الإسلام > الجنايات والحدود > شروط وصفة المحاربين > هل يشترط عدد معين في الحرابة؟ أم تحصل الحرابة ولو من واحد؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةهل يُشترطُ عَددٌ مُعيَّنٌ في الحِرابةِ؟ أم تَحصلُ الحِرابةُ ولو مِنْ واحدٍ؟
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ على أنه لا يُشترطُ العَددُ، بل الواحِدُ إذا كانَ له فَضلُ قُوةٍ يَغلبُ بها الجَماعةَ وتَعرَّضَ للنُّفوسِ والأموالِ مُجاهَرةً فهو قاطِعُ طَريقٍ (١).
حُكمُ الرِّدءِ:
اختَلفَ الفُقهاءِ في الرِّدءِ المُعِينِ لقُطَّاعِ الطريقِ الذي لم يُباشِرِ القَتلَ ولا أخْذَ المالِ، هل يَأخذُ حُكمَهم أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرِّدءَ حُكمُه حُكمُ المُباشِرِ؛ لأنَّ قطْعَ الطَّريقِ يَحصلُ بالكلِّ؛ لأنَّ هذا مِنْ عادَةِ القُطاعِ، أي: المُباشَرةُ مِنْ البَعضِ والإعانةُ مِنْ البَعضِ بالتَّسميرِ للدَّفعِ، فلو لم يُلحَقِ التسبُّبُ بالمُباشَرةِ في سَببِ وُجوبِ الحَدِّ لَأدَّى ذلكَ إلى فَتحِ بابِ قَطعِ الطَّريقِ وانسِدادِ حُكمِه وإنه قَبيحٌ …
ولأنه حُكمٌ يَتعلَّقُ بالمُحارَبةِ، فوجَبَ أنْ يَستويَ فيه الرِّدءُ والمُباشِرُ، كالغَنيمةِ التي يَشتركُ في استِحقاقِها المُقاتِلُ والحاضِرُ؛ لأنها تَرغيبٌ، كذلكَ الحُدودُ في المُحارَبةِ؛ لأنها تَرهيبٌ، ولأنَّ المُباشِرَ لم يَقدرْ على الأخذِ إلا
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٩٠)، و «اللباب» (٢/ ٣٣٥)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١١٣)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٦٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٩٠، ٣٩١)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٩٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٩٥).
بدَفعِ الرِّدءِ المُكثرِ، فصارَ الأخذُ مُضافًا إليهِ، فوجَبَ أنْ يُقامَ الحَدُّ عليهِما.
وهذا لأنَّ الرِّدءَ مُحارِبٌ مُفسِدٌ، ووُقوفُه ليَتمكَّنَ المُباشِرُ مِنْ الأخذِ وليَقتلَ هو إنْ أمكَنَه ويَدفعَ عن المُباشِرِ العَوائقَ ويَنضمَّ المُباشِرُ إليهِ إنْ تَعذَّرَ، وهذا هو المُعتادُ بينَهُم، ولو اشتَغلَ الكُلُّ بالمُباشَرةِ لَمَا تَهيَّأَ لهم غَرضُهم، فيكونُ الكلُّ مُحارِبينَ مُفسِدينَ، فيَدخلونَ تحتَ قولِه تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]، وأيُّ مُحارَبةٍ وأيُّ فَسادٍ يكونُ أشَدَّ منهُ، ولهذا جازَ قَتلُ رِدءِ أهلِ البَغيِ، ولولا أنه مُحارِبٌ لَمَا جازَ، فإذا ثبَتَ أنه مُحارِبٌ أُجرِيَ عليه أحكامُه (١).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: وحُكمُ الرِّدءِ في جَميعِ أحكامِ الإسلامِ حُكمُ المُقاتِلِ، وكذلكَ في رَدِّ اللصوصِ والمُحارِبينَ عندَ مالكٍ وأكثَرِ الكُوفيِّينَ، يُقتَلُ بقَتلِهم ويَجبُ عليه ما يَجبُ عليهم وإنْ كانوا لم يَحضُروا الفعلَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ أكثَرُ العُلماءِ على أنَّ الرِّدءَ يُحكَمُ فيه بحُكمِ المُقاتِلِ (٣).
وقالَ أيضًا: إذا خرَجَ المُحارِبونَ فاقتَتَلوا مع القافِلةِ فقتَلَ بعضُ المُحارِبينَ ولم يَقتلْ بَعضٌ قُتلَ الجَميعُ.
وقالَ الشافِعيُّ: لا يُقتلُ إلا مَنْ قتَلَ، وهذا مَبنيٌّ على تَخييرِ الإمامِ وتَفصيلِ الأحكامِ وقد تَقدَّمَ.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٩٠، ٩١)، و «الاختيار» (٤/ ١٣٩)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٣٨).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (١/ ٤٧).
(٣) «أحكام القرآن» (١/ ١٥٠).
ويَعضُدُ هذا أنَّ مَنْ حضَرَ الوقعةَ شُركاءُ في الغَنيمةِ وإنْ لم يَقتلْ جَميعُهم، وقد اتَّفقَ معَنا على قَتلِ الرِّدءِ وهو الطالعُ، فالمُحارِبُ أَولى (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وحُكمُ الرِّدءِ مِنْ القُطَّاعِ حُكمُ المُباشِرِ، بهذا قالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ: ليسَ على الرِّدءِ إلا التَّعزيرُ؛ لأنَّ الحَدَّ يَجبُ بارتِكابِ المَعصيةِ، فلا يَتعلَّقُ بالمُعِينِ كسائرِ الحُدودِ.
ولنَا: إنه حُكمٌ يَتعلَّقُ بالمُحارَبةِ، فاستَوى فيه الرِّدءُ والمُباشِرُ كاستحقاقِ الغَنيمةِ؛ وذلكَ لأنَّ المُحاربةَ مَبنيةٌ على حَصولِ المنَعةِ والمُعاضَدةِ والمُناصَرةِ، فلا يَتمكنُ المُباشِرِ مِنْ فعلِه إلا بقُوةِ الرِّدءِ، بخِلافِ سائرِ الحُدودِ، فعَلى هذا إذا قتَلَ واحدٌ منهُم ثبَتَ حُكمُ القَتلِ في حَقِّ جَميعِهم، فيَجبُ قَتلُ جَميعِهم، وإنْ قتَلَ بعضُهم وأخَذَ بعضُهم المالَ جازَ قَتلُهم وصَلبُهم، كما لو فعَلَ الأمرَينِ كلُّ واحدٍ منهم (٢).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وكذلكَ في العُقوبةِ يُقتلُ الرِّدءُ والمُباشِرُ مِنْ المُحارِبينَ عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ، كما قتَلَ عُمرُ رضي الله عنه رَبيئةَ المُحارِبينَ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ، وهو مَذهبُ مالكٍ في القَتلٍ قَوَدًا وفي السُّراقِ أيضًا (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ مَنْ حضَرَ منهُم وكَثَّرَ أو هِيبَ أو كانَ رِدءًا عُزِّرَ وحُبسَ؛ لأنَّ حُدودَ اللهِ تعالَى على مَنْ باشَرَها دُونَ الرِّدءِ المُعاونِ عليها
(١) «أحكام القرآن» (٢/ ١٠١).
(٢) «المغني» (٩/ ١٣١)، و «الكافي» (٤/ ١٦٩).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٤٨).
بتَكثيرٍ أو تَهييبٍ أو نُصرةٍ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأني رَسولُ اللهِ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: الثَّيبُ الزَّاني، والنَّفسُ بالنفسِ، والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (١)، فدَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ الرِّدءَ لا يَحلُّ قتلُه؛ لأنه لم يُوجَدْ منه إحدَى هذهِ الخِصالِ الثلاثِ.
ومِن القِياسِ: أنه حَدٌّ يَجبُ بارتِكابِ مَعصيةٍ، فوجَبَ أنْ لا يَجبَ على المُعِينِ عليها كحَدِّ الزنا والقَذفِ والسَّرقةِ، ولأنَّ السببَ والمُباشَرةَ إذا اجتَمعَا وتَعلقَ الضَّمانُ بالمُباشَرةِ سقَطَ حُكمُ السببِ، كالمُمسِكِ والذابحِ، وحافِرِ البئرِ والدافعِ، يَجبُ الضمانُ على الذابحِ دونَ المُمسِكِ، وعلى الدافعِ في البئرِ دونَ الحافرِ، كذلكَ اجتِماعُ الرِّدءِ والمُباشِرِ في الحِرابةِ.
فإذا ثبَتَ أنْ لا حَدَّ على الرِّدءِ المُكثرِ والمُهيبِ فاختُلفَ فيما يُعاقَبُ على وَجهينِ:
أصَحُّهما: يُعزِّرُه الإمامُ باجتِهادِه بالحَبسِ أو التَّغريبِ أو سائرِ وُجوهِ التأديبِ كسائرِ المَعاصي.
والثاني: يُغرِّبُه بنَفيِه إلى حَيثُ يَرى، ولْيَختَرْ جهةً يَحُفُّ بها أهلُ النَّجدةِ مِنْ أصحابِ الإمامِ، وإذا عيَّنَ صَوبًا منَعَه العُدولَ إلى غيرِه، وعلى هذا هل يُعزَّرُ في البلدِ المَنفيِّ إليه بضَربٍ وحَبسٍ وغيرِهما؟ أم يَكفي النفيُ؟ وَجهانِ: أصَحُّهما: أنه إلى رأيِ الإمامِ وما اقتَضتْه المَصلحةُ (٢).
(١) رواه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (٤٤٦٨).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣٦٣، ٣٦٥)، و «البيان» (١٢/ ٥٠٣)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٦٠٠).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحرابة
الباب الخامس بماذا تثبت الحرابة
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَظْهَرَ لِجِيرَانِهِ. وَإِنْ أَتَى الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْإِمَامِ، وَإِنْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمًا مِنَ الْأَحْكَامِ إِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامُ. وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بِأَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
وَأَمَّا صِفَةُ الْمُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ.
وَالثَّالِثُ: كَيْفَمَا كَانَتْ، لَهُ فِئَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا امْتَنَعَ، فَأَمَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ - فَقِيلَ: لَهُ الْأَمَانُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْحِرَابَةِ. وَقِيلَ: لَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَمَّنُ الْمُشْرِكُ.
وَأَمَّا مَا تُسْقِطُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الْحِرَابَةِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
ارجع إلى شروط وصفة المحاربين للاطلاع على جميع المسائل.