الإسلام > الجنايات والحدود > شروط الإمامة > باقي شروط الإمامة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوقالَ حَنبلٌ في رِوايةِ الواثقِ: اجتَمعَ فُقهاءُ بَغدادَ إلى أبي عبدِ اللهِ وقالَوا: هذا أمرٌ قد تفاقَمَ وفشَا -يَعنونَ إظهارَ الخَلقِ للقُرآنِ- نُشارِكُ في أنَّا لسْنَا نرضَى بإمرَتِه ولا سُلطانِه، فقالَ: وعَليكُم بالنُّكرةِ بقُلوبكُم، ولا تَخلَعوا يَدًا مِنْ طاعةٍ، ولا تَشقُّوا عصَا المُسلمينَ، وقالَ في رِوايةِ المَروزيِّ وذُكِرَ الحسَنُ بنُ صالحٍ فقالَ: كانَ يَرى السيفَ، ولا نرضَى بمَذهبِه (١).
باقِي شُروطِ الإمامةِ:
واشتَرطَ الفُقهاءُ شُروطًا عدَّةً، مثلَ كونِه ذا نَجدةٍ وكِفايةٍ في المُعضِلاتِ ونُزولِ الدَّواهي والملمَّاتِ، وأنْ يكونَ سَميعًا بَصيرًا وغَيرها مِنْ الشُّروطِ، وهل يَنعزلُ بفَقدِ هذهِ الشُّروطِ أم لا؟ بيَّنَ ذلكَ باختِصارٍ الأمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه حيثُ قالَ: وأما ما طرَأَ على بَدنِه مِنْ نَقصٍ فيَنقسمُ ثَلاثةَ أقسامٍ:
أحَدُها: نَقصُ الحَواسِّ، والثَّاني: نَقصُ الأعضاءِ، والثالثُ: نَقصُ التَّصرفِ.
فأما نَقصُ الحَواسِّ فيَنقسمُ ثَلاثةَ أقسامٍ:
قِسمٌ يَمنعُ مِنْ الإمامةِ، وقِسمٌ لا يَمنعُ منها، وقِسمٌ مُختلَفٌ فيه.
فأما القِسمُ المانعُ منها فشَيئانِ:
أحَدُهما: زَوالُ العَقلِ، والثاني: ذَهابُ البصرِ، فأما زوالُ العقلِ فضَربانِ:
أحَدُهما: ما كانَ عارِضًا مَرجوَّ الزَّوالِ كالإغماءِ، فهذا لا يَمنعُ مِنْ
(١) «الأحكام السلطانية» ص (٢٠، ٢١).
انعِقادِ الإمامةِ ولا يُخرجُ منها؛ لأنه مَرضٌ قَليلُ اللبسِ سَريعُ الزَّوالِ، وقد أُغميَ على رَسولِ اللهِ ﷺ في مرضِه.
والضَّربُ الثاني: ما كانَ لازِمًا لا يُرجَى زَوالُه كالجُنونِ والخَبلِ، فهو على ضَربينِ:
أحَدُهما: أنْ يكونَ مُطبِقًا دائمًا لا يَتخللُه إفاقةٌ، فهذا يَمنعُ مِنْ عَقدِ الإمامةِ واستِدامتِها، فإذا طرَأَ هذا بطَلَتْ به الإمامةُ بعدَ تحقُّقِه والقَطعِ به.
والضَّربُ الثاني: أنْ يَتخللَه إفاقةٌ يَعودُ بها إلى حالِ السَّلامةِ فيُنظرُ فيه، فإنْ كانَ زمانُ الخَبلِ أكثَرُ مِنْ زَمانِ الإفاقةِ فهو كالمُستديمِ يَمنعُ مِنْ عَقدِ الإمامةِ واستِدامتِها، ويَخرجُ بحُدوثِه منها، وإنْ كانَ زَمانُ الإفاقةِ أكثَرَ مِنْ زمانِ الخَبلِ منَعَ مِنْ عقدِ الإمامةِ، واختُلفَ في مَنعِه مِنْ استِدامتِها، فقيلَ: يَمنعُ مِنْ استدامِتها كما يَمنعُ مِنْ ابتدائِها، فإذا طرَأَ بطَلَتْ به الإمامةُ؛ لأنَّ في استِدامتِه إخلالًا بالنظرِ المُستحقِّ فيه، وقيلَ: لا يَمنعُ مِنْ استدامةِ الإمامةِ وإنْ منَعَ مِنْ عقدِها في الابتداءِ؛ لأنه يُراعَى في ابتداءِ عقدِها سَلامةٌ كامِلةٌ، وفي الخُروجِ منها نَقصٌ كاملٌ.
وأما ذهابُ البَصرِ فيَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ واستِدامتِها، فإذا طرَأَ بطَلَتْ به الإمامةُ؛ لأنه لمَّا أبطَلَ وِلايةَ القضاءِ ومنَعَ مِنْ جوازِ الشهادةِ فأَولى أنْ يَمنعَ مِنْ صحَّةِ الإمامةِ، وأما عَشاءُ العَينِ -وهو أنْ لا يُبصرَ عندَ دُخولِ الليلِ- فلا يَمنعُ مِنْ الإمامةِ في عَقدٍ ولا استِدامةٍ؛ لأنه مرضٌ في زَمانِ الدَّعةِ يُرجَى زوالُه.
وأما ضَعفُ البَصرِ، فإنْ كانَ يَعرفُ به الأشخاصَ إذا رَآها لم يَمنعْ مِنْ الإمامةِ، وإنْ كانَ يُدرِكُ الأشخاصَ ولا يَعرفُها منَعَ مِنْ الإمامةِ عَقدًا واستِدامةً.
وأما القِسمُ الثاني مِنْ الحواسِّ التي لا يؤثِّرُ فقدُها في الإمامةِ فشَيئانِ:
أحَدُهما: الخَشمُ في الأنفِ الذي لا يُدركُ به شَمَّ الروائحِ.
والثَّاني: فقدُ الذَّوقِ الذي يُفرِّقُ به بينَ الطُّعومِ، فلا يؤثِّرُ على هذا في عقدِ الإمامةِ؛ لأنهما يؤثِّرانِ في اللذةِ ولا يؤثِّرانِ في الرأيِ والعملِ.
وأما القِسمُ الثالثُ مِنْ الحواسِّ المُختلَفِ فيها فشَيئانِ: الصَّممُ والخَرسُ، فيَمنعانِ مِنْ ابتِداءِ عَقدِ الإمامةِ؛ لأنَّ كمالَ الأوصافِ بوجودِهما مَفقودٌ، واختُلفَ في الخُروجِ بهما مِنْ الإمامةِ، فقالَتْ طائفةٌ: يَخرجُ بهما منها كما يَخرجُ بذهابِ البَصرِ؛ لتأثيرِهما في التدبيرِ والعملِ، وقالَ آخَرونَ: لا يَخرجُ بهمَا مِنْ الإمامةِ؛ لقيامِ الإشارةِ مَقامَهما، فلَم يَخرجْ منها إلا بنَقصٍ كاملٍ، وقالَ آخَرونَ: إنْ كانَ يُحسنُ الكِتابةَ لم يَخرجْ بهما مِنْ الإمامةِ، وإنْ كانَ لا يُحسِنُها خرَجَ مِنْ الإمامةِ بهما؛ لأنَّ الكتابةَ مَفهومةٌ والإشارةَ مَوهومةٌ، والأولُ مِنْ المَذاهبِ أصَحُّ.
وأما تَمتمةُ اللسانِ وثِقَلُ السَّمعِ مِنْ إدراكِ الصوتِ إذا كانَ عاليًا فلا يَخرجُ بهما مِنْ الإمامةِ إذا حدَثَا، واختُلفَ في ابتِداءِ عَقدِها معَهما، فقيلَ بمَنعِ ذلكَ مِنْ ابتداءِ عقدِها؛ لأنهُما نقصٌ يَخرجُ بهما عن حالِ الكمالِ، وقيلَ: لا يَمنعُ؛ لأنَّ نبيَّ اللهِ مُوسَى عليه السلام لم تَمنعْه عُقدةُ لِسانِه عن النبوَّةِ، فأَولى أنْ لا يَمنعَ مِنْ الإمامةِ.
وأما فَقدُ الأعضاءِ فيَنقسمُ إلى أربعةِ أقسامٍ:
أحَدُها: ما لا يَمنعُ مِنْ صحَّةِ الإمامةِ في عَقدٍ ولا استدامةٍ، وهو ما لا يؤثِّرُ فقدُه في رأيٍ ولا عَملٍ ولا نهوضٍ ولا يَشينُ في المَنظرِ، وذلكَ مثلَ قَطعِ الذكَرِ والأُنثيينِ، فلا يَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ ولا مِنْ استدامتِها بعدَ العقدِ؛ لأنَّ فقْدَ هَذينِ العُضوينِ يؤثُّرِ في التناسُلِ دونَ الرأيِ والحِنكةِ، فيَجري مَجرى العُنَّةِ، وقد وصَفَ اللهُ تعالَى يحيَى بنَ زكريًّا بذلكَ وأثنَى عليهِ فقالَ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الحَصورِ قَولانِ:
أحَدُهما: إنه العِنِّينُ الذي لا يَقدرُ على إتيانِ النساءِ، قالَه ابنُ مَسعودٍ وابنُ عباسٍ، والثَّاني: إنه مَنْ لم يَكنْ له ذكَرٌ يَغشَى به النِّساءَ، أو كانَ كالنواةِ، قالَه سعيدُ بنُ المُسيبِ.
فلمَّا لم يَمنعْ ذلكَ مِنْ النبوَّةِ فأَولى أنْ لا يَمنعَ مِنْ الإمامةِ، وكذلكَ قَطعُ الأذُنينِ؛ لأنهما لا يؤثِّرانِ في رأيٍ ولا عَملٍ، ولهمَا شَينٌ خَفيٌّ يمكِنُ أنْ يَستتَرَ فلا يَظهرَ.
والقِسمُ الثاني: ما يَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ ومِن استِدامتِها، وهو ما يَمنعُ مِنْ العَملِ كذَهابِ اليدينِ، أو مِنْ النُّهوضِ كذَهابِ الرِّجلينِ، فلا تَصحُّ معه الإمامةُ في عقدٍ ولا استِدامةٍ؛ لعَجزِه عما يَلزمُه مِنْ حُقوقِ الأمَّةِ في عِلمٍ أو نَهضةٍ.
والقِسمُ الثالثُ: ما يَمنعُ مِنْ عَقدِ الإمامةِ، واختُلفَ في منعِه مِنْ استِدامتِها، وهو ما ذهَبَ به بعضُ العَملِ أو فقَدَ به بعضَ النهوضِ، كذهابِ
إحدَى اليَدينِ أو إحدَى الرِّجلينِ، فلا يَصحُّ معَه عقدُ الإمامةِ؛ لعَجزِه عن كَمالِ التصرُّفِ.
فإنْ طرَأَ بعدَ عقدِ الإمامةِ ففي خُروجِه منها مَذهبانِ للفُقهاءِ:
أحَدُهما: يَخرجُ به مِنْ الإمامةِ؛ لأنه عَجزٌ يَمنعُ مِنْ ابتدائِها، فمنَعَ مِنْ استِدامتِها.
والمَذهبُ الثاني: أنه لا يَخرجُ به مِنْ الإمامةِ وإنْ منَعَ مِنْ عقدِها؛ لأنَّ المُعتبَرَ في عقدِها كَمالُ السلامةِ، وفي الخُروجِ منها كمالُ النَّقصِ.
والقِسمُ الرابعُ: ما لا يَمنعُ مِنْ استدامةِ الإمامةِ، واختُلفَ في منعِه مِنْ ابتداءِ عقدِها، وهو ما شانَ وقَبحَ ولم يؤثِّرْ في عَملٍ ولا في نهضةٍ، كجَدعِ الأنفِ وسَملِ إحدَى العَينينِ، فلا يَخرجُ به مِنْ الإمامةِ بعدَ عقدِها؛ لعَدمِ تأثيرِه في شَيءٍ مِنْ حُقوقِها.
وفي مَنعِه مِنْ ابتداءِ عقدِها مَذهبانِ للفُقهاءِ:
أحَدُهما: إنه لا يَمنعُ مِنْ عقدِها، وليسَ ذلكَ مِنْ الشروطِ المُعتبَرةِ فيها؛ لعَدمِ تأثيرِه في حقوقِها.
والمَذهبُ الثاني: إنه يَمنعُ مِنْ عقدِ الإمامةِ، وتكونُ السلامةُ منه شَرطًا مُعتبَرًا في عَقدِها؛ ليَسلمَ وُلاةُ الملَّةِ مِنْ شَينٍ يُعابُ ونَقصٍ يُزدرَى، فتَقلُّ به الهَيبةُ، وفي قِلَّتِها نُفورٌ عن الطاعةِ، وما أدَّى إلى هذا فهو نقصٌ في حُقوقِ الأمَّةِ.
ارجع إلى شروط الإمامة للاطلاع على جميع المسائل.