينِ أذهَبَ الجَمالَ كلَّه والمَنفعةَ، فأشبهَ قطْعَ اليَدينِ، فعَلى هذا الوجهِ في قطعِ أحَدِ المِنخرينِ نصفُ الدِّيةِ، وإنْ قطَعَ معَه الحاجزَ ففيهِ حُكومةٌ، وإنْ قطَعَ نصفَ الحاجزِ أو أقَلَّ أو أكثَرَ لم يَزدْ على حُكومةٍ، وعلى الأولِ في قَطعِ أحَدِ المِنخرينِ ونصفِ الحاجزِ نصفُ الدِّيةِ، وفي قطعِ جَميعِه مع المِنخرِ ثُلثَا الدِّيةِ، وفي قَطعِ جُزءٍ مِنْ الحاجزِ أو أحدِ المِنخرينِ بقَدرِه مِنْ ثُلثِ الدِّيةِ يُقدَّرُ بالمساحةِ، فإنْ شَقَّ الحاجزَ بينَ المِنخرينِ ففيه حُكومةٌ، فإنْ بَقيَ مُنفرجًا فالحُكومةُ فيه أكثَرُ.
فَصلٌ: وإنْ قطَعَ المارِنَ مع القَصبةِ ففيهِ الدِّيةُ في قياسِ المَذهبِ، وهذا مَذهبُ مالكٍ، ويَحتملُ أنْ تَجبَ الدِّيةُ في المارنِ وحُكومةٌ في القَصبةِ، وهذا
مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المارِنَ وحْدَه مُوجِبٌ للديةِ، فوجَبَتِ الحُكومةُ في الزائدةُ كما لو قطَعَ القَصبةَ وحْدَها مع قطعِ لِسانِه.
ولنا: قولُه عليه السلام: «في الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدعًا الدِّيةُ»، ولأنه عُضوٌ واحدٌ، فلَم يَجبْ به أكثرُ مِنْ ديَةٍ، كالذكَرِ إذا قُطعَ مِنْ أصلِه، وما ذَكَروهُ يَبطلُ بهذا، ويُفارِقُ ما إذا قطَعَ لِسانَه وقصَبتَه؛ لأنهُما عُضوانِ، فلا تَدخلُ ديَةُ أحدِهما في الآخَرِ، وأما العُضوُ الواحدُ فلا يَبعدُ أنْ يَجبَ في جَميعِه ما يَجبُ في بَعضِه، كالذكَرِ يَجبُ في حَشفتِه الدِّيةُ التي تَجبُ في جَميعِه، وأصابعِ اليَدِ يَجبُ فيها ما يَجبُ في اليدِ مِنْ الكُوعِ، وكذلكَ أصابعُ الرِّجلِ، وفي الثَّديِ كلِّه ما في حَلَمتِه.
فأما إنْ قطَعَ الأنفَ وما تَحتَه مِنْ اللحمِ ففي اللحمِ حُكومةٌ؛ لأنه ليسَ مِنْ الأنفِ، فأشبَهَ ما لو قطَعَ الذكَرَ واللَّحمَ الذي تحتَه.
فَصلٌ: فإنْ ضرَبَ أنفَه فأشَلَّه ففيه حُكومةٌ، وإنْ قطَعَه قاطعٌ بعدَ ذلكَ ففيه ديَتُه كما قُلنا في الأذُنِ، وقولُ الشافِعيِّ هاهُنا كقولِه في الأذنِ على ما مضَى شَرحُه وتِبيانُه، وإنْ ضرَبَه فعوَجَه أو غيَّرَ لونَه ففيه حُكومةٌ في قَولِهم جَميعًا، وفي قَطعِه بعدَ ذلكَ ديَةٌ كامِلةٌ، وإنْ قطَعَه إلا جِلدةً بقيَ مُعلَّقًا بها فلَم يَلتحمْ واحتِيجَ إلى قَطعِه ففيهِ ديَةٌ؛ لأنه قطَعَ جَميعَه، بعضَه بالمُباشَرةِ وباقيهِ بالتسبُّبِ، فأشبَهَ ما لو سرَى قَطعُ بعضِه إلى قَطعِ جَميعِه.
وإنْ رَدَّه فالتَحمَ ففيه حُكومةٌ؛ لأنه لم يَبِنْ، وإنْ أبانه فرَدَّه فالتَحمَ فقالَ أبو بكرٍ: ليسَ فيه إلا حُكومةٌ كالتي قبلَها، وقالَ القاضي: فيه ديَةٌ، وهذا
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
في الأعضاء التي تجب فيها الدية كاملة
وَقْتُهُ مَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَلَا يُنْتَظَرُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْحَالِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْوَاجِبَ لِلْحَالِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «لَا يُسْتَقَادُ مِنْ الْجِرَاحَةِ حَتَّى يَبْرَأَ» .
وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا جَرَحَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رحمة الله عليه فِي فَخِذِهِ بِعَظْمٍ فَجَاءَ الْأَنْصَارُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَبُوا الْقِصَاصَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام انْتَظِرُوا مَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِكُمْ فَأَنَا وَاَللَّهِ مُنْتَظِرُهُ» ، وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ السِّرَايَةَ، وَالْجِرَاحَةُ عِنْدَ السِّرَايَةِ تَصِيرُ قَتْلًا فَيُتَبَيَّنُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، وَهَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةٍ ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ أَنَّ الْمَجْرُوحَ إذَا مَاتَ بِالْجِرَاحَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالنَّفْسِ عِنْدَنَا لَا فِي الطَّرَفِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فِي الأعضاء الَّتِي تجب فِيهَا الدِّيَة كاملة
وَأَمَّا الَّذِي فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِ.
أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْعُضْوِ عَلَى الْكَمَالِ، وَذَلِكَ فِي الْأَصْلِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إبَانَةُ الْعُضْوِ وَإِذْهَابُ مَعْنَى الْعُضْوِ مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ صُورَةً.
ارجع إلى دية الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.