الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد القذف > الحد الواجب على القاذف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةالحَدُّ الواجِبُ على القاذِفِ:
إذا تَحقَّقَ القذفُ بشُروطِه إذا أقَرَّ به أو شَهدَ شاهِدانَ وَجبُ جَلدُ القاذِفِ إذا كانَ حُرًّا عاقِلًا بالِغًا مُسلمًا ثَمانينَ جَلدةً ولا مَزيدَ عليها، وإنْ كانَ عبدًا أربعينَ جلدةً، بالكتابِ والإجماعِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ الحُرَّ العاقِلَ البالغَ المُسلمَ غيرَ المُكرَهِ إذا قذَفَ حُرًّا عاقِلًا بالغًا مُسلمًا عَفيفًا لم يُحَدَّ قطُّ في زنًا أو حُرَّةً بالغةً عاقِلةً مُسلمةً عَفيفةً غيرَ مُلاعَنةٍ لم تُحَدَّ في زنًا قطُّ بصَريحِ الزنا وكانَا في غيرِ دارِ الحَربِ المَقذوفُ أو المَقذوفةُ فطلَبَ الطالِبُ منهُما القاذِفَ هو بنفسِه لا غيرَ وشَهدَ بالقذفِ الآنَ أو الحُر القاذِف -كما قدَّمْنا- أنه يَلزمُه ثَمانونَ جَلدةً.
واتَّفقُوا أنَّ القاذِفَ غيرَ الحُرِّ -كما ذكَرْنا- يَلزمُه أربَعونَ جَلدةً، واختَلفُوا في أكثَرَ.
واتَّفقُوا أنْ لا مَزيدَ في ذلكَ على ثَمانينَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنه ثَمانونَ جَلدةً للقاذفِ الحُرِّ؛ لقولِه تعالَى: ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
(١) «مراتب الإجماع» ص (١٣٤).
واختَلفُوا في العبدِ يَقذفُ الحرُّ كم حَدُّه؟ فقالَ الجُمهورُ مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ: حَدُّه نِصفُ حدِّ الحرِّ، وذلكَ أربَعونَ جَلدةً، ورُويَ ذلكَ عن الخُلفاءِ الأربَعةِ وعنِ ابنِ عبَّاسٍ، وقالَتْ طائفةٌ: حَدُّه حدُّ الحرِّ، وبه قالَ ابنُ مَسعودٍ مِنْ الصحابةِ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وجَماعةٌ مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ وأبو ثَورٍ والأوزاعيُّ وداودُ وأصحابُه مِنْ أهلِ الظاهرِ.
فعُمدةُ الجُمهورِ قياسُ حدِّه في القذفِ على حدِّه في الزنا.
أمَّا أهلُ الظاهرِ فتَمسَّكوا في ذلكَ بالعُمومِ، ولمَّا أجمَعُوا أيضًا أنَّ حدَّ الكِتابيِّ ثمانونَ فكانَ العبدُ أَحرى بذلكَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقَدرُ الحدِّ ثَمانونَ إذا كانَ القاذفُ حُرًّا؛ للآيةِ والإجماعِ، رجلًا كانَ أو امرأةً، ويُشترطُ أنْ يكونَ بالغًا عاقِلًا غيرَ مُكرَهٍ؛ لأنَّ هذه مُشترَطةٌ لكلِّ حَدٍّ (٢).
وقالَ شَمسُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ الحَدِّ على مَنْ قذَفَ مُحصنًا، وأنَّ حَدَّه ثَمانونَ إنْ كانَ حُرًّا، وقد دَلَّ عليهِ قولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
وإنْ كانَ القاذفُ عبدًا فحَدُّه أربَعونَ جَلدةً، وأجمَعُوا على وُجوبِ الحَدِّ على العبدِ إذا قذَفَ مُحصنًا؛ لدُخولِه في عُمومِ الآيةِ، وحَدُّه أربَعونَ في
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣٠، ٣٣١).
(٢) «المغني» (٩/ ٧٧).
قولِ أكثرِ العُلماءِ، فرُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ رَبيعةَ أنه قالَ: «أدرَكْتُ أبا بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ ومَن بعدَهُم مِنْ الخُلفاءِ فلمْ أرَهُم يَضربونَ المَملوكُ إذا قذَفَ إلا أربَعينَ».
وروَى خِلاسٌ أنَّ عليًّا قالَ في عبدٍ قذَفَ حُرًّا: «عليهِ نِصفُ الحدِّ».
وجلَدَ أبو بكرٍ بنُ مُحمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزمٍ عبدًا قذَفَ حُرًّا ثَمانينَ، وبه قالَ قَبيصةُ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؛ عمَلًا بعُمومِ الآيةِ.
والصَّحيحُ الأولُ؛ للإجماعِ المَنقولِ عن الصَّحابةِ رضي الله عنهم، ولأنه حَدٌّ يَتبعَّضُ، فكانَ العبدُ فيه على النصفِ مِنْ حَدِّ الحُرِّ كحَدِّ الزنا، وهذا يخصُّ عُمومَ الآيةِ، وقد عِيبَ على أبي بكرٍ بنِ مُحمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزمٍ جلدُه العبدَ ثَمانينَ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ عامرِ بنِ رَبيعةَ: ما رأيتُ أحَدًا جلَدَ العبدَ ثَمانينَ قبْلَه، وقالَ سعيدٌ: ثنَا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي الزِّنادِ عن أبيه قالَ: حَضرْتُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ جلَدَ عبدًا في فِرْيةٍ ثَمانينَ، فأنكَرَ ذلكَ مَنْ حضَرَه مِنْ الناسِ وغيرُهم مِنْ الفُقهاءِ، فقالَ لي عبدُ اللهِ بنُ عامرِ بنِ رَبيعةَ: إني رأيْتُ واللهِ عُمرَ بنَ الخطَّابِ فما رأيتُ أحَدًا جلَدَ عبدًا في فِريَةٍ فوقَ أربَعينَ.
قالَ الخِرَقيُّ: ويكونُ بدُونِ السَّوطِ الذي يُجلَدُ به الحُرُّ؛ لأنه لمَّا خُفِّفَ في عَددِه خُفِّفَ في سَوطِه، كما أنَّ الحُدودَ في نَفسِها كُلَّما قَلَّ مِنها كانَ سَوطُه أخَفَّ، وظاهِرُ ما ذكَرَه شَيخُنا أنه يكونُ بسَوطِ الحُرِّ، فيَتساوَوْا في الجَلدِ ليَتحقَّقَ التَّنصيفُ؛ لأنه إنَّما يَتحقَّقُ بذلكَ (١).
(١) «الشرح الكبير» (١٠/ ٢١١، ٢١٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود
وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ
(فَصْلٌ) :
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٧٠ - مسألة؛ قال: (ومن قذف رجلا، فلم يقم الحد حتى زنى المقذوف، لم يزل الحد عن القاذف)
يَلْزَمْه حَدٌّ ، كما لو قالتْ: صَدَقْتَ. ولو قال: يا زانيةُ. قالتْ: أنَتْ أزْنَى مِنِّى. فقال أبو بكر: هي كالتى قبلَها في سُقوطِ الحَدِّ عنه. ويَلْزَمُها له ههُنا حَدُّ القَذْفِ، بخلافِ التي قبلَها؛ لأنَّها أضافَتْ إليه الزِّنَى، وفي التي قبلَها أضافَتْه إلى نفسِها.
١٥٧٠ - مسألة؛ قال: (وَمَن قَذَفَ رَجُلًا، فلم يُقَمِ الْحَدُّ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ، لم يَزُلِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ)
ارجع إلى شروط حد القذف للاطلاع على جميع المسائل.