القسم الثاني: الردة بالقول والتلفظ به

الإسلام > الجنايات والحدود > شرائط الردة > القسم الثاني: الردة بالقول والتلفظ به

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 41 دقيقة قراءة

القسم الثاني: الردة بالقول والتلفظ به - الأقوال والأدلة

القِسمُ الثاني: الرِّدةُ بالقَولِ والتلفُّظُ به:

اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُسلمَ إذا تَلفظَ بالكفرِ مُختارًا له ولو مُستهزِئًا أنه يَكونُ كافرًا، وقد ذَكَروا أقوالًا كثيرةً إذا قالَها المُسلمُ أو اعتَقدَها كفَرَ بها.

قالَ الحَنفيةُ: ومَن هزَلَ بلفظِ كُفرٍ ارتَدَّ وإنْ لم يَعتقدْه؛ للاستِخفافِ، فهو ككُفرِ العِنادِ، والألفاظُ التي يَكفرُ بها مُوجِبةٌ للرِّدةِ عن الإسلامِ حَقيقةً.

فيَكفُر إذا وصَفَ اللهَ تعالى بما لا يَليقُ به، أو سَخِرَ باسمٍ مِنْ أسمائِه، أو بأمرٍ مِنْ أوامِرِه، أو أنكَرَ وعْدَه أو وَعيدَه، أو جعَلَ له شَريكًا أو ولَدًا أو زَوجةً، أو نسَبَه إلى الجَهلِ أو العَجزِ أو النَّقصِ.

واختَلفوا في قَولِه: «فُلانٌ في عَيني كاليَهوديِّ في عَينِ اللهِ»، فكفَّرَه الجُمهورُ، وقيلَ: لا، إنْ عَنَى به استِقباحَ فِعلِه، وقيلَ: يَكفرُ إنْ عَنَى الجارِحةَ لا القُدرةَ، والأصَحُّ مَذهبُ المُتقدمينَ في المُتشابهِ كاليدِ.

ويَكفرُ بقولِ: «يَجوزُ أنْ يَفعلَ اللهُ فِعلًا لا حِكمةَ فيه»، وبإثباتِ المَكانِ للهِ تعالى، فإنْ قالَ: «اللهُ في السَّماءِ» فإنْ قصَدَ حِكايةَ ما جاءَ في ظاهِرِ الأخبارِ لا يَكفرُ، وإنْ أرادَ المَكانَ كفَرَ، وإنْ لم يكنْ له نِيةٌ كفَرَ عندَ الأكثرِ، وهو الأصَحُّ وعليهِ الفتوَى.

ويَكفرُ إنْ اعتَقدَ أنَّ اللهَ تعالى يَرضَى بالكُفرِ، وبقَولِه: «لو أنصَفنِيَ اللهُ تعالَى يومَ القِيامةِ انتَصفتُ منكَ، أو إنْ قَضَى اللهُ يومَ القِيامةِ، أو إذا أنصَفَ اللهُ»، وبقولِه: «بارَكَ اللهُ في كَذبِكَ»، وبقَولِه: «اللهُ جلَسَ للإنصافِ، أو قامَ

له»، وبقَولِه: «هذا لا يَمرضُ، هذا ممَّن نَسِيَه اللهُ، أو مَنسيُّ اللهِ» على الأصَحِّ، وبوَصفِه تعالَى بالفوقِ أو بالتَّحتِ، وبظَنِّه أنَّ الجَنةَ وما فيها للفَناءِ عند البَعضِ، وبقولِه لامرأتِه: «أنتِ أحَبُّ إليَّ مِنْ اللهِ»، وقيلَ: لا، وبقَولِه: «لا أخافُ اللهَ، أو لا أخشَاهُ» عندَ البَعضِ، ومَحلُّ الاختلافِ عندَ عَدمِ قَصدِ الاستهزاءِ.

وبقَولِها: «لا» جَوابًا لقَولِه: «أمَا تَعرِفينَ اللهَ؟» على الظاهِرِ، وبقَولِه: «لا أُريدُ اليَمينَ باللهِ وإنما أريدُ اليَمينَ بالطَّلاقِ أو بالعِتاقِ» عندَ البَعضِ خِلافًا للعامَّةِ وهو الأصَحُّ، وبقَولِه: «رأيتُ اللهَ في المَنامِ»، وبقَولِه: «المَعدومُ ليسَ بمَعلومِ اللهِ تعالَى»، وبقَولِ الظالِمِ: «أنا أفعَلُ بغيرِ تَقديرِ اللهِ تعالَى»، وبإدخالِه الكافَ في آخِرِ «الله» عندَ ندائِه مِنْ اسمِه «عَبد اللهِ» وإنْ كانَ عالِمًا على الأصحِّ، وبتَصغيرِ الخالقِ عَمدًا عالِمًا، وبقَولِه: «ليتَني لم أُسلِمْ إلى هذا الوَقتِ حتَّى أَرِثَ أبي»، وبقولِه: «إنْ كنتُ فَعلتُ كذا أمسِ فهو كافرٌ» وهو يَعلمُ أنه قد فعَلَه إذا كانَ عندَه أنه يَكفرُ بهِ، وعليه الفتوَى، وبقَولِه: «اللهُ يَعلمُ أني فَعلتُ كذا» وهو يَعلمُ أنه ما فعَلَ عندَ العامَّةِ إنْ كانَ اختيارًا لا مَخافةً، وبقَولِه: «إنْ كنتُ قُلتُه فأنا كافرٌ» وهو يَعلمُ أنه قالَه، وبقولِه: «أنا بَريءٌ مِنْ اللهِ لولا» ولم يُتِمُّ تَعليقَه، خِلافًا للبَعضِ؛ قياسًا على «أنتِ طالقٌ ثلاثًا لولا» لم يَقعْ، وبقولِها: «نعمْ» جَوابًا لقَولِه: «أتعلَمِينَ الغَيبَ؟»، وبتَزوجِه بشَهادةِ اللهِ ورسولِه.

وبقَولِه: «فَلانٌ يَموتُ بهذا المَرضِ» عندَ البعضِ، وبقَولِه عندَ رِقاءِ الهامَّةِ: «يَموتُ أحدٌ» عندَ البعضِ، والأصحُّ عَدمُه، وبقولِه عندَ رُؤيةِ الدائرةِ

كتاب الردة

«أُغميَ عليه»، واختَلفوا فيمَن قالَ: «لو لم يَأكلْ آدَمُ عليه الصلاة والسلام الحِنطةَ ما صِرنَا أشقياءَ».

وبرَدِّه حَديثًا مَرويًّا إنْ كانَ مُتواتِرًا، أو قالَ على وَجهِ الاستخفافِ: «سَمِعناهُ كَثيرًا»، وبَتمنِّيه أنْ لا يكونَ بَعضُ الأنبياءِ نَبيًّا مُريدًا به الاستخفافَ به أو عَداوتَه، لا بقَولِه: «لو لم يَبعَثِ اللهُ نبيًّا لم يكنْ خارِجًا عن الحِكمةِ»، وبقَولِه: «أنا لا أُحبُّه» حينَ قيلَ له: «إنَّ النبيَّ كانَ يُحبُّ القَرْعَ»، وقيلَ: إنْ كانَ على وَجهِ الإهانةِ، وبقولِها: «نعمْ» حينَ قالَ لها: «لو شَهدَ عندَكِ الأنبياءُ والمَلائكةُ لا تُصدقِيهم» حينَ قالَتْ له: «لا تَكذبْ»، وباستِخفافِه بسُنةٍ مِنْ السُّننِ، وبقولِه: «لا أدرِي أنَّ النبيَّ في القبْرِ مُؤمنٌ أم كافرٌ»، وبقَولِه: «ما كانَ علينا نِعمةٍ مِنْ النبيِّ عليه السلام»؛ لأنَّ البِعثةَ مِنْ أعظَمِ النِّعمِ، وبقَذفِه عائِشةَ رضي الله عنها مِنْ نِسائِه فقطْ، وبإنكارِه صُحبةَ أبي بَكرٍ رضي الله عنه بخِلافِ غيرِه، وبإنكارِه إمامةَ أبي بَكرٍ رضي الله عنه على الأصَحِّ كإنكارِه خِلافةَ عُمرَ رضي الله عنه على الأصَحِّ، لا بقَولِه: «لولا نَبيُّنا لم يُخلقْ آدَمُ عليه السلام» وهو خَطأٌ، ويَكفرُ بقولِه: «لو أمَرَني اللهُ بكذا لم أفعَلْ، ولو صارَتِ القِبلةُ إلى هذه الجِهةِ ما صلَّيتُ، أو لو أعطَاني اللهُ الجَنةَ لا أريدُها دُونَك، أو لا أدخُلُها مع فُلانٍ، أو لو أعطاني اللهُ الجَنةَ لأجْلِك أو لأجْلِ هذا العَملِ لا أُريدُها وأريدُ رُؤيتَه»، وبقولِه: «لا أترُكُ النَّقدَ لأجلِ النَّسيئةِ» جَوابًا لقولِه: «دَعِ الدُّنيا للآخِرةِ»، وبقَولِه: «لو أمَرَني اللهُ بالزكاةِ أكثَرَ مِنْ خَمسةِ دَراهِمَ أو بالصومِ أكثرَ مِنْ شَهرٍ لا أفعَلُ»، وبقولِه: «الإيمانُ يَزيدُ ويَنقصُ»، وبقولِه: «لا أدرِي الكافِرُ في الجَنةِ أو في النارِ، أو لا أدري أينَ يَصيرُ الكافرُ»، ويُقتلُ

بقولِه: «أنا ألعَنُ المَذهبينِ» جَوابًا لقولِه: «على أيِّ المَذهبَينَ أنتَ أبي حَنيفةَ أو الشافِعيِّ؟»، وإنْ تابَ عُزِّرَ، ويَكفرُ بإنكارِه أصلَ الوِترِ والأُضحيةَ، وباستِحلالِ وَطءِ الحائضِ، لا بقولِه: «ليسَ لي مَوضعُ شِبْرٍ في الجَنةِ» لاستِقلالِه العَملَ، ولا بقَولِه: «لا تَكتبُ الحَفظةُ على هذا الرَّجلِ».

ولا بقَولِه: «هذا مكانٌ لا إلهَ فيه ولا رسولٌ» إلا إذا قصَدَ به إنكارَ الدِّينِ، ولا بقَولِ المَرأةِ: «لا أتعَلَّمُ ولا أُصلِّي» جَوابًا لقولِ الزوجِ: «تعلَّمِي»، ولا بإنكارِ العُشرِ أو الخَراجِ ولا يَفسقُ خُصوصًا في هذا الزِّمانِ، ولا بقولِه: «مَنْ أكَلَ حَرامًا فقدْ أكَلَ ما رزَقَه اللهُ» لكنه أَثِمَ، ويَكفرُ باستِحلالِه حَرامًا عُلِمتْ حُرمتُه مِنْ الدِّينِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، لا بفِعلِه مِنْ غيرِ استِحلالٍ.

ويَكفرُ بقولِه للقَبيحِ: «إنه حَسنٌ»، وبقَولِه لغيرِه: «رُؤيَتي إياكَ كرُؤيةِ مَلكِ الموتِ» عند البَعضِ خِلافًا للأكثرِ، وقيلَ بهِ إنْ قالَه لعَداوتِه لا لكَراهةِ المَوتِ، وبقولِه: «لا أسمَعُ شَهادةَ فُلانٍ وإنْ كانَ جِبريلَ أو مِيكائيلَ عليهما السلام»، وبعَيبِه مَلكًا مِنْ المَلائكةِ أو الاستِخفافِ به، لا بقولِه: «أنا أظُنُّ أنَّ مَلكَ الموتِ تُوفِّي ولا يَقبضُ رُوحي» مَجازًا عن طولِ عُمرِه، إلا أنْ يعنيَ به العجزَ عن تَوفِّيه.

ويَكفرُ إذا أنكَرَ آيةً مِنْ القُرآنِ أو سَخِرَ بآيةٍ منه، إلا المُعوذتينِ ففي إنكارِهما اختِلافٌ، والصَّحيحُ كفرُه، وقيلَ: لا، وقيلَ: إنْ كانَ عامِّيًا يَكفرُ وإنْ كانَ عالِمًا لا، وبوَضعِ رِجلِه على المُصحفِ عند الحَلفِ مُستخِفًّا، وبقراءةِ القُرآنِ على ضَربِ الدُّفِ أو القَضيبِ، وباعتقادِ أنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ حَقيقةً.

والمِزاح بالقُرآنِ، كقَولِه: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)[القيامة: ٢٩]، أو مَلأَ قَدحًا وجاءَ بهِ وقالَ: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)[النبأ: ٣٤]، أو قالَ عندَ الكَيلِ أو الوَزنِ: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)[المطففين: ٣]، وقيلَ: إنْ كانَ جاهِلًا لا يَكفرُ.

وبقَولِه: «القُرآنُ أعجَميٌّ»، ولو قالَ: «فيه كَلمةٌ أعجَميةٌ» ففِي أمرِه نظرٌ، وفي تَسميتِه آلةَ الفَسادِ كُرَّاستَه، وبقِراءةِ القارِئ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] مُريدًا مُدرِّسًا اسمُه إبراهيمُ، وبنَظمِه القُرآنَ بالفارِسيةِ، وببَراءتِه مِنْ القُرآنِ لأمرٍ خافَه، لكنْ قالَ الوَبريُّ: أخافُ كُفرَه.

وبإنكارِه القراءةَ في الصَّلاةِ، وقيلَ: لا، وبقولِ المَريضِ: «لا أصلِّي أبدًا» جوابًا لمَن قالَ لهُ: «صلِّ»، وقيلَ: لا، وكذا قولُه: «لا أُصلِّي» حينَ أُمرَ بها، وقيلَ: إنما يَكفرُ إذا قصَدَ نفيَ الوُجوبِ، وبقولِ العبدِ: «لا أصلِّي فإنَّ الثوابَ يكونُ للمَولى»، وبقولِه جَوابًا لصَلِّ: «إنَّ اللهَ نقَصَ مِنْ مالي فأنا أنقصُ مِنْ حقِّه»، وبقولِ مُصلِّي رَمضانَ فقط: «إنَّ الصلاةَ في رَمضانَ تُساوي سَبعينَ صلاةً»، وبتَركِ الصلاةِ مُتعمِّدًا غيرَ ناوٍ للقضاءِ وغيرَ خائفٍ مِنْ العقابِ.

وبصَلاتِه لغيرِ القِبلةِ مُتعمِّدًا أو في ثوبٍ نَجسٍ أو بغيرِ وُضوءٍ عَمدًا، والمأخوذُ به الكُفرُ في الأخيرةِ فقط، وقيلَ: «لا» في الكُلِّ، ومَحلُّ الاختلافِ إذا لم يَكنِ استِخفافًا بالدِّينِ، لا بسُجودِه بغيرِ طهارةٍ.

ويَكفرُ بإتيانِه عيدَ المُشركينَ مع تَركِ الصلاةِ تَعظيمًا لهم، وبقولِه: «لا أُؤدِّي الزكاةَ» بعدَ الأمرِ بأدائِها على قَولٍ، ولو تَمنَّى أنْ لا يُفرَضَ رَمضانُ

فالصوابُ أنه على نيِّتِه، ويَكفرُ بقولِه: «جاءَ الشَّهرُ الثقيلُ» إلا إذا أرادَ التعَبَ لنفسِه، وباستِهانتِه للشُّهورِ المُفضَّلةِ، وبقولِه: «إنَّ هذه الطاعاتِ جعَلَها اللهُ تعالى عَذابًا علينا» بلا تأويلٍ، أو قالَ: «لو لم يَفرضِ اللهُ هذه الطاعاتِ لَكانَ خيرًا لنا»، وبالاستهزاءِ بالأذكارِ، وبتَسميتِه عندَ أكلِ الحرامِ أو فِعلِ حَرامٍ كالزنا، واختُلفَ في تَحميدِه عندَ الفراغِ منه، وبقولِه: «لا أقولُ» عندَ أمرِه بقولِه لا إلهَ إلا اللهُ، وقيلَ: لا إنْ عنى «أني لا أقولُ بأمرِكَ»، ولا يَكفرُ المَريضُ إذا قيلَ له: «قلْ لا إلهَ إلا اللهُ» فقالَ: «لا أقولُ»، ويَكفرُ بالاستِهزاءِ بالأذانِ لا بالمُؤذِّنِ، وبإنكارِه القِيامةَ أو البَعثَ أو الجَنةَ أو النارَ أو الميزانَ أو الحِسابَ أو الصراطَ أو الصَّحائفَ المكتوبَ فيها أعمالُ العِبادِ، لا إذا أنكَرَ بعْثَ رَجلٍ بعَينِه، واختُلفَ في تكفيرِ امرأةٍ لا تَعرفُ أنَّ اليَهودَ يُبعثونَ، وسُئلَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه عن امرأةٍ لا تَعرفُ أنَّ الكفَّارَ يَدخلونَ النارَ، فقالَ: تُعلَّمُ ولا تَكفرُ.

ويَكفرُ بإنكارِه رُؤيةَ اللهِ ﷿ بعدَ دُخولِ الجَنةِ، وبإنكارِه عذابَ القبْرِ، وبقولِه: «لا أَعلمُ أنَّ اليهودَ والنَّصارى إذا بُعثِوا هل يُعذَّبونَ بالنارِ»، وبإنكارِ حَشرِ بَني آدَمَ أو غيرِهم، ولا بقولِه: «إنَّ المُثابَ والمُعاقَبَ الروحُ فقط»، ولا بقولِه: «سلَّمتُها إلى مَنْ لا يَمنعُ السارقَ» جوابًا لمَن وضَعَ ثيابَه وقالَ: «سلَّمتُها إلى اللهِ»، ويُخافُ الكفرُ على مَنْ قالَ للآمرِ بالمَعروفِ: «غَوغًا» على وَجهِ الردِّ والإنكارِ، ويكفرُ بقولِه له: «فُضوليٌّ»، ويُخافُ عليه بقولِه: «أيُّهما أسرَعُ وُصولًا» جَوابًا لمَن قالَ له: «حَلالٌ واحدٌ أحَبُّ إليكَ أم حَرامانِ؟»، ويَكفرُ بتَصدقِه على فقيرٍ بشيءٍ حرامٍ يَرجو الثوابَ، وبدُعاءِ

الفقيرِ له عالِمًا به، وبتأمينِ المُعطِي، وبقولِه: «الحَرامُ أحَبُّ إليَّ» جوابًا لقولِ القائلِ له: «كُلْ مِنْ الحَلالِ»، لا بقولِه: «إني أحتاجُ إلى كَثرةِ المالِ والحَلالُ والحَرامِ عندي سَواءٌ»، ولا بقَولِه لحَرامٍ: «هذا حَلالٌ» مِنْ غيرِ أنْ يَعتقدَه، فلا يكفرُ السوقيُّ بقوله: «هذا حلالٌ» للحَرامِ تَرويجًا لشِرائِه.

والأصلُ أنَّ مَنْ اعتَقدَ الحَرامَ حَلالًا فإنْ كانَ حَرامًا لغيرِه كمالِ الغيرِ لا يَكفرُ، وإنْ كانَ لعَينِه فإنْ كانَ دَليلُه قَطعيًّا كفَرَ وإلا فلا، وقيل: التَّفصيلُ في العالِمِ، أمَّا الجاهلُ فلا يُفرِّقُ بينَ الحَلالِ والحَرامِ لعَينِه ولغَيرِه، وإنما الفَرقُ في حقِّه أنَّ ما كانَ قَطعيًّا كفَرَ به وإلا فلا، فيَكفرُ إذا قالَ: «الخَمرُ ليسَ بحرامٍ»، وقيَّدَه بعضُهم بما إذا كانَ يَعلمُ حُرمتَها، لا بقولِه: «الخَمرُ حَرامٌ ولكنْ ليسَتْ هذه التي تَزعمونَ أنها حرامٌ»، ويَكفرُ مَنْ قالَ: «إنَّ حُرمةَ الخَمرِ لم تَثبتْ بالقُرآنِ».

ومَن زعَمَ أنَّ الصغائرَ والكَبائرَ حَلالٌ وباستِحلالِه الجِماعَ للحائضِ لا في الاستبراءِ، وقيلَ: لا في الأولِ، وهو الصحيحُ، ولا باستِحلالِ سُؤرِ كَلبٍ أو رِيعِ أرضِ غَصبٍ، وباستِحلالِ اللِّواطةِ إنْ علِمَ حُرمتَه مِنْ الدِّينِ، وبقولِه: «هي لي حَلالٌ» حينَ نُهيَ عن تَقبيلِه أجنَبيةً، وبقولِه: «الشريعةُ كلُّها تَلبيسٌ أو حِيلٌ» إنْ قالَ: «في كُلِّ الشرائعِ»، لا فيما يَرجعُ إلى المُعامَلاتِ مما تَصحُّ فيه الحِيلُ الشرعيةُ، وقيلَ: يَكفرُ في الأولِ مُطلَقًا.

ويُخافُ عليه الكُفرُ إذا شتَمَ عالِمًا أو فَقيهًا مِنْ غيرِ سَببٍ، ويَكفرُ بقولِه لعالِمٍ: «ذكَرُ الحِمارِ في أُستِ عِلمِكَ» مُريدًا به عِلمَ الدِّينِ، وبجُلوسِه على مَكانٍ مُرتفعٍ والتَّشبهِ بالمُذَكِّرِينَ ومعه جَماعةٌ يَسألونَ منه المَسائلَ

ويَضحكونَ منه ثم يَضربونَه بالمِحراقِ، وكذا يَكفرُ الجميعُ؛ لاستخفافِهم بالشرعِ، وكذا لو لم يَجلسْ على مَكانٍ مُرتفعٍ ولكن يَستهزئُ بالمُذكِّرينَ ويَتمشَّى والقومُ يَضحكونَ، وبإلقاءِ الفَتوى على الأرضِ حينَ أتَى بها خَصمُه، وبقولِه: «لا تَذهبْ وإنْ ذَهبتَ تَطلقُ امرأتُكَ» استِهزاءً بالعِلمِ والعلماءِ جوابًا لمَن قالَ: «إلى مَجلسِ العِلمِ» جوابًا لقولِه: «أين تذهب؟»، وبقولِه: «قَصعةٌ مِنْ ثَريدٍ خيرٌ مِنْ العلمِ»، لا بقولِه «خَيرٌ مِنْ اللهِ» لإرادتِه أنها نِعمةٌ مِنْ اللهِ، والأولُ لا تأويلَ له سِوى الاستِخفاف بالعِلمِ …

ويَكفرُ بتَلقينِ كَلمةِ الكُفرِ ليَتكلمَ بها ولو على وَجهِ اللعبِ، وبأمرِه امرأةً بالارتدادِ لتَبِينَ مِنْ زَوجِها، وبالإفتاءِ بذلكَ وإنْ لم تَكفرِ المَرأةُ؛ بناءً على أنَّ الرضا بكُفرِ غيرِه كُفرٌ، وقيلَ: لا، وبعَزمِه على أنْ يَأمرَ بالكُفرِ …

وبإبدالِه حَرفًا أو آيةً مِنْ القُرآنِ عَمدًا، وباعتِقادِ أنَّ الخَراجَ مِلكُ السُّلطانِ، لا بقولِه: «أنا فِرعونُ أو إبليسُ»، إلا إذا قالَ: «اعتِقادي كاعتقادِ فِرعونَ»، ومَن حسَّنَ كلامَ أهلِ الأهواءِ وقالَ: «مَعنويٌّ أو كلامٌ له مَعنًى صَحيحٌ» إنْ كانَ ذلكَ كُفرًا مِنْ القائلِ كفَرَ المُحسِّنُ، وكذا مَنْ حسَّنَ رُسومَ الكَفرةِ …

وأجمَعوا على أنَّ مَنْ شَكَّ في إيمانِه فهو كافرٌ، وهو أنْ يَكونَ مُصدِّقًا لكنْ يَشكُّ أنَّ هذا التَّصديقَ إيمانٌ أو كُفرٌ (١).

(١) «البحر الرائق» (٥/ ١٢٩، ١٣٤)، ويُنظَر: «شرح فتح القدير» (٦/ ٩٨)، و «الدر المختار» (٤/ ٢٢٢).

وقالَ المالِكيةُ: يَكونُ كُفرُ المُسلمِ بصَريحٍ مِنْ القَولِ، كقَولهِ: «أُشرِكُ باللهِ، أو أكفرُ باللهِ».

أو قَولٍ يَقتضي الكُفرَ، أي يَدلُّ عليه، كأنْ يَجحدَ ما عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بالضرورةِ كوُجوبِ الصلاةِ ولو جُزءًا منها، وكذا إذا قالَ: «اللهُ جِسمٌ مُتحيِّزٌ».

وقَولٍ بقِدَمِ العالَمِ -وهو ما سِوى اللهِ تعالى-؛ لأنه يَستلزمُ عَدمَ الصانعِ، فمَن قالَ: «إنَّ العالَمَ -وهو ما سِوى اللهِ- قديمٌ» فقدْ كفَرَ؛ لأنه يُؤدِّي إلى أنَّ صانِعَ العالَمِ غيرُ اللهِ، وكذلكَ إذا قالَ ببَقائِه، والمرادُ بالقِدَمِ القِدمُ الذاتِيُّ لا الزمانِيُّ، وكذلك إذا شَكَّ في القِدمِ أو البَقاءِ للعالَمِ؛ لأنه يَستلزمُ إنكارَ القيامةِ، ولو اعتَقدَ حُدوثَه وهو تَكذيبٌ للقُرآنِ.

أو أنكَرَ مُجمَعًا عليه كوُجوبِ الصلاةِ أو تَحريمِ الزنا، أو حِلَّ مُجمَعٍ على عدمِ إباحتِه ممَّا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضرورةً بكِتابٍ أو سُنةٍ مُتواتِرةٍ.

أو جوَّزَ اكتِسابَ النبوَّةِ بسَببِ رِياضةٍ؛ لأنه يَستلزمُ جَوازَ وُقوعِها بعدَ النبيِّ .

أو سَبَّ نَبيًّا مُجمَعًا على نُبوتِه أو مَلكًا مُجمَعًا على مَلَكيَّتِه.

أو عرَّضَ بسَبٍّ لنَبيٍّ أو مَلكٍ، بأنْ قالَ عندَ ذِكرِه: «أما أنا فلستُ بزانٍ أو بساحرٍ».

أو ألحَقَ بنَبيٍّ أو مَلكٍ نَقصًا وإنْ ببَدنِه كعَرجٍ وشَللٍ، أو وُفورِ عِلمِه؛ إذ كُلُّ نَبيٍّ أعلَمُ أهلِ زَمانِه، وسيِّدُهم أعلَمُ الخَلقِ، أو زُهدِه (١).

(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٢٦٧، ٢٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٦٢، ٦٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٢٨١، ٢٨٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣١٤، ٣١٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٢١٥، ٢١٨).

وقالَ الشافِعيةُ: تَحصلُ الرِّدةُ بنيَّةِ كُفرٍ أو قَولِ كُفرٍ أو فِعلٍ مُكفِّرٍ، سواءٌ قالَه استِهزاءً أو عِنادًا أو اعتِقادًا.

فمَن أنكَرَ وُجودَ اللهِ أو أنكَرَ إرسالَ الرُّسلِ بأنْ قالَ: «لم يُرسِلْهم اللهُ» أو نفى نُبوَّةَ نبيٍّ أو ادَّعى نُبوةً بعدَ نَبيِّنا ، أو صدَّقَ مدَّعِيها، أو قالَ: «النبيُّ أسوَدُ أو أمرَدُ أو غيرُ قُرشيٍّ»، أو قالَ: «النبوَّةُ مُكتسَبةٌ، أو تُنالُ رُتبتُها بصَفاءِ القُلوبِ، أو أُوحيَ إلي» ولم يَدَّعِ نُبوةً، أو كذَّبَ رَسولًا أو نَبيًّا أو سَبَّه أو استَخفَّ به أو باسمِه، أو باسمِ اللهِ أو أمرِه أو وَعدِه أو وعيدِه، أو جحَدَ آيةً مِنْ القُرآنِ مُجمَعًا على ثُبوتِها أو زادَ فيه آيةً مُعتقِدًا أنها منه، أو استَخفَّ بسُنةٍ كما لو قيلَ له: «كانَ النبيُّ إذا أكَلَ لَعقَ أصابعَه الثلاثةَ» فقالَ: «ليس هذا بأدَبٍ»، أو قيلَ له: «قلِّمْ أظفارَكَ فإنه سُنةٌ» فقالَ: «لا أفعَلُ وإنْ كانَ سُنةً» وقصَدَ الاستِهزاءَ بذلك، أو قالَ: «لو أمَرَني اللهُ ورَسولُه بكذا لم أفعَلْ، أو لو جعَلَ اللهُ القِبلةَ هنا لم أُصلِّ إليها، أو لو اتَّخذَ اللهُ فلانًا نَبيًّا لم أُصدِّقْه، أو لو شَهدَ عندي نبيٌّ بكذا أو مَلكٌ لمْ أقبَلْه»، أو قالَ: «إنْ كانَ ما قالَه الأنبياءُ صِدقًا نَجونَا، أو لا أدري النبيُّ إنسِيٌّ أو جِنِّيٌّ»، أو قالَ: «إنه جِنٌّ»، أو صغَّرَ عُضوًا مِنْ أعضائِه احتِقارًا، أو صغَّرَ اسمَ اللهِ تعالى، أو قالَ: «لا أدري ما الإيمانُ» احتِقارًا، أو قالَ لمَن حَوقَلَ: «لا حَولَ لا تُغنِي مِنْ جُوعٍ، أو لو أوجَبَ اللهُ الصلاةَ عليَّ

مع مَرضِي هذا لَظلَمَني»، أو قالَ المَظلومُ: «هذا بتَقديرِ اللهِ» فقالَ الظالمُ: «أنا أفعَلُ بغيرِ تَقديرِه»، أو أشارَ بالكُفرِ على مُسلمٍ أو على كافرٍ أرادَ الإسلامَ بأنْ أشارَ عليهِ باستِمرارِه على الكُفرِ، أو لم يُلقِّنِ الإسلامَ طالِبَه منه أو استَمهَلَ منه تَلقينَه كأنْ قالَ له: «اصبِرْ ساعةً»، أو كفَّرَ مُسلِمًا بلا تأويلٍ للكُفرِ بكُفرِ النعمةِ، أو سَمَّى اللهَ على شُربِ خمرٍ أو زنًا، أو حلَّلَ مُحرَّمًا بالإجماعِ كالزنا وعكسَه، أو نَفى وُجوبَ مُجمَعٍ عليه كالصلاةِ والزكاةِ أو عكسَه، أو عزَمَ على الكُفرِ غدًا أو تَردَّدَ فيه، كفَرَ في كلِّ هذا (١).

وقالَ الحَنابلةُ: تَحصلُ الرِّدةُ بالقَولِ ولو استِهزاءً كسَبِّ اللهِ تعالَى أو رَسولِه أو مَلائكتِه؛ لأنه لا يَسبُّه إلا وهو جاحِدٌ به.

أو استَهزأَ باللهِ تعالَى أو بكُتبِه أو رُسلِه؛ لقولِه تعالَى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].

ولا يَنبغِي أنْ يُكتفَى في الهازِئ بذلكَ بمُجردِ الإسلامِ حتى يُؤدَّبَ أدبًا يَزجرُه عن ذلكَ؛ لأنه إذا لم يُكتفَ ممَّن سَبَّ رسولَ بالتوبةِ فهذا أَولى.

أو جحَدَ برُبوبيتِه أو وَحدانيتِه كفَرَ؛ لأنَّ جاحِدَ ذلكَ مُشركٌ باللهِ تعالى، أو جحَدَ صِفةً مِنْ صِفاتِه اللازمةِ؛ لأنه كجاحدِ الوَحدانيةِ.

(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٤٨٧، ٤٨٩)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٧٧، ٨٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤١٩، ٤٢٣)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٦٥٥، ٦٥٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٤٧٦، ٤٧٩).

أو اتَّخذَ للهِ صاحبةً أو ولَدًا كفَرَ؛ لأنه تَعالى نزَّهَ نفسَه عن ذلكَ ونَفاهُ عنه، فمُتخِذُه مُخالِفٌ له غيرُ مُنزِّهٍ له عن ذلكَ.

وكذا لو ادَّعى النبوَّةَ أو صدَّقَ مَنْ ادَّعاها؛ لأنَّ ذلكَ تَكذيبٌ للهِ تعالَى في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [لقمان: ٤٠]، ولحَديثِ: «لا نَبيَّ بعدِي» (١).

أو جحَدَ نَبيًّا مُجمَعًا على نُبوتِه؛ لأنه مُكذِّبٌ للهِ جاحِدٌ لنُبوةِ نبيٍّ مِنْ أنبيائِه، أو جحَدَ كِتابًا مِنْ كُتبِ اللهِ أو شَيئًا منه؛ لأنَّ جحْدَ شيءٍ منه كجَحدِه كلِّه؛ لاشتِراكِهما في كونِ الكلِّ مِنْ عندِ اللهِ.

أو جحَدَ الملائكةَ أو أحدًا ممَّن ثبَتَ أنه مَلكٌ كفَرَ؛ لتَكذيبِه القُرآنَ، أو جحَدَ البعثَ كفَرَ؛ لتكذيبِه للكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمةِ.

أو كانَ مُبغِضًا لرَسولِه أو لِما جاءَ به الرسولُ اتفاقًا.

أو جعَلَ بينَه وبينَ اللهِ وسائِطَ يَتوكلُ عليهِم ويَدعوهُم ويَسألُهم إجماعًا، أي كفَرَ؛ لأنَّ ذلكَ كفِعلِ عابِدِي الأصنامِ قائلِينَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].

أو سجَدَ لصَنمٍ أو شَمسٍ أو قَمرٍ أو كَوكبٍ كفَرَ؛ لأنَّ ذلك إشراكٌ.

أو أتَى بقَولٍ أو فِعلٍ صَريحٍ في الاستهزاءِ بالدِّينِ الذي شرَعَه اللهُ كفَرَ؛ للآيةِ السابِقةِ.

(١) رواه البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢).

أو وُجدَ منه امتِهانُ القُرآنِ أو طَلبُ تَناقضُه أو دعوَى أنه مُختلفٌ أو أنه مُختلَقٌ أو مَقدورٌ على مِثلِه أو إسقاطٌ لحُرمتِه كفَرَ؛ لقولِه تعالَى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)[النساء: ٨٢]، وقولِه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] الآيَة.

أو أنكَرَ الإسلامَ كفَرَ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].

أو أنكَرَ الشَّهادتينِ أو أنكَرَ أحداهُما كفَرَ؛ لأنه إنكارٌ للوَحدانيةِ والرسالةِ أو إحداهُما، وذلكَ كُفرٌ؛ لِما مَرَّ.

وإنْ أتَى بقَولٍ يُخرجُه عن الإسلامِ مثلَ أنْ يقولَ: هو يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ أو مَجوسيٌّ، أو بَريءٌ مِنْ الإسلامِ أو القُرآنِ أو النبيِّ ، أو هو يَعبدُ الصَّليبَ ونحوَ ذلكِ نحوُ: هو يَعبدُ غيرَ اللهِ تعالى فهو كافرٌ.

وقذَفَ النبيَّ أو قذَفَ أمَّه فهو كافرٌ.

أو اعتقَدَ قِدمَ العالَمِ -وهو ما سِوى اللهِ- أو اعتَقدَ حُدوثَ الصانعِ -جل وعلا- فهو كافِرٌ؛ لتكذيبِه للكِتابَ والسُّنةَ وإجماعَ الأمَّةِ.

أو سَخرَ بوَعدِ اللهِ أو بوَعيدِه فهو كافرٌ؛ لأنه كالاستِهزاءِ باللهِ والعِياذُ باللهِ.

أو لم يُكفِّرْ مَنْ دانَ بغيرِ الإسلامِ كالنَّصارى واليَهودِ، أو شَكَّ في كُفرِهم، أو صحَّحَ مَذهبَهم فهو كافرٌ؛ لأنه مُكذِّبٌ لقولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)[آل عمران: ٨٥].

أو قالَ قولًا يتوصلُ به إلى تَضليلِ الأمَّةِ؛ لأنه مُكذِّبٌ للإجماعِ على أنها لا تَجتمعُ على ضَلالةٍ.

أو قالَ قولًا يتوصلُ به إلى تَكفيرِ الصحابةِ بغيرِ تأويلٍ فهو كافرٌ؛ لأنه مُكذِّبٌ للرسولِ في قولِه: «أصحابِي كالنُّجومِ» وغيرِه.

وقالَ الشيخُ تقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: مَنْ اعتَقدَ أنَّ الكَنائسَ بُيوتُ اللهِ وأنَّ اللهَ يُعبَدُ فيها وأنَّ ما يَفعلُ اليَهودُ والنصارى عِبادةٌ للهِ وطاعةٌ له ولرسولِه أو أنه يَحبُ ذلكَ أو يَرضاهُ فهو كافرٌ؛ لأنه يَتضمنُ اعتقادَ صِحةِ دِينِهم، وذلكَ كفرٌ، أو أعانَهم على فَتحِها -أي الكَنائسِ- وإقامةِ دِينِهم واعتَقدَ أنَّ ذلك قُربةٌ أو طاعةٌ فهو كافرٌ؛ لتَضمُّنِه اعتِقادَ صِحةِ دِينِهم.

ومَن اعتَقدَ أنَّ زِيارةَ أهلِ الذمَّةِ في كَنائسِهم قُربةٌ إلى اللهِ فهو مُرتدٌّ، وإنْ جَهِلَ أنَّ ذلكَ مُحرَّمٌ عُرِّفَ ذلكَ، فإنْ أصَرَّ صارَ مُرتدًّا؛ لتَضمنِه تكذيبَ قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقالَ: قَولُ القائلِ: «ما ثَمَّ إلا اللهُ» إنْ أرادَ ما يَقولُه أهلُ الاتحادِ مِنْ أنَّ ما ثَمَّ مَوجودٌ إلا اللهُ ويَقولونَ: «إنَّ وُجودَ الخالقِ هو وُجودُ المَخلوقِ» ويَقولونَ: «الخالِقُ هو المَخلوقُ، والمَخلوقُ هو الخالِقُ، والعَبدُ هو الرَّبُّ والربُّ هو العبدُ» ونَحو ذلكَ مِنْ المَعاني التي قامَ الإجماعُ على بُطلانِها يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ.

وكذلكَ الذينَ يَقولونَ: «إنَّ اللهَ تعالى بذاتِه في كُلِّ مَكانٍ» ويَجعلونَه مُختلِطًا بالمَخلوقاتِ يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ، وقد عَمَّتِ البلوى بهذه الفِرَقِ وأفسَدوا كَثيرًا مِنْ عَقائدِ أهلِ التَّوحيدِ، نَسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص

وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ

وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.

فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 22 - 36

ارجع إلى شرائط الردة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله