ثالثا: صيغة القذف

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد القذف > ثالثا: صيغة القذف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

ثالثا: صيغة القذف - الأقوال والأدلة

ثالِثًا: صِيغةُ القَذفِ:

القَذفُ على ثَلاثةِ أضرُبٍ: صَريح، وكِناية، وتَعريض.

أولًا: الصَّريحُّ: هو اللفظُ الذي لا يَحتملُ غيرَ القَذفِ ك: «يا زانٍ، أو يا زانِيةُ، يا عاهِرُ»، وأصلُ العُهرِ إتيانُ الرَّجلِ المَرأةَ ليلًا للفُجورِ بها، ثمَّ غلَبَ على الزِّنا فأُطلِقَ العاهِرُ على الزاني، سواءٌ جاءَها أو جاءَتْه هي ليلًا أو نَهارًا.

أو: «زَنَى فَرجُك» ممَّا لا يَحتملُ غيرَ القَذفِ، فلا يُقبَلُ قولُه بما يُحيلُه، فهو صريحٌ فيهِ، فأشبَهَ التَّصريحَ بالطَّلاقِ، وكذا ما يَجري مَجرَى الصريحِ وهو نَفيُ النَّسبِ.

واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ القَذفَ بصَريحِ الزِّنا يُوجِبُ الحدَّ بشُروطِه (١).

ثانيًا: الكِنايةُ: هو اللَّفظُ الذي يَحتملُ القذْفَ ويَحتملُ غيرَه.

وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في كِنايةِ القَذفِ والتَّعريضِ بالقَذفِ، هل يُوجِبُ الحدَّ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يَجِبُ الحدُّ بالكنايةِ والتَّعريضِ؛ لأنَّ الكِنايةَ مُحتمِلةٌ، والحدُّ لا يَجبُ مع الشُّبهةِ، فمَعَ الاحتِمالِ أَولى (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٤٢)، و «الذخيرة» (١٢/ ٩٠)، و «الأم» (٥/ ١٣١، ١٣٢)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٣٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٤٢)، و «الأم» (٥/ ١٣١، ١٣٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣١١)، و «أحكام القرآن» (٥/ ١١١).

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولا يُلاعنُ ولا يُحَدُّ إلا بقَذفٍ مُصرحٍ، ولو قالَ: «لم أجِدْكِ عَذراءَ مِنْ جِماعٍ» وكانَتِ العُذرةُ تَذهبُ مِنْ غيرِ جِماعٍ ومِن جِماعٍ فإذا قالَ هذا وُقِفَ؛ فإنْ أرادَ الزنى حُدَّ أو لاعَنَ، وإنْ لم يُرِدْه حلَفَ ولا حَدَّ ولا لِعانَ … -ثمَّ ذكَرَ حَديثَ المَرأةِ التي ولَدَتْ غُلامًا أسوَدَ ثمَّ قالَ-: وبهذا نأخُذُ، وفي الحَديثِ دَلالةٌ ظاهِرةٌ على أنه ذكَرَ أنَّ امرَأتَه ولَدَتْ غُلامًا أسوَدَ وهو لا يَذكرُه إلا مُنكِرًا له، وجَوابُ النبيِّ له وضَربُه له المثَلَ بالإبلِ يَدلُّ على ما وصَفْتُ مِنْ إنكارِه وتُهمتِه المرأةَ، فلمَّا كانَ قولُ الفَزاريِّ تُهمةً الأغلَبُ مِنها عندَ مَنْ سَمعَها أنه أرادَ قذْفَها أنْ جاءَتْ بولَدٍ أسودَ فسَمعَه النبيُّ فلمْ يَرَهُ قذفًا يَحكمُ عليه فيه باللِّعانِ أو الحَدِّ إذا كانَ لقولِه وجهٌ يَحتملُ أنْ لا يكونَ أرادَ به القذفَ مِنْ التعجُّبِ والمَسألةِ عن ذلكَ لا قذْفَ امرَأتِه استَدلَلْنا على أنه لا حَدَّ في التعريضِ وإنْ غلَبَ على السامِعِ أنَّ المُعرِّضَ أرادَ القذفَ إنْ كانَ له وجهٌ يَحتملُه، ولا حَدَّ إلا في القَذفِ الصريحِ، وقد قالَ اللهُ تبارك وتعالى في المُعتدَّةِ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فأحَلَّ التعريضَ بالخِطبةِ، وفي إحلالِه إيَّاها تحريمُ التَّصريحِ، وقد قالَ اللهُ تبارك وتعالى في الآيةِ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] والسِّرُّ الجِماعُ واجتِماعُهما على العدَّةِ بتَصريحِ العُقدةِ بعدَ انقضاءِ العدَّةِ، وهو تَصريحٌ باسْمٍ نَهَى عنه، وهذا قَولُ الأكثَرِ مِنْ أهلِ مكَّةَ وغيرِهم مِنْ أهلِ البُلدانِ في التَّعريضِ، وأهلُ المَدينةِ فيه مُختلِفونَ فمِنهُم مَنْ قالَ بقَولِنا، ومنهُم مَنْ حَدَّ في التعريضِ، وهذهِ الدَّلالةُ

في حَديثِ النبيِّ في الفَزاريِّ مَوضوعةٌ بالآثارِ فيها والحُجَجِ في كتابِ الحُدودِ (١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وهذا كما قالَ، كِناياتُ القَذفِ ومَعارِيضُه لا تكونُ قَذفًا إلا بالإرادةِ في الغضَبِ والرِّضى جَميعًا، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأكثَرُ الفُقهاءِ … ثمَّ ساقَ الحَديثَ ثمَّ قالَ: فلمْ يَجعلِ النبيُّ هذا التَّعريضَ بالقذفِ صَريحًا.

فإنْ قيلَ: إنما يكونُ صَريحًا في الغضَبِ، ولم يَظهرْ منهُ غَضبٌ.

قيلَ: حالُه يَشهدُ بغضَبهِ؛ لأنه أنكَرَ مِنْ زَوجتِه وهُمَا أبيَضانِ أنْ تَلدَ غُلامًا أسوَدَ يُخالِفُهما في الشَّبهِ، ويَدلُّ عليه ما رُويَ «أنَّ رَجلًا أتَى رسولَ اللهِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني امرَأتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، فقالَ: طلِّقْها، فقالَ: إني أُحبُّها، قالَ: أَمسِكْها» وهذا تَعريضٌ بالقَذفِ ولم يَجعلْه قاذِفًا.

فإنْ قيلَ: المُرادُ بقولِه: «يَدَ لامِسٍ» أُريدَ به مُلتمِسٍ، أي: طالبٍ لمالِه؛ لتَبذيرِها له في كلِّ سائلٍ وطالِبٍ، ولم يُرِدِ التِماسَ الفاحِشةِ، فيَكونُ تَعريضًا.

قيلَ: لا يَجوزُ حَملُه على هذا التأويلِ المُخالِفِ لأمرَينِ:

أحَدُهما: أنه لو أرادَ هذا القولَ لَقالَ: «لا تَرُدُّ يدَ مُلتمِسٍ» ولم يَقلْ: «يدَ لامِسٍ».

(١) «الأم» (٥/ ١٣١، ١٣٢).

والثَّاني: أنه لو قصَدَ هذا لم يُؤمَرْ بطلاقِها، ولأُمِرَ بحَبسِ مالِه عنها، ورُويَ أنَّ اليهودَ كانَتْ تَقولُ لرسولِ اللهِ : «مُذَمَّمًا عَصَينا، وأمْرَه أَبيْنا»، فقالَ النبيُّ : «أمَا تَرَونَ كيفَ عصَمَني اللهُ مِنهُم، إنهم يَسبُّونَ مُذَمَّمًا وأنا مُحمَّدٌ»، فلمْ يَجعلْ تَعريضَهم به صَريحًا، ولأنَّ اللهَ تعالى أحَلَّ التعريضَ بالخِطبةِ وقد حرَّمَ صَريحَها، فدَلَّ على اختِلافِ حُكمِ التَّعريضِ والتَّصريحِ.

ويَدلُّ عليهِ عن طَريقِ المعنَى: أنَّ كلَّ ما كانَ كِنايةً في الرِّضى كانَ كِنايةً في الغضَبِ كالكِناياتِ في الطلاقِ، وأنَّ كلَّ ما لو نسَبَه إلى نفْسِه لم يَكنْ إقرارًا بالزنا وجَبَ إذا نسَبَه إلى غيرِه أنْ لا يَكونَ قذفًا بالزِّنا؛ قِياسًا على حالِ الرِّضى؛ لأنه لو قالَ لنَفسِه: «أنَا ما زَنَيتُ» لم يكنْ إقرارًا، كذلكَ إذا قالَ لغيرِه: «أنا ما زَنَيتُ» لم يَكنْ قَذفًا (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ كنايةَ القَذفِ والتَّعريضَ به تَعريضًا يُفهَمُ منه أنه أرادَه فعَليهِ الحدُّ وحُكمُه حُكمُ الصريحِ، وذلكَ مَعلومٌ بشاهدِ الحالِ ومَخارجِ الكَلامِ والأسبابِ؛ لأنه لفظٌ يُفهَمُ منه القذفُ، فوجَبَ أنْ يكونَ قَذفًا، أصلُه التَّصريحُ، فإذا لم يُفهَمْ ذلكَ فلا خِلافَ أنه لا حَدَّ فيه ولا يَكونُ تَعريضًا، كما لو قالَ له: «يا زانٍ، فقالَ لهُ: أنعَمَ اللهُ صَباحَكَ، أو أنتَ سَخيٌّ كَريمٌ» أو ما أشبَهَ ذلكَ مِنْ الكلامِ الأجنَبيِّ عمَّا هُما فيه، ويُبيِّنُ ما قُلنَا أنَّ عُرفَ التخاطُبِ يَنفِي ما قالُوه؛ لأنَّ أهلَ اللُّغةِ يُسمُّونَ التعريضَ لِمَا يُفهَمُ

(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ١٣١، ١٣٢).

منه مَعنَى التَّصريحِ وإنْ كانَ صَريحُ هذا التَّعريضِ ضِدَّه، ولذلكَ أخبَرَ اللهُ تعالَى عن قومِ شُعيبٍ أنهم قالُوا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)[هود: ٨٧]، وأرادُوا ضِدَّ ذلكَ، وهو الذي يُفيدُ عُرفُ التخاطُبِ؛ لأنَّا إذا رَأيْنا اثنَينِ يَتسابَّانِ وأحَدُهما يُقاتِلُ صاحِبَه ويَطلبُ أنْ يزريَ عليه ولا يَرضَى بمُقابلتِه على ما يُورِدُه إلا أنْ يُبالِغَ فيهِ، فقالَ أحَدُهما للآخَرِ: «يا زانٍ، أو أنَّ الأبعَدَ ابنُ زانيةٍ» فقابَلهُ بأنْ قالَ: «ما أنتَ بزانٍ، أو ما أمُّه إلا العَفيفةُ» الَّتي لا يعلمُ أنها زَنَتْ ولا اكتسَبَتْ فاحِشةً، وشُوهِدَ في وجهِه مِنْ الأماراتِ والعَلاماتِ ما يعلمُ معه أنَّ هذهِ غرضُه، أنَّ هذهِ أَدخلُ فيما رُميَتْ به الأُخرى منهُما، فيُعقَلُ ذلكَ مِنْ شاهِدِ الحالِ كما يُعقَلُ الفَرقُ بينَ قولِ القائلِ: «أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ» اعتِبارًا، وبينَ مَنْ يَقولُها تَعظيمًا، وبينَ أنْ يقولَها تعجُّبًا عندَ طُروءِ حادِثٍ، وبينَ أنْ يَقولَها في الأذانِ، أو حِكايةً لقَولِ قائِلٍ، ومَن دفَعَ هذا عُلمَ قَصدُه للمعانَدةِ فلا وجْهَ لكَلامِه، ولأنهُم قد وافَقُونا على أنه لو قالَ: «أردْتُ به القذفَ» أنه يكونُ قَذفًا، فلولا أنه يُعقَلُ منه وإلا لم يَكنْ له حُكمُ ذلكَ إلا بالإرادةِ.

ولأن ذلكَ مَرويٌّ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعُثمانَ بنِ عفَّانَ وعُروةَ والزُّهريِّ.

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وقد صَحَّ عن عُمرَ مِنْ وُجوهٍ أنه حَدَّ في التعريضِ، فروَى مَعمرٌ عن الزُّهريِّ عن سالِمٍ عن أبيه «أنَّ عُمرَ كانَ يَحُدُّ في التعريضِ بالفاحِشةِ»، ورَوى ابنُ جُريجٍ عن ابنِ أبي مُليكةَ عن صَفوانَ وأيوبَ عن عُمرَ أنه حَدَّ في التعريضِ، وذكَرَ أبو عُمرَ «أنَّ عُثمانَ كانَ يَحُدُّ في

التعريضِ»، وذكَرَه ابنُ أبي شَيبةَ، وكانَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَرَى الحدَّ في التعريضِ، وهو قولُ أهلِ المَدينةِ والأوزاعِيِّ، وهو مَحضُ القياسِ، كما يقَعُ الطلاقُ والعِتقُ والوَقفُ والظِّهارُ بالصريحِ والكِنايةِ، واللَّفظُ إنما وُضعَ لدَلالتِه على المعنَى، فإذا ظهَرَ المعنَى غايةَ الظهورِ لم يَكنْ في تَغييرِ اللفظِ كثيرُ فائدةٍ (١).

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما القَذفُ الذي يَجبُ به الحدُّ فاتَّفقُوا على وَجهينِ:

أحَدُهما: أنْ يَرميَ القاذفُ المَقذوفَ بالزِّنا.

والثَّاني: أنْ يَنفيَه عن نَسبِه إذا كانَتْ أمَّهُ حرَّةً مُسلمةً.

واختَلفُوا إنْ كانَتْ كافِرةً أو أمَةً، فقالَ مالكٌ: سَواءٌ أكانَتْ حُرةً أو أمَةً مُسلمةً أو كافِرةً يَجبُ الحَدُّ، وقالَ إبراهِيمُ النخَعيُّ: لا حَدَّ عليهِ إذا كانَتْ أمُّ المَقذوفِ أمَةً أو كِتابيةً، وهو قياسُ قولِ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ.

واتَّفقُوا أنَّ القَذفَ إذا كانَ بهذَينِ المَعنيَينِ أنه إذا كانَ بلَفظٍ صَريحٍ وجَبَ الحدُّ.

(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ١٢٩)، ويُنظَر: «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٤٨٣)، و «الاستذكار» (٧/ ٥١٨، ٥١٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٢٥٣، ٢٥٤) رقم (١٥٩٥)، و «روضة المستبين في شرح كتاب التلقين» (٢/ ١٣٠٥)، و «التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب» (٨/ ٢٥٩)، و «الذخيرة» (١٢/ ٩٤)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢٣٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٣٩، ١٤٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٠٦، ٢٠٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٣١٨، ٣١٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الحدود)
(باب حد القذف)

(باب حد القذف)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله: " إذا قذف الْبَالِغُ حُرًّا بَالِغًا مُسْلِمًا أَوْ حُرَّةً بَالِغَةً مسلمة حد ثمانين) .

قال الماوردي: والأصل فِي تَحْرِيمِ الْقَذْفِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النور: ٢٣ .

وَرَوَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يُحْبِطُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ) .

وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السبع نودي في الْقِيَامَةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شاء) . قال رجل لابن عمر الْكَبَائِرُ السَّبْعُ سَمِعْتَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " نَعَمْ، الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالْقَتْلُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالزِّنَا) ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَائِشَةَ رضوان الله عليها في الإفك عليها ما برأها الله تعالى مِنْهُ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القذف
باب في شرب الخمر

بَابٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ

ِ وَالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِبِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟

فَأَمَّا الْمُوجِبُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شُرْبُ الْخَمْرِ دُونَ إِكْرَاهٍ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْكِرَاتِ مِنْ غَيْرِهَا، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِهَا وَإِيجَابُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الْمُحَرَّمُ مِنْهَا هُوَ السُّكْرُ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمْدَةَ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ.

وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ الْحَدُّ وَالتَّفْسِيقُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ، وَالتَّفْسِيقُ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السُّكْرِ، وَفِيمَنْ بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ. وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوْا تَحْرِيمَ قَلِيلِ الْأَنْبِذَةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ عَلَى وُجُوبِهِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ ثَمَانُونَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُونَ.

هَذَا فِي حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا حَدُّ الْعَبْدِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: حَدُّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عِشْرُونَ، وَعِنْدَ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ - أَرْبَعُونَ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان من يملك الخصومة ومن لا يملكها في القذف

مَحْدُودًا فِي الْقَذْفِ حَقِيقَةً، حَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْذُوفَ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا، وَقَدْ ظَهَرَ زِنَاهُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ؛ فَلَمْ يَصِرْ الْقَاذِفُ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ قَبُولِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي إقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَذْفِ قَدْ تَقَرَّرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ.

وَلَوْ قَذَفَ رَجُلًا فَقَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، ثُمَّ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ أُمَّ الْمَقْذُوفِ أَمَةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ، وَالْمَقْذُوفُ يَقُولُ: هِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ، وَعَلَى الْمَقْذُوفِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ،.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ الْمَقْذُوفَ عَبْدٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْقَاذِفُ: أَنَا عَبْدٌ وَعَلَيَّ حَدُّ الْعَبْدِ، وَقَالَ الْمَقْذُوفُ: أَنْت حُرٌّ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ الْأَحْرَارِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالْبَيِّنَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 305 - 310

ارجع إلى شروط حد القذف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله