الإسلام > الجنايات والحدود > مال المرتد وأملاكه > أثر الردة على الزواج
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةالحَجِّ وسائرِ الشَّرائعِ كلِّها أنْ لا تُؤدَّى إلا كما أمَرَ بها رَسولُ اللَّهِ مُحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ عليه السلام في الدِّينِ الذي جاءَ به الذي لا يَقبلُ اللَّهُ تَعالى دِينًا غيرَه، وقالَ عليه السلام: «مَنْ عَملَ عَملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فهو رَدٌّ» (١)، والصَّابئُ إنَّما حَجَّ كما أمَرَه يُوراسفُ أو هُرمُسُ، فلا يُجزِئُه، وباللَّهِ تعالَى التَّوفيقُ.
ويَلزمُ مَنْ أسقَطَ حَجَّه بردَّتِه أن يُسقِطَ إحصانَه وطَلاقَه الثلاثَ وبَيْعَه وابتِياعَه وعطاياهُ التي كانَتْ في الإسلامِ، وهُم لا يَقولونَ بهذا، فظهَرَ فَسادُ قَولِهم، وباللَّهِ تعالَى نَتأيَّدُ (٢).
أثَرُ الرِّدةِ على الزَّواجِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ حِيلَ بينَهُما، فلا يَقربُها بخَلوةٍ ولا جِماعٍ ولا نَحوِهما.
واتَّفقُوا على أنه إذا ارتَدَّ أحَدُهما قبلَ الدُّخولِ أو الخَلوةِ انفَسخَ النكاحُ بينَهُما.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ بعدَ الدُّخولِ، هل يَنفسخُ النكاحُ بمُجرَّدِ الرِّدةِ؟ أم يَبقَى إلى انتهاءِ العدَّةِ، فإنْ عادَ المُرتدُّ
(١) رواه مسلم (١٧١٨).
(٢) «المحلى» (٧/ ٢٧٧، ٢٧٨)، ويُنظَر: و «بدائع الصنائع» (١/ ٩٥)، و «ابن عابدين» (٢/ ٨٠)، و «المبسوط» (٢/ ١٧٥)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٢٨٥)، و «تفسير القرآن» للقرطبي (١٥/ ٢٧٧)، و «المَجموع» (٧/ ١٠)، و «الحاوي» (٤/ ٢٤٨)، و «حاشية الرملي» (٤/ ١١٦)، و «المبدع» (١/ ١٧١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٤٠٢)، و «شرح الزركشي» (١/ ٦٠)، و «المغني» (١/ ٢٣٩)، و «الإفصاح» (١/ ٤٤٥).
إلى الإسلامِ قبلَ انتِهاءِ العدَّةِ لم تَبِنْ منه والنكاحُ باقٍ، وإنِ استَمرَّ على الرِّدةِ حتى انتهاءِ العدَّةِ بانَتْ منه؟ وهل تكونُ الفُرقةُ فَسخًا أم طَلاقًا؟ على تَفصيلٍ في كُلِّ مَذهبٍ.
قالَ الحَنفيةُ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ المُسلمينِ بانَتْ منه امرَأتُه في الحالِ، مُسلمةً كانَتْ أو كِتابيةً، دخَلَ بها أو لم يَدخلْ؛ لأنَّ الردةَ تُنافِي النكاحَ، ويكونُ ذلكَ فَسخًا عاجِلًا لا طَلاقًا، ولا يَتوقفُ على قَضاءٍ.
ثمَّ إنْ كانَتِ الرِّدةُ قبلَ الدُّخولِ وكانَ المُرتدُّ هو الزوجَ فلها نِصفُ المُسمَّى أو المُتعةُ، وإنْ كانَتْ هي المُرتدةَ فلا شَيءَ لها.
وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ فلَها المهرُ كلُّه، سواءٌ كانَ المُرتدُّ الزوجَ أو الزوجةَ (١).
وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ المُسلمَينِ كانَ ذلكَ طَلقةً بائِنةً، فإنْ رجَعَ إلى الإسلامِ لم تَرجعْ له إلا بعَقدٍ جَديدٍ، ما لم تَقصِدِ المرأةُ برِدتِها فسْخَ النكاحِ، فلا يَنفسخُ؛ مُعامَلةً لها بنَقيضِ قَصدِها.
وقيلَ: إنَّ الرِّدةَ فَسخٌ بغيرِ طلاقٍ (٢).
(١) «المبسوط» (٥/ ٤٩)، و «ابن عابدين» (٢/ ٣٩٢)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١٣٦)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٤٢٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٧)، و «العناية» (٥/ ١١٥).
(٢) «الكافي» لابن عبد البر ص (٢٢١)، و «القوانين الفقهية» ص (١٣٢)، و «مواهب الجليل» (٣/ ٤٧٩)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٢٥)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٢/ ٢٧٠).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ المُسلمينِ فلا تَقعُ الفُرقةُ بينَهُما حتى تَمضيَ عِدةُ الزَّوجةِ قبلَ أنْ يَتوبَ ويَرجعَ إلى الإسلامِ، فإذا انقَضَتْ بانَتْ منه، وبَينونَتُها منه فَسخٌ لا طلاقٌ، وإنْ عادَ إلى الإسلامِ قبلَ انقِضائِها فهي امرأتُه (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ قبلَ الدُّخولِ انفَسخَ النكاحُ فَورًا، وتَنصَّفَ مهرُها إنْ كانَ الزوجُ هو المُرتدَّ، وسقَطَ مهرُها إنْ كانَتْ هي المُرتدةَ.
ولو كانَتِ الرِّدةُ بعدَ الدُّخولِ ففيه رِوايتانِ:
إحداهُما: تَتعجَّلُ الفُرقةُ، وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ.
والأُخرى: تَتوقَّفُ الفُرقةُ على انقِضاءِ العدَّةِ (٢).
جاءَ في «المُغنِي» لابنِ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (ولو تزوَّجَها وهُمَا مُسلمانِ فارتَدَّتْ قبلَ الدُّخولِ انفَسخَ النكاحُ ولا مهْرَ لها، وإنْ كانَ هو المُرتدَّ قبلَها وقبلَ الدُّخولِ فكذلكَ، إلا أنَّ عليهِ نِصفَ المهرِ).
وجُملةُ ذلكَ: أنه إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ قبلَ الدُّخولِ انفَسخَ النكاحُ في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، إلا أنه حُكيَ عن داوُدَ أنه لا يَنفسخُ بالرِّدةِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النكاحِ.
(١) «الأم» (٦/ ١٦٠)، و «جواهر العقود» (٢/ ٢٧).
(٢) «المغني» (٦/ ٢٤٨)، (٧/ ١٣٣)، و «المبدع» (٧/ ١٢٢)، و «الإنصاف» (٨/ ٢١٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ٦٩١).
ولنَا: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وقالَ تعالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولأنه اختِلافُ دِينٍ يَمنعُ الإصابةَ، فأوجَبَ فسْخَ النكاحِ كما لو أسلَمَتْ تحتَ كافرٍ.
ثمَّ يُنظرُ؛ فإنْ كانَتِ المرأةُ هي المُرتدةَ فلا مهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسخَ مِنْ قِبَلِها، وإنْ كانَ الرَّجلُ هو المُرتدَّ فعليهِ نِصفُ المَهرِ؛ لأنَّ الفسخَ مِنْ جِهتِه، فأشبَهَ ما لو طلَّقَ، وإنْ كانَتِ التَّسميةُ فاسِدةً فعليهِ نِصفُ مهرِ المِثلِ.
مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ كانَتْ رِدتُها بعدَ الدُّخولِ فلا نَفقةَ لها، وإنْ لم تُسلِمْ حتى انقَضَتْ عِدتُها انفَسخَ نكاحُها، ولو كانَ هو المُرتدَّ فلمْ يَعُدْ إلى الإسلامِ حتى انقَضَتْ عِدتُها انفَسخَ النكاحُ منذُ اختَلفَ الدِّينانِ).
اختَلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمَدَ فيما إذا ارتَدَّ أحَدُ الزَّوجينِ بعدَ الدُّخولِ حَسبَ اختِلافَها فيما إذا أسلَمَ أحَدُ الزَّوجينِ الكافرينِ.
ففِي إحداهُما: تَتعجَّلُ الفُرقةُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ، ورُويَ ذلكَ عن الحَسنِ وعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ والثَّوريِّ وزُفرَ وأبي ثَورٍ وابنِ المُنذرِ؛ لأنَّ ما أوجَبَ فسْخَ النكاحِ استَوى فيه ما قبْلَ الدُّخولِ وبعدَه كالرَّضاعِ.
والثانيةُ: يَقفُ على انقِضاءِ العدَّةِ، فإنْ أسلَمَ المُرتدُّ قبلَ انقِضائِها فهُمَا على النكاحِ، وإنْ لم يُسلمْ حتى انقَضتْ بانَتْ منذُ اختَلفَ الدِّينانِ، وهذا
مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه لَفظٌ تقعُ به الفُرقةُ، فإذا وُجدَ الدُّخولُ جازَ أنْ يَقفَ على انقِضاءِ العِدةِ كالطلاقِ الرَّجعيِّ، أو اختِلاف دِينٍ بعدَ الإصابةِ، فلا يُوجِبُ فسْخَه في الحالِ كإسلامِ الحَربيةِ تحتَ الحَربيِّ، وقياسُه على إسلامِ أحَدِ الزَّوجينِ أقرَبُ مِنْ قياسِه على الرَّضاعِ.
فأما النفقةُ فإنْ قُلنَا بتَعجيلِ الفُرقةِ فلا نَفقةَ لها؛ لأنها بائنٌ منه، وإنْ قُلنا: يَقفُ على انقِضاءِ العدَّةِ وكانَتِ المَرأةُ المُرتدةَ فلا نَفقةَ لها؛ لأنه لا سَبيلَ للزَّوجِ إلى رَجعتِها وتَلافي نِكاحِها، فلم يكنْ لها نَفقةٌ كما بعدَ العِدةِ، وإنْ كانَ هو المُرتدَّ فعليهِ النَّفقةُ للعدَّةِ؛ لأنه بسَبيلٍ مِنْ الاستِمتاعِ بها بأنْ يُسلِمَ، ويُمكِنُه تَلافي نِكاحِها، فكانَتِ النفقةُ واجِبةً عليه كزَوجِ الرَّجعيةِ (١).
(١) «المغني» (٦/ ٢٤٨)، (٧/ ١٣٣).
كتاب الزنا
ارجع إلى مال المرتد وأملاكه للاطلاع على جميع المسائل.