الإسلام > الجنايات والحدود > شروط صحة الموادعة والمهادنة > ألا نرد مسلمة إلى الكفار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءة٢ - ألَّا نَرُدَّ مُسلِمةً إلى الكُفارِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَجوزُ عَقدُ الهُدنةِ على رَدِّ من جاءَت من المُسلِماتِ منهم إلينا، وكذا لو أسلَمَت عندَنا بعدَ مَجيئِها من عِندِهم لما رُويَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ عقَدَ الصُّلحَ في الحُدَيبيةِ، ثم جاءَتْه بعدَ ذلك أمُّ كُلثومٍ بِنتُ عُقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ مُسلِمةً، فجاء أخَواها يَطلُبانِها، فأرادَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَرُدَّها عليهما. فمَنَعه اللهُ مِنْ رَدِّها بقَولِه ﷾: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (١) فأخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ اللهَ تَعالَى قد منَع من الصُّلحِ في النِّساءِ، فامتنَعَ حينَئذٍ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ رَدِّهن، ومِن رَدِّ النِّساءِ كلِّهِنَّ، ولأنَّه لا يُؤمَنُ أنْ تُفتَنَ عن دِينِها لنُقصانِ عَقلِها أو أنْ تُزوَّجَ بمُشرِكٍ؛ لأنَّ النِّساءَ ذَواتِ الأزواجِ يَحرُمْنَ
(١) رواه البخاري (٢٥٦٤) كتاب الشُّروطِ، بابُ ما يَجوزُ من الشُّروطِ في الإِسلامِ والأَحكامِ والمُبايَعةِ: حدَّثَنا يَحيى بنُ بُكَيرٍ حدَّثَنا اللَّيثُ عن عَقيلٍ عن ابنِ شِهابٍ قال: أخبَرَني عُروةُ بنُ الزُّبيرِ أنَّه سمِعَ مَروانَ والمِسوَرَ بنَ مَخرَمةَ رضي الله عنهما يُخبِران عن أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ قال: لَمَّا كاتَبَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو يَومَئِذٍ كان فيما اشتَرطَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو على النَّبيِّ ﷺ أنَّه لا يَأتِيك مِنَّا أحَدٌ وإنْ كان على دِينِك إلا رَدَدتَه إلينا وخَلَّيتَ بينَنا وبينَه، فكَرِه المُؤمِنونَ ذلك وامتعَضوا منه وأَبى سُهَيلٌ إلا ذلك، فكاتَبَه النَّبيُّ ﷺ على ذلك، فرَدَّ يَومَئِذٍ أبا جَندَلٍ إلى أبيه سُهَيلِ بنِ عَمرٍو ولمْ يأتِه أحَدٌ من الرِّجالِ إلا رَدَّه في تلك المُدةِ وإنْ كان مُسلمًا، وجاء المُؤمِنات مُهاجِراتٍ وكانت أُمُّ كُلثومٍ بِنتُ عُقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ ممَّن خرَجَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ يَومَئِذٍ وهي عاتِقٌ فجاءَ أهلُها يَسألونَ النَّبيَّ ﷺ أنْ يُرجِعَها إليهم، فلم يُرجِعْها إليهم لِما أنزَلَ اللهُ فيهِنَّ ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.
على أزواجِهِنَّ من الكُفارِ، ولا يَقدِرْنَ على الامتِناعِ منهم، وأيضًا لرِقَّتِهِنَّ وضَعفِهِنَّ ولِحُرمةِ الإسلامِ، ويَدلُّ عليه قَولُه ﷾: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
فإنْ عُقِد بطَلَ الشَّرطُ باتِّفاقٍ؛ لأنَّه أحَلَّ حَرامًا، والشَّريعةُ استقَرَّت على مَنعِ الرَّدِّ سَواءٌ كانَ لها عَشيرةٌ أو لا.
واختَلفُوا: هل يَبطُلُ العَقدُ؟ على قَولَينِ: والأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ وهو أحَدُ الوَجهَينِ عندَ الحَنابِلةِ: أنَّه يَبطُلُ العَقدُ لفَسادِ الشَّرطِ.
وقالَ الحَنفيةُ -وهو مُقابِلُ الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والوَجهُ الثانِي للحَنابِلةِ-: لا يَبطُلُ العَقدُ؛ لأنَّها ليسَتْ بآكَدَ من النِّكاحِ، وهو لا يَفسُدُ بالشُّروطِ الفاسِدةِ. وأمَّا الكافِرةُ فيَجوزُ رَدُّها إليهم.
قالَ الحَنفيةُ: فإنْ أعطاهم الإمامُ على هذا عَهدًا؛ فإنَّه لا يَنبَغي له أنْ يَفيَ بهذا الشَّرطِ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لحُكمِ الشَّرعِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى فهو باطِلٌ»، والأصلُ فيه ما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صالَحَ أهلَ مَكةَ يَومَ الحُدَيبيةِ على أنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا، ثم نسَخَ اللهُ تَعالى هذا الشَّرطَ بقَولِه ﷾: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فصارَ هذا أصلًا أنَّ الصُّلحَ متى وقَعَ على شُروطٍ منها الجائِزُ الذي يُمكِنُ الوَفاءُ به، ومنها الفاسِدُ الذي لا يُمكِنُ الوَفاءُ به؛ فإنَّ الإمامَ يَنْظُرُ إلى الجائِزِ فيُجيزُه وإلى الفاسِدِ فيُبطِلُه (١).
(١) «شرح كتاب السير الكبير» (٤/ ١٥٩٥، ١٧٨٥)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٦٠)، و «الشرح الكبير» (٢/ ٥٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٥١)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥١٨)، و «الذخيرة» (٣/ ٤٤٩)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ٢٢٩)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٠)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٥٧)، و «البيان» (١٢/ ٣١٠)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٥٢)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٩٨)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٤٥، ٤٤٦)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٥٨٥)، و «المغني» (٩/ ٢٤٢، ٢٧٢)، و «الكافي» (٤/ ٣٤١)، و «المبدع» (٣/ ٤٠٠)، و «الإنصاف» (٤/ ٢١٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٢٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٨٦)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٥٨٧).
ارجع إلى شروط صحة الموادعة والمهادنة للاطلاع على جميع المسائل.