الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد الزنا > الشرط الرابع: عدم الإكراه على الزنا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةوقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا حَدَّ على مَنْ لم يَعلمْ تَحريمَ الزِّنا.
قالَ عُمرُ وعُثمانُ وعليٌّ: «لا حَدَّ إلا على مَنْ عَلِمَه»، وبهذا قالَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ، فإنِ ادَّعَى الزاني الجَهلَ بالتَّحريمِ وكانَ يَحتملُ أنْ يَجهلَه كحَديثِ العَهدِ بالإسلامِ والناشِئِ بباديَةٍ قُبِلَ منه؛ لأنه يَجوزُ أنْ يَكونَ صادِقًا، وإنْ كانَ ممَّن لا يَخفَى عليه ذلك كالمُسلمِ الناشئِ بينَ المُسلمينَ وأهلِ العِلمِ لم يُقبَلْ؛ لأنَّ تَحريمَ الزِّنا لا يَخفَى على مَنْ هو كذلكَ، فقدْ عُلِمَ كَذبُه، وإنِ ادَّعَى الجَهلَ بفَسادِ نكاحٍ باطِلٍ قُبِلَ قولُه؛ لأنَّ عُمرَ قَبِلَ قولَ المُدَّعي الجهلَ بتَحريمِ النكاحِ في العدَّةِ، ولأنَّ مِثلَ هذا يُجهلُ كثيرًا ويَخفى على غيرِ أهلِ العلمِ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: عَدمُ الإكراهِ على الزِّنا:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المرأةَ إذا أُكرِهتْ على الزنا أنه لا حَدَّ عليها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمَّتِي الخطَأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليهِ» (٢).
ولمَا روَى وائِلُ بنُ حُجرٍ رضي الله عنه قالَ: «استُكرِهَتِ امرأةٌ على عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فدَرَأَ عنها رسولُ اللهِ ﷺ الحَدَّ وأقامَهُ على الذي أصابَها» (٣).
(١) «المغني» (٩/ ٥٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ.
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١٤٥٣).
قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ رحمة الله عليه: والعَملُ على هذا عندَ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم أنْ ليسَ على المُستكرَهةِ حَدٌّ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: والعُلماءُ مُتفِقونَ على أنه لا حَدَّ على امرأةٍ مُستكرَهةٍ، واختَلفُوا هل لها صَداقٌ؟ فقالَ عَطاءٌ والزُّهريُّ: لها الصَّداقُ، وهو قولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ، وقالَ الشعبيُّ: إذا أُقيمَ الحَدُّ على الذي زنَى بها بطَلَ الصَّداقُ، وهو قولُ الكُوفيِّينَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ على المُستكرِهِ المُغتصِبِ الحدُّ إنْ شَهدَتِ البينةُ عليه بما يُوجِبُ الحَدَّ أو أقَرَّ بذلكَ، فإنْ لم يَكنْ فعَليهِ العُقوبةُ، ولا عُقوبةَ عليها إذا صَحَّ أنه استَكرَهَها وغلَبَها على نفسِها، وذلكَ يُعلَمُ بصُراخِها واستِغاثتِها وصِياحِها وإنْ كانَتْ بِكرًا فيما يَظهرُ مِنْ دَمِها ونحوِها ممَّا يُفصِحُ به أمرُها، فإنْ لم يَكنْ شَيءٌ مِنْ ذلكَ وظهَرَ بها حَملٌ وقالَتْ: «استُكرِهتُ» فقدِ اختَلفَ العلماءُ في ذلكَ …
ولا نَعلمُ خِلافًا بينَ العلماءِ أنَّ المُستكرَهةَ لا حَدَّ عليها إذا صَحَّ استِكراهُها بما ذكَرْنا وشَبهِه …
وعن أبي بَكرٍ وعُمرَ والخُلفاءِ وفُقهاءِ الحِجازِ والعراقِ مثلُ ذلكَ.
واختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ الصَّداقِ على المُغتصِبِ:
فقالَ مالكٌ واللَّيثُ والشافِعيُّ: عليهِ الصَّداقُ والحدُّ جَميعًا.
(١) «سنن الترمذي» (٤/ ٥٥).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٣٠٣).
وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ وسُفيانُ الثوريُّ: عليهِ الحَدُّ ولا مهْرَ عليهِ، وهو قولُ ابنِ شُبرمةَ، لا يَجتمعُ عندَهم صَداقٌ وحَدٌّ.
قالَ أبو عُمرَ: هذا على مَذاهبِهم في السَّارقِ؛ أنه إذا قُطِعَ لم يَجبْ عليه غُرمٌ، ومَسألةُ السارقِ مُختلَفٌ فيها أيضًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ أهلِ الإسلامِ أنَّ المُستكرَهةَ لا حدَّ عليها، وإنما اختَلفُوا في وُجوبِ الصَّداقِ لها.
وسَببُ الخِلافِ: هل الصَّداقُ عِوضٌ عن البُضعِ؟ أو هو نِحلةٌ؟ فمَن قالَ: «عِوضٌ عن البُضعِ» أوجَبَه في البُضعِ في الحِلِّيةِ والحُرميَّةِ، ومَن قالَ: «إنه نِحلةٌ خَصَّ اللهُ به الأزواجَ» لم يُوجِبْه (٢).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: والعُلماءُ مُتفِقونَ على أنه لا حدَّ على امرأةٍ مُستكرَهةٍ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا حَدَّ على مُكرَهةٍ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ والزُّهريِّ وقَتادةَ والثوريِّ والشافِعيِّ وأصحابِ الرأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلكَ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ: «عُفيَ لأمَّتِي عن الخَطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليهِ».
(١) «الاستذكار» (٧/ ١٤٦).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٢٩، ٣٣٠).
(٣) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٨٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف
فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي
ارجع إلى شروط حد الزنا للاطلاع على جميع المسائل.