أن يرد مسلم إلى الكفار

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط صحة الموادعة والمهادنة > أن يرد مسلم إلى الكفار

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 19 دقيقة قراءة

أن يرد مسلم إلى الكفار - الأقوال والأدلة

٣ - أنْ يُرَدَّ مُسلِمٌ إلى الكُفارِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ عَقدِ الصُّلحِ إنْ شُرطَ فيه رَدُّ مَنْ جاءَ مُسلمًا منهم إليهم هل يَصِحُّ هذا الشَّرطُ أو لا يَصحُّ ويَبطُلُ الشَّرطُ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ وبَعضُ المالِكيةِ -كسحنُونٍ وابنِ الماجِشونِ وابنِ حَبيبٍ وغيرِهم- إلى أنَّه لا يَصحُّ شَرطُ رَدِّ مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا إلينا ويَبطُلُ هذا الشَّرطُ ولا يَجبُ الوَفاءُ به، وقالُوا: إنَّ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] هو دَليلُ النَّسخِ في حَقِّ الرِّجالِ أيضًا، إذْ لا فَرقَ بينَ النِّساءِ والرِّجالِ في ذلك، بل مَفسَدةُ رَدِّ المُسلمِ إليهم أكثَرُ، وحينَ شُرعَ ذلك كانَ في قَومٍ مَنْ أسلَمَ منهم لا يُبالِغونَ في تَعذيبِه؛ فإنَّ كلَّ قَبيلةٍ لا تَتعرَّضُ لمَن فعَلَ ذلك من قَبيلةٍ أُخرى إنَّما يَتولَّى رَدعَه عَشيرَتُه وهُم لا يُبالِغونَ فيه أكثَرَ من القَيدِ والسَّبِّ والإهانةِ، ولقد كانَ بمَكةَ بعدَ هِجرةِ النَّبيِّ جَماعةٌ من المُستضعَفينَ مِثلَ أبي بَصيرٍ وأبي جَندَلِ بنِ عَمرِو بنِ سُهَيلٍ إلى نَحوِ سَبعينَ لم يَبلُغوا فيهم النِّكايةَ لعَشائِرِهم والأمرُ الآنَ على خِلافِ ذلك.

فإنْ أعطَاهم الإمامُ على هذا عَهدًا فإنَّه لا يَنبَغي له أنْ يَفيَ بهذا الشَّرطِ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لحُكمِ الشَّرعِ، فقالَ رَسولُ اللهِ : «كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى فهو باطِلٌ»، والأصلُ فيه ما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ صالَحَ أهلَ مَكةَ يَومَ الحُدَيبيةِ على أنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا، ثم نسَخَ اللهُ تَعالى هذا الشَّرطَ بقَولِه: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فصارَ هذا أصلًا أنَّ الصُّلحَ متى وقَعَ على شُروطٍ منها الجائِزُ الذي يُمكِنُ الوَفاءُ به، ومنها الفاسِدُ الذي لا يُمكِنُ الوَفاءُ به؛ فإنَّ الإمامَ يَنْظُرُ إلى الجائِزِ فيُجيزُه وإلى الفاسِدِ فيُبطِلُه.

فإنْ قيلَ: أليسَ رَسولُ اللهِ قد شرَط لأهلِ مَكةَ يَومَ الحُدَيبيةِ أنْ يَرُدَّ عليهم مَنْ جاءَ منهم مُسلمًا ووَفَّى بذلك الشَّرطِ؛ فإنَّه ردَّ أبا جَندَلِ بنَ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو على أبيه سُهَيلِ بنِ عَمرٍو ورَدَّ أبا نُصَيرٍ على مَنْ جاءَ في طلَبِه حتى فعَلَ ما فعَل.

قُلنا: نَعمْ، ولكنَّ هذا حُكمٌ قد نُسخَ بالكِتابِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وكانَ ذلك لرَسولِ اللهِ يَومَئذٍ خاصةً وقد علِمَ وَجهُ المَصلَحةِ فيه بطَريقِ الوَحيِ، فقالَ: «لا يَسألونَني اليَومَ شَيئًا إلا أعطَيتُهم إيَّاه»، فأمَّا اليَومَ فلا يَنبَغي أنْ نَردَّ على المُشرِكينَ مُسلمًا أو أنْ نتْرُكَ أخْذَ المُسلِمِ من أيديهم إذا قدِرَ المُسلِمونَ على ذلك بحالٍ؛ فإنْ أرادوا أخْذَهم فعَرَض لهم المُشرِكونَ في ذلك فليَنبِذوا إليهم، ثم ليُقاتِلوهم أشَدَّ القِتالِ دونَ أُسراءِ المُسلِمينَ حتى يَستَنقِذوهم (١).

(١) «شرح كتاب السير الكبير» (٤/ ١٥٤٨، ١٥٩٥)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٦٠)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٢/ ٥٢٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٦٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥١٨)، و «البيان والتحصيل» (٣/ ٤٦).

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ في عَقدِ الهُدنةِ اشتِراطُ رَدِّ مَنْ أسلَمَ من الكُفارِ إليهم سَواءٌ كانَ له عَشيرةٌ أو لم يَكنْ، كما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ، لما رَواه أبو داودَ وغيرُه عن بُكَيرِ بنِ الأشَجِّ عن الحَسنِ بنِ علِيِّ بنِ أبي رافِعٍ أنَّ أبا رافِعٍ أخبَرَه قالَ: بَعثَتْني قُريشٌ إلى رَسولِ اللَّهِ فلمَّا رأيتُ رَسولَ اللَّهِ أُلقيَ في قَلبي الإسلامُ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي واللهِ لا أرجِعُ إليهم أبَدًا، فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «إنِّي لا أخِيسُ بِالعَهدِ ولا أحبِسُ البُرُدَ، ولكنِ ارجِعْ؛ فإنْ كانَ في نَفسِك الذي في نَفسِك الآنَ فارجِعْ»، قالَ: فذهَبتُ ثم أتَيتُ النَّبيَّ فأسلَمتُ. قالَ بُكيرٌ: وأخبَرَني أنَّ أبَا رافِعٍ كانَ قِبطيًّا. قالَ أبو داودَ: هذا كانَ في ذلك الزَّمَانِ، فأمَّا اليَومَ فلا يَصلُحُ (١).

ولأنَّ النَّبيَّ شرَط ذلك في صُلحِ الحُدَيبيةِ ووَفَّى لهم به، فرَدَّ أبا جَندَلٍ وأبا بُصَيرٍ ولم يَخُصَّ بالشَّرطِ ذا العَشيرةِ؛ لأنَّ ذا العَشيرةِ إذا كانَت عَشيرَتُه هي التي تَفتِنُه وتُؤذيه فهو كمَن لا عَشيرةَ له، لكنْ لا يَجوزُ هذا الشَّرطُ إلا عندَ شِدةِ الحاجةِ إليه وتَعيُّنِ المَصلَحةِ فيه، ومَتى شُرطَ لهم ذلك لزِمَ الوَفاءُ به، بمَعنى أنَّهم إذا جاؤُوا في طَلبِه لم يُمنَعوا أخْذَه ولا يُجبَرُ الإمامُ على المُضيِّ معهم.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٥٨)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٧٤)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٨٧٧).

قالَ الحَنابِلةُ: وله أنْ يَأمرَه سِرًّا بالهَربِ منهم، ومُقاتَلتِهم؛ فإنَّ أبا بَصيرٍ لمَّا جاءَ النَّبيَّ وجاءَ رَجلانِ في طَلبِه فقالُوا: العَهدَ الذي جَعَلتَ لنا. فدفَعَه إلى الرَّجُلَينِ، فخرَجَا بهِ حتى بلَغَا ذا الحُلَيفةِ فنزَلُوا يَأكلُونَ من تَمرٍ لهم فقالَ أبو بَصِيرٍ لأحَدِ الرَّجلَينِ: واللهِ إنِّي لأَرى سَيفَكَ هذا يا فُلانُ جَيِّدًا، فَاستَلَّهُ الآخَرُ فقالَ: أجَلْ واللهِ إنَّه لجَيِّدٌ، لقد جَرَّبتُ بهِ ثمَّ جَرَّبتُ. فقالَ أبو بَصِيرٍ: أرِني أنظُرْ إليه. فأمكَنَه منه، فضرَبه حتى برَد، وفَرَّ الآخَرُ حتى أتَى المَدينةَ فدخَلَ المَسجِدَ يَعدُو، فقالَ رَسولُ اللَّهِ حينَ رآهُ: «لقد رأى هذا ذُعرًا»، فلمَّا انتَهَى إلى النَّبيِّ قالَ: قُتلَ واللهِ صاحِبي وإنِّي لَمَقتولٌ. فجاء أبو بَصيرٍ فقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، قد واللهِ أوْفى اللهُ ذِمتَك، قد رَدَدتَني إليهم ثم أنجاني اللهُ منهم، قالَ النَّبيُّ : «وَيلُ أمِّهِ مِسعَرُ حَربٍ لو كانَ له أحَدٌ»، فلمَّا سمِعَ ذلك عرَف أنَّه سيَرُدُّه إليهم، فخرَجَ حتى أتى سَيفَ البَحرِ، قالَ: ويَنفلِتُ منهم أبو جَندَلِ بنُ سُهَيلٍ فلَحِقَ بأبي بَصِيرٍ، فجعَلَ لا يَخرُجُ من قُريشٍ رَجلٌ قد أسلَمَ إلا لحِقَ بأبي بَصِيرٍ حتى اجتمَعَت منهم عِصابةٌ، فواللَّهِ ما يَسمَعونَ بعِيرٍ خرَجَت لقُريشٍ إلى الشامِ إلا اعتَرَضوا لها فقتَلوهم وأخَذوا أموالَهم. فأرسَلَت قُريشٌ إلى النَّبيِّ تُناشِدُه باللَّهِ والرَّحِمِ لَما أرسَلَ، فمَن أتاهُ فهو آمِنٌ، فأرسَلَ النَّبيُّ إليهم، فأنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] حتى بلَغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وكانَت حَمِيَّتُهم

أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّه نَبيُّ اللَّهِ، ولم يُقِرُّوا ببسم اللَّهِ الرحمنِ الرَّحيمِ، وحالوا بينَهم وبينَ البَيتِ (١).

فيَجوزُ حينَئذٍ لمَن أسلَم من الكُفارِ أنْ يَتحَيَّزوا ناحيةً ويَقتُلوا مَنْ قدِرُوا عليه من الكُفارِ ويَأخُذوا أموالَهم ولا يَدخُلوا في الصُّلحِ، وإنْ ضَمَّهم الإمامُ إليه بإذنِ الكُفارِ دَخلوا في الصُّلحِ وحرُمَ عليهم قَتلُ الكُفارِ وأموالُهم، ورُوي عن عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه أنَّه لمَّا جاءَ أبو جَندَلٍ إلى النَّبيِّ هارِبًا من الكُفارِ يَرسُفُ في قُيودِه قامَ إليه أبوه فلطَمَه وجعَلَ يَرُدُّه. قالَ عُمرُ: فقُمتُ إلى جانِبِ أبي جَندَلٍ فقُلتُ: اصبِرْ أبَا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمْ المُشرِكونَ وإنَّما دَمُ أحَدِهم دمُ كَلبٍ، قالَ: ويُدْني قائِمَ السَّيفِ منه، قالَ: يَقولُ: رَجَوتُ أن يَأخذَ السَّيفَ فيَضرِبَ به إيَّاه، قالَ: فضَنَّ الرَّجلُ بأبِيهِ ونَفَذت القَضيةُ (٢).

وقالَ الحَنابِلةُ: فإنْ لم تَكنْ حاجَةٌ كظُهورِ المُسلِمينَ وقُوَّتِهم فلا يَصحُّ اشتِراطُ رَدِّ المُسلِمِ إليهم (٣).

(١) رواه البخاري (٢٥٨١).
(٢) رواه أحمد (١٨٩٣٠).
(٣) «المغني» (٩/ ٢٤١، ٢٤٢)، و «المبدع» (٣/ ٤٠١)، و «الإنصاف» (٤/ ٢١٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٢٩، ١٣٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٨٧)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٥٨٧)، ويُنظر: «الشرح الكبير» (٢/ ٥٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٥١)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥١٨)، و «الذخيرة» (٣/ ٤٤٩)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١٠٠).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ عَقدُ الهُدنةِ على رَدِّ مَنْ جاءَ من المُسلِمينَ منهم إلينا، ممَّن لا عَشيرةَ له تَمنَعُ عنه. ويَجوزُ عَقدُها على رَدِّ مَنْ جاءَ من المُسلِمينَ منهم إلينا، ممَّن له عَشيرةٌ تَمنَعُ عنه؛ لأنَّ النَّبيَّ (رَدَّ أبا جَندَلٍ على أبيه سُهَيلِ بنِ عَمرٍو) والمَعنى فيه أنَّهم يَذبُّونَ عنه ويَحمُونَه ولا يَجوزُ رَدُّه إلى غيرِ عَشيرَتِه إذا طلَبَه ذلك الغيرُ؛ لأنَّهم يُؤذونَه إلا أنْ يَقدِرَ المَطلوبُ على قَهرِ الطالِبِ له والهَرَبِ منه فيُرَدُّ إليه حينَئذٍ، وعليه حُملَ (رَدُّ النَّبيِّ أبا بَصيرٍ لمَّا جاءَ في طَلبِه رَجلانِ فقتَلَ أحدَهما في الطَّريقِ وأفلَتَ الآخَرُ) أمَّا إذا لم يُطلَبْ أحَدٌ أو لم يُشترطْ فلا يَجبُ الرَّدُّ مُطلَقًا، ومَعنى الرَّدِّ أنْ يُخلَّى بَينَه وبَينَ طالِبِه عَملًا بقَضيةِ الشَّرطِ ولا يُجبَرُ المَطلوبُ على الرُّجوعِ إلى طالِبِه؛ لأنَّ إجبارَ المُسلِمِ على الإقامةِ بدارِ الحَربِ لا يَجوزُ، وعلى هذا حُمِل رَدُّ النَّبيِّ أبا بَصيرٍ وأبا جَندَلٍ، ولا يَلزمُ المَطلوبَ الرُّجوعُ إليه؛ لأنَّ العَهدَ لم يَجْرِ معه، ولِهذا لم يُنكِرِ النَّبيُّ امتِناعَه ولا قَتلَه طالِبَه بل سَرَّه ما فعَل، ولو كانَ واجِبًا لأمرِه بالرُّجوعِ إلى مَكةَ، وله قَتلُ الطالِبِ دَفعًا عن نَفسِه ودِينِه لقِصةِ أبي بَصيرٍ. ولنا التَّعريضُ له بقَتلِ طالِبِه ولو بحَضرةِ طالِبِه؛ لأنَّ عُمرَ رضي الله عنه قالَ لأبي جَندَلٍ حينَ رُدَّ إلى أبيه: «اصبِرْ أبا جَندَلٍ؛ فإنَّما هُمْ المُشرِكونَ وإنَّما دَمُ أحَدِهم كدَمِ كَلبٍ، يُعرِّضُ له بقَتلِ أبيه» لا وليسَ لنا التَّصريحُ له به، فلا يَجوزُ؛ لأنَّهم في أمانٍ، نَعمْ لو أسلَمَ واحِدٌ منهم بعدَ عَقدِ الهُدنةِ له أنْ يُصرِّحَ بذلك؛ لأنَّه لم يشتَرِطْ على نَفسِه أمانًا لهم ولا تَناوَله شَرطٌ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية

التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.

(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 385 - 390

ارجع إلى شروط صحة الموادعة والمهادنة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر