الإسلام > الحج والعمرة > واجبات الحج > آخر وقت رمي جمرة العقبة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةسِواهم، وما دامَ لم يُرخَّصْ لهم فالأصلُ البَقاءُ على الوقتِ الذي رَمى فيه النَّبيُّ ﷺ، وهو بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ (١).
وقد جمَعَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه بينَ أدلَّةِ هذا البابِ فقال: لا تَعارُضَ بينَ هذه الأحاديثِ؛ فإنَّه أمَر الصِّبيانَ ألَّا يَرموا الجَمرةَ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، فإنَّه لا عُذرَ لهم في تَقديمِ الرَّميِ، أمَّا من قدَّمه من النِّساءِ فرَمَينَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ للعُذرِ والخَوفِ عليهِنَّ من مُزاحَمةِ الناسِ وحَطْمِهم، وهذا الذي دلَّت عليه السُّنةُ: جَوازُ الرَّميِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ للعُذرِ بمَرضٍ أو كبَرٍ يَشقُّ عليه مُزاحَمةُ الناسِ لِأجلِه، وأمَّا القادِرُ الصَّحيحُ فلا يَجوزُ له ذلك (٢).
آخِرُ وقتِ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ:
اختلَف أهلُ العِلمِ في آخرِ وقتٍ لِرَميِ جَمرةِ العَقَبةِ الكُبرى.
فآخِرُه عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ في وَجهٍ إلى فجرِ اليومِ التالي، فإنْ أخَّر الرَّميَ حتى طُلوعِ الفجرِ من اليومِ الثاني رَمى، وعليه دَمٌ للتَّأخيرِ في قولِ أبي حَنيفةَ، وفي قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ لا شيءَ عليه؛ لأنَّ الرَّميَ عندَه مُؤقَّتٌ وعندَهما ليس بمُؤقَّتٍ (٣).
(١) «منسك الحج» للشنقيطي ص (٢٨٣).
(٢) «زاد المعاد» (٢/ ٢٥٢).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨٧، ٨٩، ٩٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١٥٨)، و «العناية» (٣/ ٤٩٢)، وما بعدَها، و «الاختيار» (١/ ١٧٥).
قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: فإنْ لم يَرمِ حتى غرَبت الشَّمسُ يَرمِ قبلَ طُلوعِ الفجرِ من اليومِ الثاني وأجزَأه ولا شيءَ عليه في قولِ أصحابِنا، وللشافِعيِّ فيه قَولانِ في قَولٍ إذا غرَبت الشَّمسُ فقد فاتَ الوقتُ وعليه الفِديةُ، وفي قَولٍ: لا يَفوتُ إلا في آخرِ أيامِ التَّشريقِ.
والصَّحيحُ قولُنا؛ لِما رُوي أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للرِّعاءِ أنْ يَرموا باللَّيلِ ولا يُقالُ إنَّه رخَّص لهم ذلك لعُذرٍ؛ لأنَّا نَقولُ ما كان لهم عُذرٌ؛ لأنَّه كان يُمكِنُهم أنْ يَستَنيبَ بعضُهم بعضًا فيَأتيَ بالنَّهارِ فيَرميَ، فثبَت أنَّ الإباحةَ كانت لعُذرٍ، فيَدلُّ على الجوازِ مُطلقًا، فلا يَجبُ الدَّمُ، فإنْ أخَّر الرَّميَ حتى طلَع الفَجرُ من اليومِ الثاني رَمى وعليه دَمٌ للتَّأخيرِ في قولِ أبي حَنيفةَ، وفي قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ لا شيءَ عليه، والكَلامُ فيه يَرجعُ إلى أنَّ الرَّميَ مُؤقَّتٌ عندَه، وعندَهما ليس بمُؤقَّتٍ، وهو قولُ الشافِعيِّ، وهو على الاختِلافِ الذي ذكَرنا في طَوافِ الزِّيارةِ في أيامِ النَّحرِ أنَّه مُؤقَّتٌ بها وُجوبًا عندَه حتى يَجبَ الدَّمُ بالتَّأخيرِ عنها، وعندَهم ليس بمُؤقَّتٍ أصلًا، فلا يَجبُ بالتَّأخيرِ شيءٌ، والحُجَجُ من الجانِبَين، وجَوابُ أبي حَنيفةَ عن تَعلُّقِهما بالخَبرِ والمَعنى ما ذكَرنا في الطَّوافِ، واللَّهُ أعلمُ (١).
وقال الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: باب الرَّجُل يَدعُ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ ثم يَرميها بعدَ ذلك:
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨٧، ٨٩).
حدَّثنا يُونسُ بنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا بنُ وَهبٍ قال: حدَّثني عُمرُ بنُ قَيسٍ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «الراعي يَرعى بالنَّهارِ ويَرمي باللَّيلِ».
قال أبو جَعفَرٍ: فذهَب أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ في هذا الحَديثِ دِلالةً على أنَّ اللَّيلَ والنَّهارَ وقتٌ واحِدٌ لِلرَّميِ، فقال: إنْ ترَك رَجلٌ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ في يومِ النَّحرِ ثم رَماها بعدَ ذلك في اللَّيلةِ التي بعدَه فلا شيءَ عليه، وإنْ لم يَرمِها حتى أصبَح من غَدِه رَماها وعليه دَمٌ لتَأخيرِه إياها إلى خُروجِ وقتِها، وهو طُلوعُ الفجرِ من يومِئذٍ وخالَفه في ذلك أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -رحمهما الله- فقالا:
إذا ذكَرها في شيءٍ من أيامِ الرَّميِ رَماها ولا شيءَ عليه غيرُ ذلك من دَمٍ ولا غيرِه، وإنْ لم يَذكُرها حتى مضَت أيامُ الرَّميِ فذكَرها ولم يَرمِها كان عليه في تَركِها دَمٌ.
واحتَجَّ محمدُ بنُ الحَسنِ في ذلك على أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه بما حدَّثنا بنُ مَرزوقٍ قال: ثنا أبو عاصِمٍ عن ابنِ جُرَيجٍ قال: أخبَرني محمدُ بنُ أبي بَكرٍ عن أبيه عن أبي البَداحِ عن عاصِمِ بنِ عَديٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّص للرِّعاءِ أنْ يَتعاقَبوا، فكانوا يَرمونَ غَدوةَ يومِ النَّحرِ ويَدَعون لَيلةً ويَومًا ثم يَرمون من الغَدِ»، ففي هذا الحَديثِ أنَّهم كانوا يَرمون غَدوةَ يومِ النَّحرِ ثم يَدَعون يَومًا ولَيلةً ثم يَرمون الغَدَ، فقد كانوا يَرمون رَميَ اليومِ الثاني في اليومِ الثالِثِ، ولم يَكنْ ذلك بمُوجِبٍ عليهم دَمًا ولا بمُوجِبٍ أنَّ حُكمَ اليومِ
الثالِثِ في الرَّميِ لِليومِ الثاني خِلاف حُكمِ اليومِ الرابِعِ، ففي ذلك دَليلٌ على أنَّ من ترَك رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ في يومِ النَّحرِ فذكَرها في شيءٍ من أيامِ التَّشريقِ أنَّه رَمى ولا شيءَ عليه.
ثم النَّظرُ في ذلك يَشهدُ لهذا القولِ أيضًا، وذلك أنَّا رَأينا أشياءَ تُفعلُ في الحَجِّ يَكونُ الدَّهرُ كلُّه وقتًا لها، منها السَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ وطَوافُ الصَّدرِ، ومنها أشياءُ تُفعلُ في وقتٍ خاصٍّ، هو وقتُها خاصَّةً، منها رَميُ الجِمارِ، فكان ما الدَّهرُ وقتٌ له من هذه الأشياءِ متى فُعل فلا شيءَ على فاعلِه مع فِعلِه إياه من دَمٍ ولا غيرِه، وما كان منها له وقتٌ خاصٌّ من الدَّهرِ إذا لم يُفعلْ في وقتِه وجَب على تاركِه الدَّمُ، فكان ما كان منها يُفعلُ لبَقاءِ وقتِه، فلا شيءَ على فاعلِه غيرُ فِعلِه إياه، وما كان منها لا يُفعلُ لعَدمِ وقتِه وجَب مَكانَه الدَّمُ، وكانت جَمرةُ العَقَبةِ إذا رُميَت من غَدِ يومِ النَّحرِ قَضاءً عن رَميِ يومِ النَّحرِ فقد رُميَت في يَومٍ هو مِنْ وقتِها، ولَولا ذلك لَما أُمرَ برَميِها، كما لا يُؤمَرُ تارِكُها إلا بعدَ انقِضاءِ أيامِ التَّشريقِ برَميِها بعدَ ذلك، فلمَّا كان اليومُ الثاني من أيامِ النَّحرِ هو وقتًا لها، وقد ذكَرنا ممَّا قد أجمَعوا عليه أنَّ ما فُعل في وقتِه من أُمورِ الحَجِّ لا شيءَ على فاعلِه، وكان كذلك هذا الرامي لها لمَّا رَماها في وقتِها فلا شيءَ عليه.
فإنْ قال قائلٌ: إنَّما أوجَبْنا عليه الدَّمَ بتَركِه رَميَها يومَ النَّحرِ، وفي اللَّيلةِ التي بعدَه لِلإساءةِ التي كانت منه في ذلك.
قيلَ له: فقد رَأينا تارِكَ طَوافِ الصَّدرِ حتى يَرجعَ إلى أهلِه، وتارِكَ
السَّعيِ بينَ الصَّفا والمَروةِ حتى يَرجعَ إلى أهلِه مُسيئَين، وأنتَ تَقولُ: إنهما إذا رجَعا ففعَلا ما كانا ترَكا من ذلك أنَّ إساءتَهما لا تُوجِبُ عليهما دَمًا؛ لأنَّهما قد فعَلا ما فعَلا من ذلك في وقتِه، فكذلك الرامي اليومَ الثانيَ من أيامِ منًى جَمرةَ العَقَبةِ؛ لِما كان وجَب عليه في يومِ النَّحرِ راميًا لها في وقتِها، فلا شيءَ عليه في ذلك غيرُ رَميِها، فهذا هو النَّظرُ في هذا البابِ، وهو قولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ، -رحمهما الله- (١).
وقال الإمامُ مالكٌ رحمة الله عليه: آخِرُ وقتِ الرَّميِ إلى غُروبِ الشَّمسِ من يومِ النَّحرِ، فإنْ رَماها بعدَ الغُروبِ من اللَّيلِ فأَحبُّ إليَّ من أنْ يُريقَ دَمًا، وإنْ أخَّرها إلى أيامِ التَّشريقِ كان عليه هَديٌ.
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» ما نصُّه: قلتُ: ما قولُ مالكٍ فيمَن ترَك رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ حتى إلى اللَّيلِ، قال: قال مالكٌ: من أصابَه مِثلُ ما أصابَ صَفيَّةَ حينَ احتبَست على ابنةِ أخيها فأتَت بعدَما غابَت الشَّمسُ من يومِ النَّحرِ رمَت، ولم يَبلُغْنا أنَّ ابنَ عُمرَ أمَرها في ذلك بشيءٍ، قال مالكٌ: وأمَّا أنا فأرَى إذا غابَت الشَّمسُ من يومِ النَّحرِ على مَنْ كان في مِثلِ حالِ صَفيَّةَ يومَ النَّحرِ ولم يَرمِ حتى غابَت الشَّمسُ أنَّ عليه الدَّمَ.
قال: وقال مالكٌ: مَنْ ترَك رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ حتى تَغيبَ الشَّمسُ من يومِ النَّحرِ فعليه دَمٌ.
(١) «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٢١، ٢٢٢).
قلتُ: أرَأيتَ مَنْ ترَك بعضَ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ من يومِ النَّحرِ ترَك حَصاةً أو حَصاتَين حتى غابَت الشَّمسُ؟
قال: قال مالكٌ: يَرمي ما ترَك من رَميِه ولا يَستأنِفُ جميعَ الرَّميِ، ولكنْ يَرمي ما نسِي من عَددِ الحَصى، قلتُ: فعليه في هذا دَمٌ؟
قال ابنُ القاسِمِ: قد اختلَف قولُه في هذا وأَحبُّ إليَّ أنْ يَكونَ عليه دَمٌ، قلتُ: فيَرمي لَيلًا في قولِ مالكٍ، هذا الذي ترَك مِنْ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ شيئًا أو ترَك الجَمرةَ كلَّها؟
قال: نَعمْ يَرميها في قولِ مالكٍ لَيلًا، قلتُ: فيَكونُ عليه الدَّمُ؟
قال: كان مالكٌ مَرةً يَرى ذلك عليه ومَرةً لا يَرى ذلك عليه (١).
والمَذهبُ عندَ المالِكيةِ أنَّه يَجبُ عليه الدَّمُ إذا أخَّر الرَّميَ إلى اللَّيلِ (٢).
قال يَحيى: سُئل مالكٌ عمَّن نسِي جَمرةً من الجِمارِ في بعضِ أيامِ منًى حتى يُمسيَ، قال: ليَرمِ أيَّ ساعةٍ ذكَر من لَيلٍ أو نَهارٍ، كما يُصلِّي الصَّلاةَ إذا نسِيها ثم ذكَرها لَيلًا أو نَهارًا، فإنْ كان ذلك بعدَ ما صدَر وهو بمكةَ أو بعدَما يَخرجُ منها فعليه الهَديُ (٣).
(١) «المدونة الكبرى» (٢/ ٤١٩، ٤٢٠).
(٢) «الاستذكار» (٤/ ٣٥٦)، و «الكافي» (١/ ١٤٦)، و «شرح ابن بطال» (٤/ ٤٠٧)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٦)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١٥٨).
(٣) «الموطأ» (١/ ٤٠٩).
وآخِرُ وقتِ الرَّميِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ يَمتدُّ إلى آخرِ أيامِ التَّشريقِ (١).
قال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لو ترَك رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ فالأصحُّ أنَّه يَتدارَكُه في اللَّيلِ وفي أيامِ التَّشريقِ، ويُشترَطُ فيه التَّرتيبُ فيُقدِّمُه على أيامِ التَّشريقِ، ويَكونُ أداءً على الأصحِّ، وإذا قُلنا بالأصحِّ: إنَّ المُتَدارَكَ أداءٌ لا قَضاءٌ كان تَعجيلُ كلِّ يَومٍ للمِقدارِ المَأمورِ به وقتَ اختيارٍ وفَضيلةٍ كأوقاتِ الاختيارِ للصَّلاةِ. انتَهى (٢).
قال الإمامُ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قولُه وإنْ أخَّر الرَّميَ كلَّه، أي: مع رَميِ يومِ النَّحرِ، ورَماه في آخرِ أيامِ التَّشريقِ أجزَأ بلا نِزاعٍ، ويَكونُ أداءً على الصَّحيحِ من المَذهبِ، قدَّمه في الفُروعِ، وقاله القاضي، واقتصَر عليه في المُغني والشَّرحِ، وقيلَ: يَكونُ قَضاءً، وكذا الحُكمُ لو أخَّر رَميَ يَومٍ إلى الغَدِ رمَى رَميَين، نصَّ عليه وقاله الأصحابُ، قولُه: وإنْ أخَّره عن أيامِ التَّشريقِ أو ترَك المَبيتَ بمنًى في لَياليها فعليه دَمٌ، إذا أخَّر الرَّميَ عن أيامِ التَّشريقِ فعليه دَمٌ، ولا يَأتي به كالبَيتوتةِ في منًى لَيلةً أو أكثرَ (٣).
وقد استدلَّ العُلماءُ على جوازِ الرَّميِ بعدَ غُروبِ الشَّمسِ بأدلَّةٍ، منها:
الدَّليلُ الأولُ: عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قال: «كان النَّبيُّ ﷺ
(١) «المجموع» (٨/ ١٧٩)، و «أسنى المطالب» (١/ ٤٩٥)، و «مغني المحتاج» (١/ ٥٠٦)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١٥٨)، و «الإنصاف» (٤/ ٤٦).
(٢) «الإيضاح» ص (٤٠٦).
(٣) «الإنصاف» (٤/ ٤٦).
يُسألُ يومَ النَّحرِ بمنًى فيَقولُ: لا حرجَ، فسأَله رَجلٌ فقال: حلَقتُ قبلَ أنْ أذبحَ، قال: اذبَحْ ولا حرجَ، وقال: رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ، فقال: لا حرجَ» (١).
فقد صرَّح النَّبيُّ ﷺ بأنَّ من رَمى بعدَما أمسى لا حرجَ عليه، واسمُ المَساءِ يَصدُقُ على جُزءٍ من اللَّيلِ.
ورُدَّ هذا الاستِدلالُ بأنَّ مُرادَ السائلِ بقولِه: (بعدَما أمسَيتُ) يَعني به: بعدَ زَوالِ الشَّمسِ في آخرِ النَّهارِ قبلَ اللَّيلِ.
قالوا: والدَّليلُ الواضِحُ على ذلك أنَّ حَديثَ ابنِ عَباسٍ المَذكورَ (كانَ النَّبيُّ ﷺ يُسألُ يومَ النَّحرِ بمنًى … ) الحَديثَ.
فتَصريحُه بقولِه: (يومَ النَّحرِ) يَدلُّ على أنَّ السُّؤالَ وقَع في النَّهارِ والرَّميَ بعدَ الإمساءِ وقَع في النَّهارِ؛ لأنَّ الإمساءَ يُطلَقُ لُغةً على ما بعدَ وقتِ الظُّهرِ إلى اللَّيلِ.
قال ابنُ حَجرٍ في «فَتحِ الباري» في شَرحِ الحَديثِ المَذكورِ، قال: (رَمَيتُ بعدَما أمسَيتُ) أي: بعدَ دُخولِ المَساءِ، وهو يُطلَقُ على ما بعدَ الزَّوالِ إلى أنْ يَشتدَّ الظَّلامُ، فلم يَتعيَّنْ؛ لكَونِ الرَّميِ المَذكورِ كان باللَّيلِ. انتَهى (٢).
وقال ابنُ مَنظورٍ في «لسانِ العَربِ»: المَساءُ بعدَ الظُّهرِ إلى صَلاةِ المَغربِ، وقال بعضُهم: إلى نصفِ اللَّيلِ (٣).
(١) رواه البخاري (١٦٤٨).
(٢) «فتح الباري» (٣/ ٥٦٩).
(٣) «فتح الباري» (١٥/ ٢٨١).
قالوا: فالحَديثُ صَريحٌ في أنَّ المُرادَ بالمَساءِ فيه آخِرُ النَّهارِ بعدَ الزَّوالِ، لا اللَّيلُ، إذًا لا حُجةَ فيه للرَّميِ لَيلًا.
وأجاب القائلونَ بجوازِ الرَّميِ لَيلًا عن هذا بأجوِبةٍ:
الأولُ منها: قولُ النَّبيِّ ﷺ: «لا حرجَ» بعدَ قولِ السائلِ: «رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ»، يَشملُ لَفظُه نَفيَ الحَرجِ عمَّن رَمى بعدَما أمسى، وخُصوصُ سَببِه بالنَّهارِ لا عِبرةَ به؛ لأنَّ العِبرةَ بعُمومِ الألفاظِ، لا بخُصوصِ الأسبابِ، ولَفظُ المَساءِ عامٌّ لجُزءٍ من النَّهارِ، وجُزءٍ من اللَّيلِ، وسَببُ وُرودِ الحَديثِ المَذكورِ خاصٌّ بالنَّهارِ.
الثاني: أنَّه ثبَت في بعضِ رِواياتِ حَديثِ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما المَذكورِ ما هو أَعمُّ من يومِ النَّحرِ، وهو صادِقٌ قَطعًا بحَسَبِ الوَضعِ اللُّغويِّ ببعضِ أيامِ التَّشريقِ، ومَعلومٌ أنَّ الرَّميَ فيه لا يَكونُ إلا بعدَ الزَّوالِ، فقولُ السائلِ في بعضِ أيامِ التَّشريقِ: «رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ» لا يَنصَرفُ إلا إلى اللَّيلِ؛ لأنَّ الرَّميَ فيها بعدَ الزَّوالِ مَعلومٌ، فلا يَسألُ عنه صَحابيُّ.
قال أبو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائيُّ في «سُننِه»: أخبرَنا مُحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزيعٍ قال: حدَّثنا يَزيدُ وهو ابنُ زُريعٍ قال حدَّثنا خالِدٌ عن عِكرِمةَ عن ابنِ عَباسٍ قال: «كانَ رَسولُ اللَّه ﷺ يُسألُ أيامَ منًى فيَقولُ: لا حرجَ، فسأَله رَجلٌ فقال: حَلقتُ قبلَ أنْ أذبحَ، قال: لا حرجَ، فقال رَجلٌ: رَميتُ بعدَما أمسَيتُ، قال: لا حرجَ» (١).
(١) رواه النسائي (٣٠٦٧).
وهذا الحَديثُ صَحيحُ الإسنادِ كما تَرى؛ لأنَّ طَبقتَه الأُولى مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزيعٍ، وهو ثِقةٌ مَعروفٌ، وهو من رِجالِ مُسلمٍ في صَحيحِه، وبقِيةُ إسنادِه هو بعَينِه إسنادُ البُخاريِّ الذي ذكَرناه آنِفًا، وقولُه في هذا الحَديثِ الصَّحيحِ: «أيامَ منًى» بصيغةِ الجَمعِ صادِقٌ بأكثرَ من يَومٍ واحدٍ، فهو صادِقٌ بحَسَبِ وَضعِ اللُّغةِ ببعضِ أيامِ التَّشريقِ، والسُّؤالُ عن الرَّميِ بعدَ المَساءِ فيها لا يَنصرِفُ إلا إلى اللَّيلِ … فإنْ قيلَ: صيغةُ الجَمعِ في رِوايةِ النَّسائيِّ تُخصَّصُ بيومِ النَّحرِ الوارِدِ في رِوايةِ البُخاريِّ، فيُحمَلُ ذلك الجَمعُ على المُفرَدِ، نَظرًا لِتَخصيصِه به، ويُؤيِّدُ ذلك أنَّه في رِوايةِ أبي داودَ وابنِ ماجَه لحَديثِ ابنِ عَباسٍ المَذكورِ يومُ منًى بالإفرادِ.
فالجَوابُ: أنَّ المُقرَّرَ في الأُصولِ: أنَّ ذِكرَ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يُخصِّصُه على مَذهبِ الجُمهورِ، خِلافًا لِأبي ثَورٍ، سَواءٌ كان العامُّ وبعضُ أفرادِه المَذكورةِ بحُكمِه في نَصٍّ واحدٍ أو نصَّيْن.
الدَّليلُ الثاني: عن أبي بَكرِ بنِ نافِعٍ عن أبيهِ: «أنَّ ابنةَ أخٍ لصَفيَّةَ بِنتِ أبي عُبيدٍ نُفسَت بالمُزدَلفةِ فتَخلَّفت هي وصَفيَّةُ حتى أتَتا منًى بعدَ أنْ غَربَت الشَّمسُ من يومِ النَّحرِ فأمَرهُما عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ أنْ تَرميا الجَمرةَ حينَ أتَتا ولم يَرَ عَليهِما شيئًا» (١)، وذلك يَدلُّ على أنَّه علِم من النَّبيِّ ﷺ أنَّ الرَّميَ لَيلًا جائزٌ (٢).
(١) رواه الأمام مالك في «الموطأ» (١/ ٤٠٩) رقم (٩٢١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٥٠).
(٢) «أضواء البيان» (٤/ ٤٥٥، ٤٥٧).
الدَّليلُ الثالِثُ: عن ابنِ جُرَيجٍ عن عَمرٍو قال: «أخبَرني من رَأى بعضَ أزواج النَّبيِّ ﷺ تَرمي غَربَت الشَّمسُ أو لم تَغرُبْ» (١).
الدَّليلُ الرابِعُ: ما رَواه الثَّوريُّ عن رَجُلٍ عن نافِعٍ، قال: قال ابنُ عُمرَ: «إذا نَسيتَ رَميَ الجَمرةِ يومَ النَّحرِ إلى اللَّيلِ فارمِها باللَّيلِ، وإذا كان من الغَدِ فنَسيتَ الجِمارَ حتى اللَّيلِ فلا تَرمِ حتى يَكونَ من الغَدِ عندَ زَوالِ الشَّمسِ ارمِ الأولَ فالأولَ»، ورَواه عُبيدُ اللهِ عن نافِعٍ عن عُمرَ مُختصَرًا بلَفظِ: «مَنْ نسِي أيامَ الجِمارِ وقال: من نسِي رَميَ الجِمارِ إلى اللَّيلِ فلا يَرمِ حتى تَزولَ الشَّمسُ من الغَدِ» (٢).
الدَّليلُ الخامِسُ: عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «الراعي يَرعَى بالنَّهارِ ويَرمي باللَّيلِ» (٣).
قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ولا يُقالُ: إنَّه رخَّص لهم ذلك لعُذرٍ لأنَّا نَقولُ ما كان لهم عُذرٌ؛ لأنَّه كان يُمكِنُهم أنْ يَستَنيبَ بعضُهم بعضًا فيَأتيَ بالنَّهارِ فيَرميَ، فثبَت أنَّ الإباحةَ كانت لعُذرٍ، فيَدلُّ على الجوازِ مُطلقًا فلا يَجبُ الدَّمُ (٤).
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٣٩٨) رقم (١٥٣٢١).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٥٠).
(٣) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٢١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٥١).
(٤) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨٧، ٨٩).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحج
القول في الجنس الثالث
وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ رَمْيَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: رَمْيُ الْجِمَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَرْمِ الْجِمَارَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِهَا أَنَّهُ لَا يَرْمِيهَا بَعْدُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّ مَنْ تَرَكَ الْجِمَارَ كُلَّهَا، أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ وَاحِدَةً مِنْهَا - فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ تَرَكَ كُلَّهَا كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ جَمْرَةً وَاحِدَةً فَصَاعِدًا كَانَ عَلَيْهِ لِكُلِّ جَمْرَةٍ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ حِنْطَةً، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ دَمًا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ، إِلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ فِي الْحَصَاةِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي ثَلَاثٍ دَمٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي الرَّابِعَةِ الدَّمُ. وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا شَيْئًا. وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ، فَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» .
ارجع إلى واجبات الحج للاطلاع على جميع المسائل.