الإسلام > الزكاة > الأجناس التي تخرج منها زكاة الفطر ومقدار الواجب فيها ونوعه والزيادة على مقدار ال > حكم إخراج القيمة في زكاة الفطر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 114 دقيقة قراءةأو نِصفَ صاعِ تَمرٍ ومنًّا واحِدًا من الحِنطةِ أو نِصفَ صاعِ شَعيرٍ ورُبعَ صاعِ حِنطةٍ جازَ (١).
وقالَ المَرداويُّ رحمة الله عليه: ويُجزئُ إِخراجُ صاعٍ من أَجناسِ هذا المَذهبِ، نَصَّ عليه وعليه الأَصحابُ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُجزئُ إِخراجُ صاعٍ من أَجناسٍ إذا لم يَعدِلْ عن المَنصوصِ (٣).
واستدَلُّوا على جَوازِ إِخراجِ صاعٍ من أَجناسٍ مُختلِفةٍ بالمَعقولِ من وَجهَينِ:
أحَدُهما: القياسُ على فِطرةِ العَبدِ المُشتَركِ إذا أخرَجَ كلُّ واحِدٍ من الشَّريكَينِ من جِنسٍ مُختلِفٍ عن الآخَرِ، فكذلك زَكاةَ الفِطرِ.
الثاني: أنَّ الأَجناسَ يَجوزُ كلٌّ منها مُفرَدًا، فكذا مع غيرِه، لتَقارُبِ مَقصودِها واتِّحادِه (٤).
حُكمُ إِخراجِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في جَوازِ إِخراجِ القيمةِ في الزَّكواتِ مُطلقًا، كما إذا وجَبَ على رَبِّ المالِ شاةٌ في غَنمِه، أو ناقةٌ في إبلِه، أو أردَبٌّ في قَمحِه، أو
(١) «حاشية بن عابدين على الدرر المختار» (٢/ ٣٦٥).
(٢) «الإنصاف» (٣/ ١٨٣).
(٣) «الكافي» (١، ٣٢٣).
(٤) «الكافي» (١/ ٣٢٣)، و «الشرح الكبير» لابن قدامة (٢/ ٦٦٦)، و «المبدع» (٢/ ٤٤٢)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ١١١).
قِنطارٌ في ثَمرِه وفاكِهَتِه، فهل يَتحتَّمُ أنْ يُخرِجَ هذه الأشياءَ عَينَها، أو يُخيَّرُ بينَها وبينَ أداءِ قيمَتِها بالنُّقودِ مَثلًا، فإذا أخرَجَ القيمةَ أَجزأتْه وصَحَّت زَكاتُه؟
اختَلفَ في ذلك الفُقهاءُ على أَقوالٍ: فمنهم مَنْ يَمنَعُ ذلك مُطلَقًا، وهُم الشافِعيةُ والظاهِريَّةُ، ومنهم مَنْ يُجيزُ ذلك مُطلَقًا، وهُم الحَنفيةُ والثَّوريُّ والبُخاريُّ، ومنهم مَنْ يُجيزُونها في بعضِ الصُّورِ دونَ بعضٍ وهُم المالِكيةُ والحَنابِلةُ، هذا في الزَّكواتِ عُمومًا.
أمَّا في زَكاةِ الفِطرِ فقد اختلَفوا فيها على ثَلاثةِ أَقوالٍ (١):
القَولُ الأولُ: وهو أنَّه يَجوزُ دَفعُ القيمةِ نَقدًا في زَكاةِ الفِطرِ مُطلَقًا، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ (٢) وسُفيانَ الثَّوريِّ والحَسنِ البَصريِّ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والبُخاريِّ (٣).
(١) نظرًا لأنَّ هذه مَسألةٌ طَويلةٌ ومُهمَّةٌ لِلغايةِ ومُتشعِّبةٌ أحبَبتُ أن أُخالِف مَنهَجي في البَحثِ وأنْ أذكُرَ الأقوالَ الثَّلاثةَ في البِدايةِ ثم أذكُرَ القَولَ الأولَ وأدِلَّتَه والرَّدَّ والمُناقَشةَ على كلِّ دَليلٍ ثم القَولَ الثاني هكذا حتى يُلِمَّ القارِئُ بالمَسألةِ ولا تَتشعَّبَ منه أدِلَّتُها ولا الرَّدُّ عليها.
(٢) وقد اختَلفَ الحَنفيَّةُ هل الأفضَلُ إخراجُ القيمةِ أو المَنصوصِ عليه؟ قال في «الجَوهَرةِ النَّيِّرةِ» (٢/ ٩): فإنْ قُلتَ: فما الأفضلُ إخراجُ القيمةِ أو عَينِ المَنصوصِ؟ قُلتُ: ذكَر في الفَتاوى أنَّ أداءَ القيمةِ أفضَلُ، وعليه الفتوى؛ لأنَّه أدفَعُ لِحاجةِ الفَقيرِ، وقيلَ: المَنصوصُ أفضَلُ؛ لأنَّه أبعَدُ من الخِلافِ.
(٣) «المبسوط» للسرخسي (٢/ ١٥٦، ١٥٧)، (٣/ ١٠٧)، و «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٣)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ١٢٠)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ١٩٣)، و «الجوهر النقي» لابن التركماني (٤/ ١١٣)، و «المجموع» (٥/ ٣٨٤)، و «المغني» (٤/ ٤٣)، و «عمدة القاري» (٩/ ٤)، و «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني (٣/ ٣١٢)، «بداية المجتهد» (١/ ١٩٦)، و «الإفصاح» (١/ ٣٥٠، ٣٥٤).
والقَولُ الثاني: لا يَجوزُ دَفعُ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ مُطلَقًا، وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والظاهِريَّةِ وغيرِهم (١).
والقَولُ الثالِثُ: يَجوزُ عندَ الحاجةِ، وهو رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ، اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه (٢).
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختلَفوا هل يَجوزُ فيها أنْ يُخرِجَ بَدلَ العينِ القيمةَ أو لا يَجوزُ؟ فقال مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في الزَّكواتِ بَدلَ المَنصوصِ عليه فيها، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ سَواءٌ قدِرَ على المَنصوصِ عليه أو لم يَقدِرْ.
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (١/ ٥٠٢)، و «منح الجليل» (٢/ ٩٧)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٣٣)، و «المنتقى» للباجي (٢/ ٨٧)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٥٢٠)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ١٨٠، ١٨١)، و «المجموع» (٥/ ٣٨٤)، و «شرح مسلم» (٧/ ٩٠)، و «إحياء علوم الدين» (١/ ٢١٢، ٢١٣)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٣/ ٤٤٧)، و «المحلى» لابن حزم (٦/ ٢٥، ١٣٧)، و «المغني» (٤/ ٤٣)، و «الإنصاف» (٣/ ٦٥٦)، و «الإفصاح» (١/ ٣٥٠، ٣٥٤)، و «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٦)، و «السيل الجرار» (٢/ ٤٥)، «بداية المجتهد» (١/ ١٩٦)، و «تتمة أضواء البيان» (٨/ ٢٨٦)، و «الفواكه العذاب» (٨/ ٤١٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٥/ ٤٦، ٧٩، ٨٣)، و «الإنصاف» (٣/ ٦٥٦).
وسَببُ اختِلافِهم: هل الزَّكاةُ عِبادةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ للمَساكينِ؟
فمَن قالَ: إنَّها عِبادةٌ، قالَ: إنْ أخرَجَ من غيرِ تلك الأَعيانِ لم يَجزْ؛ لأنَّه إذا أَتى بالعِبادةِ على غيرِ الجِهةِ المَأمورِ بها فهي فاسِدةٌ، ومَن قالَ: هي حَقٌّ للمَساكينِ، لا فَرقَ عندَه بينَ القيمةِ والعَينِ.
وقد قالَت الشافِعيةُ: لنا أنْ نَقولَ -وإنْ سلَّمنا أنَّها حَقٌّ للمَساكينِ-: إنَّ الشارِعَ إنَّما علَّقَ الحَقَّ بالعَينِ قَصدًا منه لتَشريكِ الفُقراءِ مع الأَغنياءِ في أَعيانِ الأَموالِ.
والحَنفيةُ يَقولونَ: إنَّما خُصَّت بالذِّكرِ أَعيانُ الأَموالِ تَسهيلًا على أَربابِ الأَموالِ؛ لأنَّ كلَّ ذي مالٍ إنَّما يَسهُلُ عليه الإِخراجُ من نَوعِ المالِ الذي بينَ يدَيه، ولذلك جاءَ في بعضِ الأثَرِ أنَّه جعَلَ في الدِّيَةِ على أهلِ الحُلَلِ حُللًا، على ما يَأتي في كِتابِ الحُدودِ (١).
أدِلَّةُ كلِّ قَولٍ:
أولًا: أَقوالُ القَولِ الأولِ وأدِلَّتُه، وهُم الذين قالوا بجَوازِ إِخراجِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ:
قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا صِفةُ الواجِبِ فهي أنَّ وُجوبَ المَنصوصِ عليه من حيثُ إنَّه مالٌ مُتقَوَّمٌ على الإِطلاقِ، لا من حيثُ إنَّه عَينٌ، فيَجوزُ أنْ يُعطيَ عن جَميعِ ذلك القيمةَ، دَراهمَ أو دَنانيرَ أو فُلوسًا أو عُروضًا أو ما شاءَ، وهذا عندَنا.
(١) «بداية المجتهد» (١/ ١٩٦).
وقالَ الشافِعيُّ: لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ، وهو على الاختِلافِ في الزَّكاةِ.
وَجهُ قَولِه: إنَّ النَّصَّ ورَدَ بوُجوبِ أشياءَ مَخصوصةٍ، وفي تَجويزِ القيمةِ يُعتبَرُ حُكمُ النَّصِّ، وهذا لا يَجوزُ.
ولنا: أنَّ الواجِبَ في الحَقيقةِ إِغناءُ الفَقيرِ؛ لقَولِه ﷺ: «أَغْنوهُم عن المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ»، والإغناءُ يَحصلُ بالقيمةِ، بل هو أتَمُّ وأوفَرُ؛ لأنَّها أقرَبُ إلى دَفعِ الحاجةِ، وبه تَبيَّن أنَّ النَّصَّ مُعلَّلٌ بالإغناءِ، وأنَّه ليسَ في تَجويزِ القيمةِ يُعتبَرُ حُكمُ النَّصِّ في الحَقيقةِ، واللهُ ﷾ المُوفِّقُ (١).
وقالَ ابنُ أبي شَيبةَ رحمة الله عليه في «مُصنَّفِه»: بابٌ: في إِعطاءِ الدَّراهمِ في زَكاةِ الفِطرِ:
قالَ: حدَّثَنا أبو أُسامَةَ عَنْ ابن عَونٍ قالَ: «سمِعتُ كِتابَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ يُقرأُ إلَى عَديٍّ بالبَصرَةِ -وعَديٌّ الوالِي-: يُؤخَذُ من أَهلِ الدِّيوانِ من أَعطِيَّاتِهم عن كلِّ إِنسانٍ نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكِيعٌ عن قُرةَ قالَ: «جاءَنا كِتابُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ في صَدقةِ الفِطرِ: نِصفُ صاعٍ عن كلِّ إِنسانٍ أو قِيمتُه نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكِيعٌ عن سُفيانَ عن هِشامٍ عَنْ الحَسنِ قالَ: «لا بَأسَ أنْ تُعطَى الدَّراهمُ في صَدقةِ الفِطرِ».
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٣).
وقالَ: حدَّثَنا أبو أُسامةَ عن زُهَيرٍ قالَ: سَمِعتُ أَبا إِسحاقَ يَقولُ: «أَدرَكتُهم وهم يُعطُونَ في صَدقةِ رَمضانَ الدَّراهمَ بقِيمةِ الطَّعامِ» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقالَ الثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ: يَجوزُ، وقد رُويَ ذلك عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والحَسنِ، وقد رُويَ عن أحمدَ مِثلُ قَولِهم فيما عدا الفِطرةِ (٢).
وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهو الظاهِرُ من مَذهبِ البُخاريِّ في صَحيحِه (٣).
وقالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: ولِهذا المَذهبِ احتَجَّ البُخاريُّ، على كَثرةِ مُخالَفتِه لِأبي حَنيفةَ، لكنَّ اتِّباعَ الأَحاديثِ قادَه إلى مُوافَقتِه (٤).
قالَ ابنُ رَشيدٍ: وافَقَ البُخاريُّ في هذه المَسألةِ الحَنفيةَ مع كَثرةِ مُخالَفتِه لهم، لكنْ قادَه إلى ذلك الدَّليلُ (٥).
أدِلَّةُ هذا الفَريقِ:
الدَّليلُ الأولُ:
ما رُويَ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أَغْنوهم -أي: الفُقراءَ والمَساكينَ- عَنْ الطَّوافِ فِي هذا اليَومِ» (٦).
(١) روى هذه الآثار ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٣٩٨).
(٢) «المغني» (٤/ ٤٣).
(٣) «المجموع» (٥/ ٣٨٤).
(٤) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٣/ ٤٤٩).
(٥) «فتح الباري» (٣/ ٣١٢)، و «عمدة القاري» (٩/ ٤).
(٦) أخرجه ابن زنجويه في كتاب «الأموال» (٥/ ١٤٨)، والدارقطني في «سننه» (٢/ ١٥٢) كتاب زَكاة الفطر ح (٦٧)، والبيهقي في «سننه» (٤/ ١٧٥) ح (٧٥٢٨) وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٥٥) من روايةِ أبي مشعرٍ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ به، وأبو مشعرٍ هذا ضعَّفه جَماعةٌ من الحُفاظِّ كالبُخاريِّ والنَّسائيِّ وابن مَعينٍ، وقد ضعَّف الحَديثَ ابنُ عبدِ الهادِي في «التنقيح» (٢/ ٢٣٤)، والعِراقيُّ في «طرح التثريب» (٤/ ٥٩)، والصَّنعانِيُّ في «سبل السلام» (٢/ ١٣٨)، وابن المُلقِّنِ في «البدر المنير» (٥/ ٦٢٠) وغيرُهم.
فالمَقصودُ من هذا الحَديثِ هو دَفعُ حاجةِ الفُقراءِ والمَساكينِ وإِغناؤُهم، ولا يَختلِفُ ذلك بعدَ اتِّحادِ قَدرِ الماليَّةِ مع اختِلافِ صُورِ الأَموالِ، والإغناءُ يَتحقَّقُ بالقيمةِ كما يَتحقَّقُ بالطَّعامِ، ورُبَّما كانَت؛ إذ كَثرةُ الطَّعامِ عندَ الفَقيرِ تُحوِجُه إلى بَيعِها، والقيمةُ تُمكِّنُه من شِراءِ ما يَلزمُه من الأطعِمةِ والمَلابِسِ وسائِرِ الحاجاتِ.
قالَ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: والإغناءُ يَحصلُ بأداءِ القيمةِ كما يَحصلُ بأداءِ (الطَّعامِ) ورُبَّما يَكونُ سَدُّ الخَلةِ بأداءِ القيمةِ أظهَرَ ولا نَقولُ بأنَّ الواجِبَ حَقُّ الفَقيرِ ولكنِ الواجِبُ حَقُ اللهِ تعالَى خالِصًا، ولكنَّه مَصروفٌ إلى الفَقيرِ ليَكونَ كِفايةً له من اللهِ تعالَى عما وعَدَ له من الرِّزقِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّ الفَقيرِ أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِه له، فكانَ هذا نَظيرَ الجِزيةِ فإنَّها وجَبَت لكِفايةِ المُقاتِلةِ فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّهم أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِهم حتى تَتأدَّى بالقِيمةِ (١).
وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: فإنْ أَعطَى قيمةَ الحِنطةِ جازَ عندَنا؛ لأنَّ المُعتبَرَ حُصولُ الغِنى، وذلك يَحصلُ بالقيمةِ كما يَحصلُ بالحِنطةِ.
(١) «المبسوط» (٢/ ١٥٧).
وكانَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ رحمة الله عليه يَقولُ: أداءُ القيمةِ أفضَلُ؛ لأنَّه أقرَبُ إلى مَنفعةِ الفَقيرِ فإنَّه يَشتَري به لِلحالِ ما يَحتاجُ إليه، والتَّنصيصُ على الحِنطةِ والشَّعيرِ كانَ لأنَّ البِياعاتِ في ذلك الوَقتِ بالمَدينةِ يَكونُ بها، فأمَّا في دِيارِنا فالبِياعاتُ تَجري بالنُّقودِ، وهي أعَزُّ الأَموالِ، فالأداءُ منها أفضَلُ (١).
قالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه: وأَجازَ أَصحابُنا إِعطاءَ قيمةِ الطَّعامِ؛ لِما ثبَتَ أنَّ المَقصِدَ فيه حُصولُ النَّفعِ للمَساكينِ بهذا القَدرِ من المالِ ويَحصُلُ لهم من النَّفعِ بالقيمةِ مِثلُ حُصولِه بالطَّعامِ … ومع ذلك ليسَ يَمتنِعُ إِطلاقُ الاسمِ على من أَعطى غيرَه دَراهمَ يَشتَري بها ما يَأكلُه ويَلبسُه بأنْ يُقالَ: قد أطعَمَه وكَساه، وإذا كانَ إِطلاقُ ذلك سائِغًا انتَظمَه اللَّفظُ … ألَا تَرى أنَّ حَقيقةَ الإِطعامِ أنْ يُطعِمَه إيَّاه بأنْ يُبِيحَه له فيَأكلَه، ومع ذلك لو ملَّكَه إيَّاه ولم يَأكلْه المِسكينُ وباعَه أجزَأَه، وإنْ لم يَتناوَلْه حَقيقةُ اللَّفظِ بحُصولِ المَقصِدِ في وُصولِ هذا القَدرِ من المالِ إليه، وإنْ لم يُطعِمْه ولم يَنتفِعْ به مِنْ جِهةِ الأكلِ، وكذلك لو أَعطاه كِسوةً فلم يَكتَسِ بها وباعَها، وإنْ لم يَكنْ له كاسيًا بإِعطائِه؛ إذْ كانَ مُوصِّلًا إليه هذا القَدرَ من المالِ بإِعطائِه إيَّاه، ثبَتَ بذلك أنَّه ليسَ المَقصِدُ حُصولَ المَطعَمِ … وأنَّ المَقصِدَ وُصولُه إلى هذا القَدرِ من المالِ، فلا يَختلِفُ حينَئذٍ حُكمُ الدَّراهمِ والطَّعامِ، ألَا تَرى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدَّرَ في صَدقةِ الفِطرِ نِصفَ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعًا
(١) «المبسوط» (٣/ ١٠٧).
من تَمرٍ أو شَعيرٍ ثم قالَ: «أَغْنوهُم عن المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ»، فأخبَر أنَّ المَقصودَ حُصولُ الغِنى لهم عن المَسألةِ لا مِقدارُ الطَّعامِ بعَينِه؛ إذْ كانَ الغِنى عن المَسألةِ يَحصلُ بالقيمةِ كحُصولِه بالطَّعامِ، فإنْ قالَ قائِلٌ: لو جازَتِ القيمةُ وكانَ المَقصِدُ فيه حُصولَ هذا القَدرِ من المالِ للمَساكينِ لَما كانَ لذِكرِ الإِطعامِ فائِدةٌ مع تَفاوُتِ قيمَتِها في أكثَرِ الأَحوالِ، وفي ذِكرِه الطَّعامَ دِلالةٌ على أنَّه غيرُ جائِزٍ أنْ يَتعدَّاه إلى القيمةِ، وأنَّه ليسَ المَقصِدُ حُصولَ النَّفعِ بهذا القَدرِ من المالِ دونَ عَينِ الطَّعامِ، قيلَ له: ليسَ الأمرُ على ما ظَننتَ، وفي ذِكرِه الطَّعامَ أعظَمُ الفَوائِدِ، وذلك أنَّه ذكَرَها ودَلَّنا بما ذكَرَ على جَوازِ إِعطاءِ قيمَتِها ليَكونَ مُخيَّرًا بينَ أنْ يُعطيَ حِنطةً أو يُعطيَ دَراهمَ قِيمةً عن الحِنطةِ، فيَكونَ مُوسِّعًا في العُدولِ عن الأرفَعِ إلى الأوكَسِ إنْ تَفاوتَت القيمَتانِ أو عن الأوكَسِ إلى الأرفَعِ، أو يُعطيَ أيَّ المَذكورَينِ بأَعيانِهما كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «ومَن وجَبَت في إبلِه بِنتُ لَبونٍ فلم تُوجَدْ أُخذَ منه بِنتُ مَخاضٍ وشاتانِ أو عِشرونَ دِرهمًا» (١) فخيَّرَه في ذلك، وهو يَقدرُ على أنْ يَشتريَ بنتَ لَبونٍ وهي الفَرضُ المَذكورُ، وكما جعَلَ الدِّيةَ مِئةً من الإبلِ، واتَّفقَت الأُمةُ على أنَّها من الدَّراهمِ والدَّنانيرِ أيضًا قيمةً للإبلِ على اختِلافِهم فيها، وكمَن تَزوَّجَ امرأةً على عَبدٍ وسَطٍ فإنْ جاءَ به
(١) أخرجه البخاريُّ في «صحيحه» (٢/ ٥٢٧) كتاب الزَّكاة (٣٦) باب من بلَغت عندَه صَدقةُ بنتِ مَخاضٍ وليسَت عندَه ح (١٣٨٥) بلفظِ: «وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ منه بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أو شَاتَيْنِ».
بعَينِه قُبِل منه، وإنْ جاءَ بقيمَتِه قُبلَت منه أيضًا، ولم يُبطِلْ جَوازَ أخذِ القيمةِ في هذه المَواضِعِ حُكمُ التَّسميةِ لغيرِها، فكذلك ما وصَفْنا (١).
وعن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائمِ من اللَّغوِ والرَّفثِ وطُعمَةً للمَساكينِ» (٢).
قالوا: فبالنَّظرِ إلى المَعنى العامِّ لمَعنى الزَّكاةِ، وهو قَولُه ﷺ: «طُهرَةً للصَّائمِ وطُعمَةً للمَساكينِ»، وقَولُه: «أَغْنوهُم عَنْ الطَّوافِ فِي هذا اليَومِ» (٣). وجَدْنا إِشارةً إلى جَوازِ إِخراجِها من كلِّ ما هو طُعمةٌ للمَساكينِ، ولا نَحدُّه بحَدٍّ أو نُقيِّدُه بصِنفٍ، فإِلحاقُ غيرِ المَنصوصِ بالمَنصوصِ بجامِعِ العِلةِ مُتَّجهٌ (٤).
مُناقَشةُ هذا الاستِدلالِ:
قالَ الإمامُ الغَزاليُّ رحمة الله عليه: ولَعلَّ بعضَ من لا يُدرِكُ غَرضَ الشافِعيِّ رضي الله عنه يَتساهَلُ في ذلك ويَلحَظُ المَقصودَ من سَدِّ الخَلةِ وما أبعَدَه عن التَّحصيلِ، فإنَّ سَدَّ الخَلةِ مَقصودٌ وليسَ هو كلَّ المَقصودِ، بل واجِباتُ الشَّرعِ ثَلاثةُ أَقسامٍ:
قِسمٌ هو تَعبُّدٌ مَحضٌ لا مَدخَلَ للحُظوظِ والأَغراضِ فيه.
(١) «أحكام القرآن» (٤/ ١٢٠) بتصرف يسير.
(٢) حَدِيثٌ حسنٌ: تَقدَّم.
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تَقدَّم.
(٤) «تتمة أضواء البيان» (٨/ ٢٨٦)، و «الفواكه العذاب» (٨/ ٤١٢).
وذلك كرَميِ الجَمراتِ مَثلًا، إذ لا حَظَّ للجَمرةِ في وُصولِ الحَصى إليها، فمَقصودُ الشَّرعِ فيه الابتِلاءُ بالعَملِ ليُظهِرَ العَبدُ رِقَّه وعُبوديَّتَه بفِعلِ ما لا يُعقَلُ له مَعنًى؛ لأنَّ ما يُعقَلُ مَعناه قد يُساعِدُه الطَّبعُ عليه ويَدعوه إليه، فلا يَظهَرُ به خُلوصُ الرِّقِّ والعُبوديَّةِ؛ إذِ العُبوديَّةُ تَظهَرُ بأنْ تَكونَ الحَركةُ لحَقِّ أمرِ المَعبودِ فقط، لا لمَعنًى آخَرَ، وأكثَرُ أعمالِ الحَجِّ كذلك، ولذلك قالَ ﷺ في إِحرامِه: «لبَّيكَ بحَجةٍ حقًّا تَعبُّدًا ورِقًّا» حَديثُ «لبَّيكَ بحَجةٍ حقًّا تَعبُّدًا ورِقًّا» أخرَجه البزَّارُ والدَّارقُطنيُّ في «العِلل» من حَديثِ أنَسٍ تَنبيهًا على أنَّ ذلك إِظهارٌ للعُبوديَّةِ بالانقِيادِ لمُجرَّدِ الأمرِ وامتِثالِه كما أمَرَ من غيرِ استِئناسِ العَقلِ منه بما يَميلُ إليه ويَحثُّ عليه.
القِسمُ الثاني: من واجِباتِ الشَّرعِ ما المَقصودُ منه حَظٌّ مَعقولٌ وليسَ يُقصَدُ منه التَّعبُّدُ كقَضاءِ دَينِ الآدَميِّينَ ورَدِّ المَغصوبِ، فلا جَرمَ لا يُعتبَرُ فيه فِعلُه ونيَّتُه.
ومهما وصَلَ الحَقُّ إلى مُستحِقِّه بأخذِ المُستحَقِّ أو ببَدلٍ عنه عندَ رِضاه تأدَّى الوُجوبُ وسقَطَ خِطابُ الشَّرعِ.
فهذان قِسمانِ لا تَركيبَ فيهما يَشتَركُ في دَركِهما جَميعُ الناسِ.
والقِسمُ الثالِثُ: هو المُركَّبُ الذي يُقصَدُ منه الأَمرانِ جَميعًا، وهو حَظُّ العِبادِ وامتِحانُ المُكلَّفِ بالاستِعبادِ فيَجتمِعُ فيه تَعبُّدُ رَميِ الجِمارِ وحَظُّ رَدِّ الحُقوقِ، فهذا قِسمٌ في نَفسِه مَعقولٌ، فإنْ ورَدَ الشَّرعُ به وجَبَ الجَمعُ بينَ المَعنيِّين ولا يَنبَغي أنْ يَنسى أدَقَّ المَعنيَينِ وهو التَّعبُّدُ والاستِرقاقُ بسَببِ
أَجلاهما، ولَعلَّ الأدَقَّ هو الأهَمُّ، والزَّكاةُ من هذا القَبيلِ ولم يَنتبِهْ له غيرُ الشافِعيِّ رضي الله عنه، فحَظُّ الفَقيرِ مَقصودٌ في سَدِّ الخَلةِ وهو جَليٌّ سابِقٌ إلى الأَفهامِ، وحَقُّ التَّعبُّدِ في اتِّباعِ التَّفاصيلِ مَقصودٌ للشَّرعِ.
وباعتِبارِه صارَت الزَّكاةُ قَرينةً للصَّلاةِ والحَجِّ في كَونِها من مَباني الإِسلامِ.
ولا شَكَّ في أنَّ على المُكلَّفِ تَعبًا في تمييزِ أَجناسِ مالِه وإِخراجِ حصَّةِ كلِّ مالٍ من نَوعِه وجِنسِه وصِفتِه ثم تَوزيعِه على الأَصنافِ الثَّمانيةِ كما سيَأتي، والتَّساهُلُ فيه غيرُ قادِحٍ في حَظِّ الفَقيرِ لكنَّه قادِحٌ في التَّعبُّدِ.
ويَدلُّ على أنَّ التَّعبُّدَ مَقصودٌ بتَعيينِ الأَنواعِ أُمورٌ ذكَرْناها في كُتبِ الخِلافِ من الفِقهيَّاتِ.
ومِن أوضَحِها أنَّ الشَّرعَ أوجَبَ في خَمسٍ من الإبلِ شاةً، فعدَلَ من الإبِلِ إلى الشاةِ ولم يَعدِلْ إلى النَّقدَينِ والتَّقويمِ، وإنْ قدَّرَ أنَّ ذلك لقلَّةِ النُّقودِ في أَيدي العَربِ بطَلَ بذِكرِه عِشرونَ دِرهمًا في الجُبرانِ مع الشاتَينِ فلم يُذكَرْ في الجُبرانِ قَدرُ النُّقصانِ من القِيمةِ، والمُقدَّرِ بعِشرينَ دِرهمًا وشاتَينِ، وإنْ كانَت الثِّيابُ والأمتِعةُ كلُّها في مَعناها.
فهذا وأمثالُه من التَّخصيصاتِ يَدلُّ على أنَّ الزَّكاةَ لم تُتركْ خاليةً عن التَّعبُّداتِ كما في الحَجِّ ولكنْ جُمعَ بينَ المَعنيَينِ، والأَذهانُ الضَّعيفةُ تَقصُرُ عن دَركِ المُركَّباتِ فهذا شأنُ الغَلطِ فيه (١).
(١) «إحياء علوم الدين» (١/ ٢١٢، ٢١٣).
الدَّليلُ الثاني:
ما رَواه البُخاريُّ رحمة الله عليه في «صَحيحِه» عن مُعاذٍ:
قالَ البُخاريُّ: بَابُ العَرضِ في الزَّكاةِ: وقالَ طَاوُسٌ: «قالَ مُعَاذٌ رضي الله عنه لأَهلِ اليَمنِ ائْتُونِي بعَرضٍ (١) ثِيابٍ خَميصٍ (٢) أو لَبيسٍ (٣) في الصَّدقةِ مَكانَ
(١) قال بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ في «عُمدةِ القاري» (٩/ ٣): «والعَرضُ»، بفَتحِ العَينِ وسُكونِ الراءِ: خِلافُ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ التي هي قيمُ الأشياءِ، وبفَتحِ العَينِ: ما كان عارِضًا لك من مالٍ، قَلَّ أو كَثُرَ، يُقالُ: الدُّنيا عَرضٌ حاضِرٌ يأكُلُ منها البَرُّ والفاجِرُ، فكلُّ عَرضٍ بسُكونٍ عَرَضٌ بالفَتحِ بدونِ العَكسِ، والعَرضُ يُجمَعُ على عُروضٍ، وقال ابنُ قُرقُولٍ: قَولُه ﷺ: «ليس الغِنى عن كَثرةِ العَرَضِ»، بفَتحِ الراءِ: يَعني كَثرةَ المالِ والمَتاعِ ويُسمَّى عَرَضًا؛ لأنَّه عارِضٌ يَعرِضُ وَقتًا ثم يَزولُ ويَفنَى. ومنه قَولُه: «يَبيعُ دِينَه بعَرَضٍ من الدُّنيا» أي: بمَتاعٍ منها ذاهِبٍ فانٍ. والعَرضُ ما عدا العَينَ، قاله أبو زَيدٍ. وقال الأصمَعيُّ: ما كان من مالٍ غَيرِ نَقدٍ، قال أبو عُبَيدٍ، ما عدا الحَيوانَ والعَقارَ والمَكيلَ والمَوزونَ. وفي (الصِّحاحِ): العَرضُ المَتاعُ وكلُّ شَيءٍ فهو عَرضٌ، سِوى الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ فإنَّها عَينٌ. وقال أبو عُبَيدٍ: العُروضُ الأمتِعةُ التي لا يَدخُلُها كَيلٌ ولا وَزنٌ ولا يَكونُ حَيوانًا ولا عَقارًا، والعِرضُ، بكَسرِ العَينِ: النَّفسُ، يُقالُ أكرَمتُ عِرضي عنه، أي: صُنتُ عنه نَفسي، وفُلانٌ نَقيُّ العِرضِ، أي: بَريءٌ من أنْ يُشتَمَ أو يُعابَ. وقد قيل: عِرضُ الرَّجُلِ حَسَبُه، والعُرضُ، بضَمِّ العَينِ: ناحيةُ الشَّيءِ من أيِّ وَجهٍ جِئتَه ورأيتَه في عُرضِ الناسِ، أي: فيما بينَهم.
(٢) قال العَينيُّ في «عُمدةِ القارِي» (٩/ ٤): قَولُه: (خَميصٌ)، بالصادِ، كذا ذكَره البُخاريُّ فيما قاله عِياضٌ وابنُ قُرقُولٍ، وقال الداوديُّ والجَوهَريُّ: ثَوبٌ خَميسٌ، بالسِّينِ، ويُقالُ له أيضًا: خَموصٌ، وهو الثَّوبُ الذي طُولُه خَمسةُ أذرُعٍ، يَعني الصَّغيرَ من الثِّيابِ، وقال أبو عُمَرَ: وأوَّلُ مَنْ عَمِلها باليَمنِ مَلِكٌ يُقالُ له الخَميسُ. وفي (مَجمَعِ الغرائِبِ): أوَّلُ مَنْ عَمِله يُقالُ له الخَميسُ. وفي (المُغيثِ): الخَميسُ الثَّوبُ المَخموسُ الذي طُولُه خَمسٌ. وقال ابنُ التِّينِ: لا وَجهَ لأنْ يَكونَ بالصادِ، فإنْ صَحَّت الرِّوايةُ بالصادِ يَكونُ مُذكَّرَ الخَميصةِ، فاستعارَها لِلثَّوبِ. وقال الكَرمانيُّ: هو الكِساءُ الأسوَدُ المُربَّعُ له عَلَمانِ.
(٣) قال العَينيُّ: قَولُه: (أو لَبيسٍ)، بفَتحِ اللَّامِ وكَسرِ الباءِ المُوحَّدةِ: بمَعنى المَلبوسِ، مِثلَ قَتيلٍ ومَقتولٍ، وقال ابنُ التِّينِ: ولو كان أرادَ الاسمَ لَقالَ: لَبوسٍ لأنَّ اللَّبوسَ كلُّ ما يُلبَسُ من ثِيابٍ ودِرعٍ.
الشَّعيرِ وَالذُّرةِ أَهوَنُ عليكم وخَيرٌ لأَصحابِ النَّبيِّ ﷺ بالمَدينةِ» (١).
قالَ ابنُ رَشيدٍ (٢): وافَقَ البُخاريُّ في هذه المَسألةِ الحَنفيةَ مع كَثرةِ مُخالَفتِه لهم، لكنْ قادَه إلى ذلك الدَّليلُ (٣).
قالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه: احتَجَّ به أَصحابُنا في جَوازِ دَفعِ القيَمِ في الزَّكواتِ، ولِهذا قالَ ابنُ رَشيدٍ: وافَقَ البُخاريُّ في هذه المَسألةِ الحَنفيةَ مع كَثرةِ مُخالَفتِه لهم، لكنْ قادَه إلى ذلك الدَّليلُ (٤).
وقالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: وقالَ (أي: أبو حَنيفةَ وأَصحابُه): وكانَ مُعاذٌ يَنقُلُ الصَّدقاتِ إلى المَدينةِ، فيَتولَّى رَسولُ اللهِ قِسمَتَها، فإنْ كانَت هذه الصَّدقةُ قد نقَلَها إلى المَدينةِ في حياةِ النَّبيِّ ﷺ فقسَمَها بينَ فُقراءِ المَدينةِ، فلا مَحالةَ أنَّه قد أقَرَّه على جَوازِ أخذِ البَدلِ فى الزَّكواتِ؛ لأنَّه قد علِمَ ﷺ أنَّ الزَّكواتِ ليسَ فيها ما هو من جِنسِ الثِّيابِ، وأنَّها لا
(١) رواه البخاري في «صحيحِه» مُعلَّقًا بصيغة الجزْمِ (٢/ ٢٥٢) (٣٢) باب العرضِ في الثِّيابِ ووصلَه ابنُ أبي شَيبةَ في «مصنفه» (٢/ ٤٠٤)، والبَيهقيُّ في «سننه» (٤/ ١١٣).
(٢) مُحمدُ بنُ عُمرَ بنِ مُحمدٍ أبو عَبدِ اللهِ ابنُ رَشيدٍ الفِهريُّ، له من المُصنَّفاتِ: كتابُ «إيضاح المذاهب فيمن ينطلق عليه اسم الصاحب»، وكتابُ «ترجمان التراجم على أبواب البخاري»، وكان رحَّالةً أَديبًا مُفسّرًا مُؤرّخًا له مَعرفةٌ بالفِقهِ والحَديثِ، مات سنة (٧٢١) هـ، «الدرر المكنونة» (٤/ ١١١، ١١٣)، و «الأعلام» (٦/ ٣١٤).
(٣) «فتح الباري» (٣/ ٣١٢)، و «عمدة القاري» (٩/ ٤).
(٤) «عمدة القاري» (٩/ ٤).
تُؤخذُ إلا على وَجهِ البَدلِ، فصارَ إِقرارُه له على فِعلِه دِلالةً على الجَوازِ، وإنْ كانَ بعدَ مَوتِه فقد وضَعَها أبو بَكرٍ بحَضرةِ الصَّحابةِ في مَواضِعِها مع عِلمِهم أنَّ الثِّيابَ لا تَجبُ في الزَّكاةِ، فصارَ ذلك إِقرارًا منهم على جَوازِ أخذِ القيَمِ، فتَحصَّلَ للمسألةِ اتِّفاقٌ بينَ الصَّحابةِ (١).
مُناقَشةُ هذا الدَّليلِ:
لكنْ أجابَ الجُمهورُ عن قصَّةِ مُعاذٍ، رضي الله عنه بعدَّةِ أجوِبةٍ. قلتُ: من جُملةِ ما قالوا:
أولًا: هو مُرسَلٌ. وقالَ الإِسماعيليُّ: حَديثُ طاوُسٍ لو كانَ صَحيحًا لَوجَبَ ذِكرُه ليُنتَهى إليه، وإنْ كانَ مُرسَلًا فلا حُجةَ فيه (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: هذا التَّعليقُ صَحيحُ الإِسنادِ إلى طاوُسٍ لكنَّ طاوُسًا لم يَسمَعْ من مُعاذٍ فهو مُنقطِعٌ، فلا يَغتَرَّ بقَولِ من قالَ، ذكَرَه البُخاريُّ بالتَّعليقِ الجازِمِ فهو صَحيحٌ عندَه؛ لأنَّ ذلك لا يُفيدُ إلا الصِّحةَ إلى مَنْ علَّقَ عنه، وأمَّا باقِي الإسنادِ فلا، إلا أنَّ إِيرادَه له في مَعرِضِ الاحتِجاجِ به يَقتَضي قُوتَه عندَه، وكأنَّه عضَّدَه عندَه الأَحاديثُ التي ذكَرَها في البابِ، وقد رَويْنا أثَرَ طاوُسٍ المَذكورَ في كِتابِ الخَراجِ ليَحيَى بنِ آدمَ من رِوايةِ ابنِ عُيينةَ عن إِبراهيمَ بنِ مَيسرةَ وعَمرِو بنِ دِينارٍ، فرَّقَهما كِلاهما عن طاوُسٍ (٣).
(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٣/ ٤٤٧).
(٢) «عمدة القاري» (٩/ ٤).
(٣) «فتح الباري» (٣/ ٣١٢).
ثانيًا: قالوا: المُرادُ بالصَّدقةِ الجِزيةُ. قالَ البَيهَقيُّ: وهذا الأليَقُ بمُعاذٍ رضي الله عنه، والأشبَهُ بما أمَرَ به النَّبيُّ ﷺ من أخْذِ الجِنسِ في الصَّدقاتِ وأخْذِ الدِّينارِ، وعَدلُه مَعافِرُ ثِيابِ اليَمنِ في الجِزيةِ. قالوا: ويَدلُّ عليه نَقلُه إلى المَدينةِ، ومَذهبُ مُعاذٍ أنَّ النَّقلَ في الصَّدقاتِ مُمتنَعٌ ويَدلُّ عليه إِضافتُها إلى المُهاجِرينَ والأَنصارِ، والجِزيةُ تُستحَقُّ بالهِجرةِ والنُّصرةِ وأمَّا الزَّكاةُ فتُستحَقُّ بالفَقرِ والمَسكنةِ (١).
وقالَ الحافِظُ: وقَولُه في الصَّدقةِ يَردُّ قَولَ من قالَ: إنَّ ذلك كانَ في الخَراجِ، وحَكى البَيهَقيُّ أنَّ بعضَهم قالَ فيه من الجِزيةِ بَدلُ الصَّدقةِ، فإنْ ثبَتَ ذلك سقَطَ الاستِدلالُ، لكنَّ المَشهورَ الأولُ، وقد رَواه ابنُ أبي شَيبةَ عن وَكيعٍ عن الثَّوريِّ عن إِبراهيمَ بنِ مَيسرةَ عن طاوُسٍ أنَّ مُعاذًا كانَ يَأخذُ العُروضَ في الصَّدقةِ وأجابَ الإِسماعيليُّ باحتِمالِ أنْ يَكونَ المَعنى: ائْتُوني به آخُذْه منكم مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ الذي آخُذُه شِراءً بما آخُذُه، فيَكونَ بقَبضِه قد بلَغَ مَحلَّه، ثم يَأخذَ مَكانَه ما يَشتَريه مما هو أوسَعُ عندَهم وأنفَعُ للآخِذِ، قالَ: ويُؤيِّدُه أنَّها لو كانَت من الزَّكاةِ لم تَكنْ مَردودةً على الصَّحابةِ، وقد أمَرَه النَّبيُّ ﷺ أنْ يَأخذَ الصَّدقةَ من أَغنيائِهم فيَرُدَّها على فُقرائِهم.
وأُجيبَ بأنَّه لا مانعَ من أنَّه كانَ يَحمِلُ الزَّكاةَ إلى الإمامِ ليَتولَّى قِسمَتها، وقد احتَجَّ به مَنْ يُجيزُ نَقلَ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ، وهي مَسألةٌ خِلافيَّةٌ أيضًا.
(١) «عمدة القاري» (٩/ ٤).
وقيلَ في الجَوابِ عن قصَّةِ مُعاذٍ: إنَّها اجتِهادٌ منه، فلا حُجةَ فيها، وفيه نَظرٌ؛ لأنَّه كانَ أعلَمَ الناسِ بالحَلالِ والحَرامِ، وقد بيَّنَ له النَّبيُّ ﷺ لمَّا أرسَلَه إلى اليَمنِ ما يَصنَعُ، وقيلَ: كانَت تلك واقِعةَ حالٍ، لا دِلالةَ فيها لاحتِمالِ أنْ يَكونَ عَلِم بأهلِ المَدينةِ حاجةً لذلك، وقد قامَ الدَّليلُ على خِلافِ عَملِه ذلك. وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ: كانوا يُطلِقونَ على الجِزيةِ اسمَ الصَّدقةِ، فلعلَّ هذا منها، وتُعقِّب بقَولِه: «مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ» وما كانَت الجِزيةُ حينَئذٍ من أولئك من شَعيرٍ ولا ذُرةٍ إلا من النَّقدَينِ (١).
وقالَ العَينيُّ: وقالوا أيضًا: إنَّ قَولَه: «ائْتُونِي بعَرضٍ ثِيابٍ» مَعناه: آتُوني به آخُذْه منكم مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ اللذَينِ آخُذُهما شِراءً بما آخُذُه فيَكونُ بأخذِه قد بلَغَت مَحلَّه، ثم يَأخذُ مَكانَ ما يَشتَريه مما هو واسِعٌ عندَهم وأنفَعُ لِلآخذِ، وقالوا: لو كانَت هذه من الزَّكاةِ لم تَكنْ مَردودةً على أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ بالمَدينةِ دونَ غيرِهم، وكيف كانَ الوَجهُ في رَدِّه عليهم، وقد قالَ ﷺ: «تُؤخَذُ من أَغنيائِهم فتُردُّ في فُقرائِهم» (٢).
وقد رَدَّ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه عن قَولِ الجُمهورِ هذا بقَولِه:
وأمَّا الجَوابُ عن ذلك كلِّه فهو أنَّ قَولَهم أنَّه مُرسَلٌ، فنَقولُ: المُرسَلُ حُجةٌ عندَنا.
وأنَّ قَولَهم: المُرادُ بالصَّدقةِ الجِزيةُ فالجَوابُ عنه من أربَعةِ أوجُهٍ.
(١) «فتح الباري» (٣/ ٣١٢).
(٢) «عمدة القاري» (٩/ ٤).
أولُها: أنَّه قالَ: مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ، وتلك غيرُ واجِبةٍ في الجِزيةِ بالإِجماعِ.
الثاني: أنَّ المَنصوصَ عليه لَفظُ الصَّدقةِ، كما في لَفظِ البُخاريِّ، والجِزيةُ صَغارٌ، لا صَدقةٌ، ومُسمِّيها الصَّدقةَ مُكابِرٌ.
الثالِثُ: قالَه حينَ بَعثَه رَسولُ اللهِ ﷺ لِأخذِ زَكاتِهم، وفعَلَه امتِثالًا لِما بُعثَ من أجلِه، وسَببُه هو الزَّكاةُ، فكيف يُحمَلُ على الجِزيةِ؟
الرابِعُ: أنَّ الخِطابَ مع المُسلِمينَ؛ لأنَّه يُبيِّنُ لهم ما فيه من النَّفعِ؛ لأنَّفسِهم وللمُهاجِرينَ والأَنصارِ، فلولا أنَّهم يُريدونَ المُهاجِرينَ والأَنصارَ لِما قالَ: خَيرًا لأَصحابِ النَّبيِّ ﷺ بالمَدينةِ وهُم المُهاجِرونَ والأَنصارُ؛ لأنَّ الكُفَّارَ لا يَختارونَ الخَيرَ لِلمهاجِرينَ والأَنصارِ، وأنَّ قَولَهم: مَذهبُ مُعاذٍ أنَّ النَّقلَ من الصَّدقاتِ مُمتنَعٌ، لا أصلَ له؛ لأنَّه لا يُنسَبُ إلى أحَدٍ من الصَّحابةِ مَذهبٌ في حَياةِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
وأنَّ قَولَهم: ويَدلُّ عليه إِضافتُها إلى المُهاجِرينَ والأَنصارِ … إلى آخِرِه، ليسَ كذلك؛ لأنَّه لم يُضفِ الصَّدقةَ إليهم مُطلَقًا، بل أرادَ أنَّه خَيرٌ للفُقراءِ منهم، فكأنَّه قالَ: خَيرٌ للفُقراءِ منهم، فحَذفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إليه مَقامَه وأعرَبه إِعرابَه، وما نقَلَ الزَّكاةَ إلى المَدينةِ إلاَّ بأمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ، بعَثَه لذلك؛ ولأنَّه يَجوزُ نَقلُها إلى قَومٍ أحوَجَ من الفُقراءِ الذين هُمْ هناك، وفُقراءُ المُهاجِرينَ والأَنصارِ أحوَجُ للهِجرةِ وضِيقِ حالِ المَدينةِ في ذلك الوَقتِ.
فإنْ قُلتَ: قد قيلَ: إنَّ الجِزيةَ كانَت يَومَئِذٍ من قَومٍ عَربٍ باسمِ الصَّدقةِ، فيَجوزُ أنْ يَكونَ مُعاذٌ أرادَ ذلك في قَولِه: في الصَّدقةِ؟
قُلتُ: قالَ السُّروجيُّ: قالَ هذا القاضِي أبو مُحمدٍ، ثم قالَ: ما أقبَحَ الجَورَ والظُّلمَ منه، وما أجهَلَه بالنَّقلِ، إنَّما جاءَت تَسميةُ الجِزيةِ بالصَّدقةِ من بَني تَغلِبَ ونَصارى العَربِ بالتِماسِهم في خِلافةِ عمرَ، رضِيَ اللهُ تعالَى عنه، قالَ: هي جِزيةٌ، فسَمُّوها ما شِئتُم، وما سَمَّاها المُسلِمونَ صَدقةً قَطُّ.
قُلتُ: قالَ الطَّرطُوشيُّ: قال مُعاذٌ: للمُهاجِرينَ والأَنصارِ بالمَدينةِ، وفي المُهاجِرينَ بَنو هاشِمٍ وبَنو عبدِ المُطَّلِبِ ولا يَحلُّ لهم الصَّدقةُ، وفي الأَنصارِ أَغنياءُ ولا يَحلُّ لهم الصَّدقةُ، فدَلَّ على أنَّ ذلك الجِزيةُ.
قُلتُ: قالَ السُّروجيُّ: رِكَّةُ ما قالَه ظاهِرةٌ جِدًّا، وهو تَعلَّقَ بحِبالِ الهَوى وخَبطةِ العَشواءِ؛ لأنَّه أرادَ بالمُهاجِرينَ والأَنصارِ من يَحلُّ له الصَّدقةُ، لا مَنْ تَحرُمُ عليه، وكذا الجِزيةُ لا تُصرَفُ إلى جَميعِ المُهاجِرينَ والأَنصارِ، بل إلى مَصارفِها المَعروفينَ. فافهَمْ.
فإنْ قُلتَ: إنَّ قصَّةَ مُعاذٍ اجتِهادٌ منه فلا حُجةَ فيها، قلتُ: كانَ مُعاذٌ أعلَمَ الناسِ بالحَلالِ والحَرامِ، وقد بيَّنَ له النَّبيُّ ﷺ لمَّا أرسَلَه إلى اليَمنِ ما يَصنَعُ به (١).
وقد رَدَّ داودُ الظاهِريُّ وابنُ حَزمٍ خبَرَ مُعاذٍ هذا مِنْ عدَّةِ وُجوهٍ.
قالَ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: قالَ عليٌّ: وهذا لا تَقومُ به حُجةٌ؛ لوُجوهٍ:
(١) «عمدة القاري» (٩/ ٤) وما بعدها.
أولُها: أنَّه مُرسَلٌ؛ لأنَّ طاوُسًا لم يُدرِكْ مُعاذًا ولا وُلدَ إلا بعدَ مَوتِ مُعاذٍ.
والثاني: أنَّه لو صَحَّ لَما كانَت فيه حُجةٌ؛ لأنَّه ليسَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ، ولا حُجةَ إلا فيما جاءَ عنه عليه السلام.
والثالِثُ: أنَّه ليسَ فيه أنَّه قالَ ذلك في الزَّكاةِ، فالكَذبُ لا يَجوزُ، وقد يُمكِنُ لو صحَّ أنْ يَكونَ قالَه لِأهلِ الجِزيةِ، وكانَ يَأخذُ منهم الذُّرةَ والشَّعيرَ والعَرضَ مَكانَ الجِزيةِ.
والرابِعُ: أنَّ الدَّليلَ على بُطلانِ هذا الخبَرِ ما فيه من قَولِ مُعاذٍ: «خَيرٌ لِأهلِ المَدينةِ» وحاشا للهِ أنْ يَقولَ مُعاذٌ هذا، فيَجعلَ ما لم يُوجِبْه اللهُ تعالَى خَيرًا مما أوجَبه (١).
الدَّليلُ الثالِثُ:
ما رَواه الإمامُ أحمَدُ عن أبي عبدِ اللهِ الصُّنابِحيِّ قالَ: «رَأى رَسولُ اللَّهِ ﷺ في إبلِ الصَّدقةِ ناقَةً مُسنَّةً فغضِبَ، وقالَ: ما هذه؟ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إنِّي ارتَجعتُها ببَعيرَينِ من حاشيَةِ الصَّدقةِ، فسكَتَ».
وفي رِوايةٍ لِأبي يَعلى أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَبصَرَ ناقَةً حَسنةً فِي إبلِ الصَّدقةِ فقالَ: «قاتَلَ اللهُ صاحِبَ هذه النَّاقةِ». قالَ: يَا رَسولَ اللهِ إنِّي ارتَجعتُها ببَعيرَينِ مِنْ حَواشِي الإبلِ. فقالَ: «فنَعم إذًا» (٢).
(١) «المحلى» (٦/ ٢٥).
(٢) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٤/ ٣٤٩) ح (١٩٠٨٩) وابن زانجويه في كتاب «الأموال» (٣/ ٣١٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (٣/ ٩٣) ح (١٤٥٣)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ٣٠٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٣/ ١١٣) بإسنادٍ ضعيفٍ قال البُخاريُّ في «التاريخ الأوسط» (١/ ١٦٨) رقم (٧٧٤): لم يَصحَّ حَديثُ الصَّدقةِ.
قالوا: إنَّ فيه دِلالةً على جَوازِ أخذِ القيمةِ فإنَّ أخْذَ الناقةِ ببَعيرَينِ إنَّما يَكونُ باعتِبارِ القيمةِ.
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: إنَّ أداءَ القيمةِ مَكانَ المَنصوصِ عليه في الزَّكاةِ والصَّدقاتِ والعُشورِ والكَفاراتِ جائِزٌ عندَنا؛ خِلافًا للشافِعيِّ رحمة الله عليه فظَنَّ بعضُ أَصحابِنا أنَّ القيمةَ بَدلٌ عن الواجِبِ حتى لقَّبوا هذه المَسألةَ بالأَبدالِ، وليسَ كذلك؛ فإنَّ المَصيرَ إلى البَدلِ لا يَجوزُ إلا عندَ عَدمِ الأصلِ، وأداءُ القيمةِ مع قيامِ عَينِ المَنصوصِ عليه في مِلكِه جائِزٌ عندَنا، حُجتُه في ذلك قَولُه ﷺ: «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ»، وهذا بَيانٌ لِما هو مُجمَلٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ الإِيتاءَ مَنصوصٌ عليه، والمُؤتَى غيرُ مَذكورٍ فالتَحقَ بَيانُه بمُجمَلِ الكِتابِ، فصارَ كأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: وآتُوا الزَّكاةَ من كلِّ أربَعينَ شاةً شاةً» فتَكونُ الشاةُ حقًّا للفَقيرِ بهذا النَّصِّ فلا يَجوزُ الاشتِغالُ بالتَّعليلِ لِإبطالِ حَقِّه من العَينِ، والمَعنى فيه أنَّ هذا حَقٌّ ماليٌّ مُقدَّرٌ بأَسنانٍ مَعلومةٍ شَرعًا فلا يَتأدَّى بالقيمةِ كالهَدايا والضَّحايا، أو يُقالُ: قُربةٌ تَعلَّقت بمَحلِّ عَينٍ فلا يَتأدَّى بغيرِه، كالسُّجودِ لِما تَعلَّقَ بالجَبهةِ والأنفِ لم يَتأدَّ بالخَدِّ والذَّقنِ، وجَوازُ أداءِ البَعيرِ عن خَمسٍ من الإبلِ عَندي باعتِبارِ النَّصِّ لا باعتِبارِ القيمةِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «خُذْ من الإبِلِ الإبِلَ»، إلا أنَّه عندَ قلَّةِ الإبلِ أوجَبَ من خِلافِ الجِنسِ للتَّيسيرِ على أَربابِ الأَموالِ، فإذا سمَحَت نَفسُه بأداءِ البَعيرِ فقد ترَكَ هذا التَّيسيرَ، فجازَ
باعتِبارِ النَّصِّ لا باعتِبارِ القيمةِ، ولنا قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فهو تَنصيصٌ على أنَّ المَأخوذَ مالٌ، وبَيانُ رَسولِ اللهِ ﷺ لِما ذُكرَ للتَّيسيرِ على أَربابِ المَواشي، لا لتَقييدِ الواجِبِ به، فإنَّ أَربابَ المَواشي تَعزُّ فيهم النُّقودُ، والأداءُ مما عندَهم أيسَرُ عليهم، ألَا تَرى أنَّه قالَ في خَمسٍ من الإبِلِ شاةٌ؟ وكَلمةُ «في» حَقيقةٌ للظَّرفِ، وعَينُ الشاةِ لا تُوجَدُ في الإبلِ فعرَفْنا أنَّ المُرادَ قَدرُها من المالِ ورَأى رَسولُ اللهِ ﷺ في إبلِ الصَّدقةِ ناقَةً كَوماءَ، فغضِبَ على المُصدِقِ، وقالَ: «ألَم أَنهَكم عن أَخذِ كَرائمِ أَموالِ الناسِ؟ فقالَ: أخَذتُها ببَعيرَينِ من إبلِ الصَّدقةِ».
وفي رِوايةٍ: «ارتَجعْتُها، فسكَتَ رَسولُ اللهِ ﷺ» (١)، وأخْذُ البَعيرِ ببَعيرَينِ إنَّما يَكونُ باعتِبارِ القيمةِ، وقالَ مُعاذٌ رضي الله عنه في خُطبَتِه باليَمنِ: «ائْتُونِي بخَميسٍ آخُذُه منكم مَكانَ الصَّدقةِ، أو قالَ: مَكانَ الذُّرةِ والشَّعيرِ»، وذلك لا يَكونُ إلا باعتِبارِ القيمةِ والمَعنى فيه أنَّه ملَّك الفَقيرَ مالًا مُتقوَّمًا بنيَّةِ الزَّكاةِ فيَجوزُ، كما لو أدَّى بَعيرًا عن خَمسٍ من الإبلِ، وهذا لأنَّ المَقصودَ إِغناءُ الفَقيرِ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «أَغْنوهُم عن المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ» (٢). والإِغناءُ يَحصلُ بأداءِ القيمةِ كما يَحصلُ بأداءِ الشاةِ، ورُبَّما يَكونُ سَدُّ الخَلةِ بأداءِ القيمةِ أظهَرَ، ولا نَقولُ بأنَّ الواجِبَ حَقُّ الفَقيرِ، ولكنَّ الواجِبَ حَقُّ اللهِ تعالَى خالِصًا، ولكنَّه مَصروفٌ إلى الفَقيرِ ليَكونَ كِفايةً له من اللهِ تعالَى عما وعَدَ له من الرِّزقِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّ الفَقيرِ أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِه له، فكانَ هذا نَظيرَ الجِزيةِ، فإنَّها وجَبَت لكِفايةِ المُقاتِلةِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّهم أنَّه مَحلٌّ
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تَقدَّم.
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تَقدَّم.
صالِحٌ لكِفايتِهم حتى تَتأدَّى بالقيمةِ بخِلافِ الهَدايا والضَّحايا، فإنَّ المُستحَقَّ فيها إِراقةُ الدَّمِ حتى ولو هلَكَ بعدَ الذَّبحِ قبلَ التَّصدُّقِ به لم يَلزمْه شَيءٌ، وإِراقةُ الدَّمِ ليسَ بمُتقوَّمٍ ولا مَعقولِ المَعنى، والسُّجودُ على الخَدِّ والذَّقنِ ليسَ بقُربةٍ أصلًا حتى إنَّه لا يُتنفَّلُ به ولا يُصارُ إليه عندَ العَجزِ، وما ليسَ بقُربةٍ لا يُقامُ مَقامَ القُربةِ، فأمَّا التَّصدُّقُ بالقيمةِ فقُربةٌ، وفيه سَدُّ خَلةِ الفَقيرِ فيَحصُلُ به ما هو المَقصودُ (١).
وقد ناقَشَ هذا الدَّليلَ فَضيلةُ الشَّيخِ عَطية سالِم رحمة الله عليه فقالَ: أمَّا الناقةُ الحَسنةُ التي رَآها ﷺ، وأنَّها بَدلٌ من بَعيرَينِ، فهو من جِنسِ الاستِبدالِ بالجِنسِ عَملًا للمَصلَحةِ لم تَخرُجْ عن جِنسِ الواجِبِ (٢).
الدَّليلُ الرابِعُ:
ما رَواه البُخاريُّ رحمة الله عليه في بابِ العَرضِ في الزَّكاةِ:
قال: حدَّثَنا مُحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ قالَ: حدَّثَني أبي قالَ: حَدَّثَني ثُمامَةُ «أنَّ أَنسًا رضي الله عنه حدَّثَه أنَّ أَبا بَكرٍ رضي الله عنه كتَبَ له التي أمَرَ اللهُ رَسولَه ﷺ ومَن بلَغَتْ صَدقتُه بِنتَ مَخاضٍ وليسَت عندَه وعندَه بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُقبَلُ منه ويُعطِيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ، فإنْ لم يَكنْ عندَه بِنتُ مَخاضٍ على وَجهِها وعندَه ابنُ لَبونٍ فإنَّه يُقبَلُ منه وليسَ معه شَيءٌ» (٣).
(١) «المبسوط» (٢/ ١٥٧) وما بعدَها.
(٢) «تتمة أضواء البيان» (٨/ ٢٨٧).
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٢/ ٢٥٢) (٣٢) بَاب الْعَرْضِ في الزَّكاة ح (١٣٨٠).
قالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه: مُطابَقتُه للتَّرجمةِ من حيثُ جَوازُ إِعطاءِ سِنٍّ من الإبلِ بَدلَ سِنٍّ أُخرى، ولمَّا صحَّ إِعطاءُ العامِلِ الجُبرانَ صحَّ العَكسُ أيضًا، ولمَّا جازَ أخذُ الشاةِ بَدلَ تَفاوُتِ سِنِّ الواجِبِ جازَ أخذُ العَرضِ بَدلَ الواجِبِ (١).
ورَواه البُخاريُّ أيضًا في بابِ مَنْ بلَغَتْ عندَه صَدقةُ بِنتِ مَخاضٍ وليسَت عندَه قالَ: «حدَّثَنا مُحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ قالَ: حدَّثَني أبي قالَ: حدَّثَني ثُمامَةُ أنَّ أَنسًا رضي الله عنه حدَّثَه أنَّ أَبا بَكرٍ رضي الله عنه كتَبَ له فَريضةَ الصَّدقةِ التي أمَرَ اللهُ رَسولَه ﷺ: مَنْ بلَغَتْ عندَه من الإبلِ صَدقةُ الجذَعةِ وليسَت عندَه جَذعَةٌ وعندَه حِقَّةٌ فإنَّها تُقبَلُ منه الحِقَّةُ، ويَجعَلُ معَها شاتَينِ إنِ استَيسَرتا له أو عِشرينَ دِرهمًا، ومَن بلَغَتْ عندَه صَدقةُ الحِقَّةِ وليسَت عندَه الحِقَّةُ وعندَه الجَذعةُ فإنَّها تُقبلُ منه الجَذعةُ ويُعطِيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ، ومَن بلَغَتْ عندَه صَدقةُ الحِقَّةِ وليسَت عندَه إلا بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُقبَلُ منه بِنتُ لَبونٍ ويُعطِي شاتَينِ أو عِشرينَ دِرهمًا، ومَن بلَغَتْ صَدقتُه بِنتَ لَبونٍ وعندَه حِقَّةٌ فإنَّها تُقبَلُ منه الحِقَّةُ ويُعطِيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ، ومَن بلَغَتْ صَدقتُه بِنتَ لَبونٍ وليسَت عندَه وعندَه بِنتُ مَخاضٍ فإنَّها تُقبَلُ منه بِنتُ مَخاضٍ ويُعطِي معَها عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ» (٢).
(١) «عمدة القاري» (٩/ ٦).
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٢/ ٥٢٧) (٣٦) بَابُ من بَلغَت عندَه صَدقةُ بنتِ مَخاضٍ وليسَت عندَه ح (١٣٨٥).
وقالَ العَينيُّ رحمة الله عليه: وفي قَولِه: «أو عِشرينَ»، دَليلٌ على أنَّ دَفعَ القِيمِ في الزَّكاةِ جائِزٌ خِلافًا للشافِعيِّ، وأيضًا فإنَّ قَولَه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. جعَلَ فيه مَحلَّ الأخذِ ما يُسمَّى مالًا، ثم التَّقييدُ بأنَّها شاةٌ أو نَحوُها زِيادةٌ على كِتابِ اللهِ تَعالى، وأنَّه يَجري مَجرى النَّسخِ فلا يَجوزُ ذلك بخبَرِ الواحِدِ والقياسِ، وأمَّا ما ورَدَ من ذِكرِ عَينِ الشاةِ وذِكرِ عَينِ صِنفٍ من أَصنافِ الإبلِ والبَقرِ فلبَيانِ الواجِبِ بما سُمِّيَ، وتَخصيصُ المُسمَّى لبَيانِ أنَّه أيسَرُ على صاحِبِ الماشيةِ، ألَا تَرى أنَّه ﷺ لمَّا قالَ: في الخَمسِ من الإبلِ شاةٌ، وحَرفُ «في» حَقيقةً للظَّرفِ، وعَينُ الشاةِ لا تُوجَدُ في الإبلِ، عَرَفنا أنَّ المُرادَ قَدرُها من المالِ.
قالَ الخَطابيُّ: وفيه: دَليلٌ على أنَّ كلَّ واحِدةٍ من الشاةِ والعِشرينَ دِرهمًا أصلٌ في نَفسِه ليسَت ببَدلٍ، وذلك أنَّه خيَّرَه بحَرفِ: «أو».
قُلنا: لا دَليلَ له على هذا الكَلامِ، بل التَّخييرُ يَدلُّ على أنَّ الأصلَ قَدرُها من المالِ، كما قرَّرْناه (١).
مُناقَشةُ هذا الدَّليلِ:
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: ومَوضِعُ الدِّلالةِ منه قَبولُ ما هو أنفَسُ مما يَجبُ على المُتصدِّقِ، وإِعطاؤُه التَّفاوُتَ من جِنسِ غيرِ الجِنسِ الواجِبِ، وكذا العَكسُ لكنْ أجابَ الجُمهورُ عن ذلك بأنَّه لو كانَ كذلك لَكانَ يُنظَرُ إلى ما بينَ الشَّيئَينِ في القيمةِ، فكانَ العَرضُ يَزيدُ تارةً ويَنقُصُ أُخرى لاختِلافِ ذلك في الأمكِنةِ والأزمِنةِ، فلمَّا قدَّرَ الشارِعُ التَّفاوُتَ بمِقدارٍ مُعيَّنٍ لا يَزيدُ ولا يَنقُصُ
(١) «عمدة القاري» (٩/ ١٧).
كانَ ذلك هو الواجِبَ في الأصلِ في مِثلِ ذلك، ولولا تَقديرُ الشارِعِ بذلك لَتعيَّنَت بِنتُ المَخاضِ مَثلًا، ولم يَجزْ أنْ تُبدَّلَ بِنتُ لَبونٍ مع التَّفاوُتِ واللهُ ﷾ أعلمُ (١).
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «فإذا بلَغَتْ خَمسًا وعِشرينَ ففِيها بِنتُ مَخاضٍ، فَإِنْ لم يَكنْ فيها بِنتُ مَخاضٍ فَابنُ لَبونٍ ذَكرٌ» (٢)، وفيه دَليلانِ:
أحَدُهما: أنَّه أمرَ أنْ يَأخذَ ابنَ لَبونٍ على وَجهِ البَدلِ عندَ عَدمِ بِنتِ مَخاضٍ، وأبو حَنيفةَ يُجيزُ أخْذَه على وَجهِ القيمةِ مع وُجودِ بِنتِ مَخاضٍ.
والثاني: نَصَّ على شَيئَينِ على التَّرتيبِ وأبو حَنيفةَ يُجيزُ ثالِثًا وهو القيمةُ، ويُسقِطُ التَّرتيبَ، ورُويَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «ومَن بلَغَت صَدقتُه جَذعةً وليسَت عندَه جَذعةٌ وعندَه حقَّةٌ فإنَّها تُؤخذُ منه ويَجعَلُ معها شاتَينِ إنِ استَيسَرَ، أو عِشرينَ دِرهمًا» (٣) وفيه دَليلانِ كالذي قبلَه.
(١) «فتح الباري» (٣/ ١١٣).
(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» (٢/ ٩٦) كتاب الزَّكاة (٥) باب في زَكاة الماشية ح (١٥٦٧)، والنسائي في «الصغرى» (٥/ ١٩) كتاب الزَّكاة (٥) باب زَكاة الإبل ح (٢٤٤٧) وابن ماجه في «سننه» (١/ ٥٧٤) كتاب الزَّكاة (٩) باب صدقة الإبل ح (١٧٩٩)، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٢/ ١٥) ح (٤٦٣٤)، وصحَّحه الشَّيخُ الألبانِيُّ في «صحيحِ وضعيفِ أبي داود» (١٥٦٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
ثم قُدِّرَ البَدلُ من الدَّراهمِ بعِشرينَ دِرهمًا، والقيمةُ غيرُ مُقدَّرةٍ بالشَّرعِ كقِيمِ المُتلَفاتِ، وإنَّما البَدلُ مُقدَّرٌ بالشَّرعِ كالدِّياتِ، وهذا دَليلٌ ثالِثٌ من الخبَرِ، وهو أَقواها؛ ولأنَّه عدَلَ عن المَنصوصِ عليه إلى غيرِه فلم يُجزئْه كسُكنى دارِه، وهو أنْ يُسكِنَها الفُقراءَ مُدةً تَكونُ أُجرَتُها قَدرَ زَكاتِه؛ ولأنَّه إِخراجُ قيمةٍ في الزَّكاةِ، فوجَبَ ألَّا يُجزِئَه، كما لو أخرَجَ نِصفَ صاعٍ تَمرًا وَسطًا عن صاعِ تَمرٍ رَديءٍ، أو أخرَجَ شاةً سَمينةً عن شاتَينِ مَهزولَتينِ؛ ولأنَّه حَقٌّ في مالٍ يُخرَجُ على وَجهِ الطُّهرةِ فلم يَجزْ إِخراجُ قيمَتِه كالعِتقِ في الكَفارةِ.
فإنْ قيلَ: هو باطِلٌ بجَزاءِ الصَّيدِ يَجوزُ عندَكم إِخراجُ قيمَتِه، قيلَ: غَلطٌ؛ لأنَّ القيمةَ ليسَت مُخرَجةً، وإنَّما يَتعذَّرُ بها البَدلُ المُخرَجُ، ألَا تَراه يُقوِّمُ الجَزاءَ دَراهمَ ثم تُصرفُ الدَّراهمُ في طَعامٍ ولا تُخرَجُ الدَّراهِمُ؟
ولأنَّ الزَّكاةَ تَشتمِلُ على مُقدَّرٍ مَأخوذٍ وهو الزَّكاةُ، ومُقدَّرٍ مَتروكٍ وهو النِّصابُ، فلمَّا ثبَتَ أنَّ القَدرَ المَتروكَ لا يَقومُ مَقامَه ما كانَ في مَعناه، وهو أنْ يَكونَ معه أربَعةٌ من الإبلِ ثَنايا تُساوي خَمسًا من الإبلِ دونَ الثَّنايا وجَبَ أنْ يَكونَ المِقدارُ المَأخوذُ لا يَقومُ مَقامَه ما كانَ في مَعناه.
وتَحريرُ ذلك قِياسًا أنَّه أحَدُ مُقدَّريِ الزَّكاةِ، فوجَبَ ألَّا يُقيَّمَ غيرَ مَقامِه، وإنْ كانَ في معناه كالنِّصابِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَشتمِلُ على مالٍ مُزكًّى وقَدرٍ مُؤدًّى، فلمَّا كانَ المالُ المُزكَّى مُخصوصًا في بعضِ الأَموالِ دونَ بعضٍ وجَبَ أنْ يَكونَ القَدرُ المُؤدَّى مَخصوصًا في بعضِ الأَموالِ دونَ بَعضٍ.
وتَحريرُ ذلك قِياسًا أنَّه أحَدُ نَوعَيِ الزَّكاةِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ في مالٍ مَخصوصٍ كالمالِ المُزكَّى (١).
وقالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: القَولُ في حَقيقةِ الصَّدقةِ أنَّه جُزءٌ من المالِ مُقدَّرٌ مُعيَّنٌ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: إنَّها جُزءٌ من المالِ مُقدَّرٌ، فجُوِّزَ إِخراجُ القيمةِ في الزَّكاةِ؛ إذْ زعَمَ أنَّ التَّكليفَ والابتِلاءَ إنَّما هو في نَقصِ الأَموالِ، وذُهلَ عن التَّوفيةِ لحَقِّ التَّكليفِ في تَعيينِ الناقِصِ، وأنَّ ذلك يُوازِي التَّكليفَ في قَدرِ الناقِصِ فإنَّ المالِكَ يُريدُ أنْ يَبقى مِلكُه بحالِه ويُخرِجَ من غيرِه عنه، فإذا مالَت نَفسُه إلى ذلك وعلِقَت به كانَ التَّكليفُ قَطعَ تلك العَلاقةِ التي هي بينَ القَلبِ وبينَ ذلك الجُزءِ من المالِ، فوجَبَ إِخراجُ ذلك الجُزءِ بعَينِه.
فإنْ قيلَ: فقد رَوى البُخاريُّ وغيرُه في كِتابِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ بالصَّدقةِ: «ومَن بلَغَت صَدقتُه بِنتَ مَخاضٍ وليسَت عندَه وعندَه بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُقبَلُ منه ويُعطيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ».
قُلنا: قد أجابَ عنه عُلماؤُنا بأربَعةِ أجوِبةٍ:
أحدُها: أنَّ هذا خبَرٌ واحِدٌ يُخالِفُ الأُصولَ وعندَهم إذا خالَفَ خبَرُ الواحِدِ الأُصولَ بطَلَ في نَفسِه.
الثاني: أنَّ هذا الحَديثَ لم يُخرجْ مُخرجَ التَّقويمِ بدَليلِ أنَّه لم يَقلْ: ومَن بلَغَت صَدقتُه بِنتَ مَخاضٍ وعندَه بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُؤخذُ منه ويُعطَى عِشرينَ
(١) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٨٠، ١٨١).
دِرهمًا، وإنَّما كانَ القياسُ أنْ يَقولَ: فإنَّها تُؤخذُ منه إذا عُرفَت قيمَتُها فلمَّا عَدلَ عن القيمةِ إلى التَّقديرِ والتَّحديدِ بتَعيينِ الشاتَينِ أو العِشرينَ دِرهمًا دَلَّ على أنَّه خرَجَ مَخرجَ العِبادةِ.
الثالِثُ: أنَّ هذا إنَّما جُوِّزَ في الجُبرانِ ضَرورةُ اختِلافِ السِّنينِ ولا ضَرورةَ إلى إِجزائِه في الأصلِ فبقِيَ على حالِه.
الرابِعُ: كِتابُ عُمرَ في الصَّدقةِ الذي رَواه مالِكٌ وعُملَ به في الأَقطارِ والأَمصارِ أَوْلى من كِتابِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ الذي لم يَجئْ إلا من طَريقٍ واحِدةٍ ولَعلَّه كانَ لقَضيَّةٍ في عَينٍ مَخصوصةٍ (١).
وقالَ فَضيلةُ الشَّيخِ عَطية سالِم رحمة الله عليه: أمَّا التَّعويضُ بينَ الجَذَعةِ والمُسنَّةِ أو الحِقَّةِ إلى آخِرِه في الإبِلِ بشاتَينِ أو عِشرينَ دِرهَمًا، وهو المَنصوصُ في حَديثِ أنَسٍ في كِتابِ الأَنصباءِ المُتقدِّمِ … فليسَ في هذا دَليلٌ على قَبولِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ؛ لأنَّ نَصَّ الحَديثِ: فمَن وجَبَت عليه سِنٌّ مُعيَّنةٌ وليسَت عندَه، وعندَه أَعلى أو أنزَلُ منها فلِلعدالةِ بينَ المالِكِ والمِسكينِ جعَلَ الفَرقَ لعَدمِ الحَيفِ، ولم يَخرُجْ عن الأصلِ، وليسَ فيه أخذُ القِيمةِ مُستقلَّةً، بل فيه أخذُ المَوجودِ ثم جبْرُ الناقِصِ.
فلو كانَت القيمةُ بذاتِها وَحدَها تُجزِئُ لَصرَّحَ بها ﷺ ولا يَجوزُ هذا العَملُ إلا عندَ افتِقادِ المَطلوبِ، والأَصنافُ المَطلوبةُ في زَكاةِ الفِطرِ إذا عُدمَت أمكنَ الانتِقالَ الى المَوجودِ مما هو من جِنسِه لا إلى القيمةِ، وهذا واضِحٌ.
(١) «أحكام القرآن» (٢/ ٥٢٠) وما بعدَها.
وقالَ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه في «الفَتحِ»: لو كانَت القيمةُ مَقصودةً لَاختلَفت حَسَبَ الزَّمانِ والمَكانِ، ولكنَّه تَقديرٌ شَرعيٌّ (١).
الدَّليلُ الخامِسُ:
ما قالَه الإمامُ البُخاريُّ رحمة الله عليه في بَابِ العَرضِ في الزَّكاةِ:
وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «تَصدَّقنَ ولَو من حُليِّكنَّ» (٢) قالَ البُخاريُّ: فلم يَستَثنِ صَدقةَ الفَرضِ من غيرِها، فجعَلَتِ المَرأَةُ تُلقِي خُرصَها وسِخابَها، ولم يَخُصَّ الذَّهبَ والفضَّةَ من العُروضِ (٣).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: ومَوضعُ الاستِدلالِ منه للعَرضِ قَولُه وسِخابَها؛ لأنَّه قِلادةٌ تُتَّخذُ من مِسكٍ وقَرَنفُلٍ ونحوِهما تُجعَلُ في العُنقِ، والبُخاريُّ فيما عُرفَ بالاستِقراءِ من طَريقَتِه يَتمسَّكُ بالمُطلَقاتِ تَمسُّكَ غيرِه بالعُموماتِ (٤).
وقالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه: مُطابَقتُه للتَّرجمةِ في قَولِه: «خُرصَها وسِخابَها»؛ لأنَّه ﷺ أمَرَهنَّ بالصَّدقةِ ولم يُعيِّنِ الفَرضَ من غَيرِه، ثم إِلقاؤُهنَّ الخُرصَ والسِّخابَ وعَدمُ رَدِّه ﷺ إيَّاها منهُنَّ دَليلٌ على أخذِ العُروضِ في الزَّكاةِ.
(١) «تتمة أضواء البيان» (٨/ ٢٨٧).
(٢) رواه البخاري هنا مُعلَّقًا (٢/ ٥٢٥) ووصَله في (٢/ ٥٣٣) (٤٧) باب الزَّكاة على الزوج والأيتام ح (١٣٩٧)، وأخرجه مسلم في «صحيحه» (٢/ ٦٩٤) بابُ فضلِ النَّفقةِ والصَّدقةِ على الأَقربِينَ والزَّوجِ والأولادِ والوالِدينِ ولو كانوا مُشرِكينَ ح (١٠٠٠).
(٣) «صحيح البخاري» (٢/ ٥٢٥).
(٤) «فتح الباري» (٣/ ٣١٣).
ويُفهَمُ من كَلامِه أنَّه لم يُفرِّقْ بينَ مَصارفِ الزَّكاةِ وبينَ مَصارفِ الصَّدقةِ؛ لأنَّ المَقصودَ منها القُربةُ، والمَصروفُ إليه الفَقيرُ والمُحتاجُ. وقالَ الإِسماعيليُّ: هذا حَثٌّ على الصَّدقةِ ولو مِنْ أنفَسِ مالٍ، وليسَ في ذلك فَرضٌ، فلو كانَ من الفَرضِ لَقالَ: أدِّينَ صَدقةَ أَموالِكنَّ.
قُلتُ: مَعنى: تَصدَّقْنَ: أدِّينَ صَدقاتِكنَّ، وهُنَّ أُمِرنَ بالصَّدقةِ، وهو يَتناوَلُ الفَرضَ والنَّفلَ، ولكنَّ هذا اللَّفظَ إذا أُطلِق يَكونُ المُرادُ منه الكَمالَ، وذلك لا يَكونُ إلَّا في الفَرضِ، ثم هذا التَّعليقُ قِطعةٌ من حَديثٍ لِابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما، أخرَجَه البُخاريُّ مَوصولًا، وقد تَقدَّمَ في العِيدَينِ في: بابِ العِلمِ الذي في المُصلَّى. قَولُه: «ولَو مِنْ حُليِّكنَّ»، أي: ولو كانَت صَدقتُكنَّ من حُليِّكنَّ، بضَمِّ الحاءِ وكَسرِ اللَّامِ وتَشديدِ الياءِ آخِرِ الحُروفِ: جَمعُ حَلْيٍ بفَتحِ الحاءِ وسُكونِ اللَّامِ، وهذا للمُبالَغةِ.
قَولُه: (فلَم يَستَثنِ صَدقةَ الفَرضِ من غيرِها) من كَلامِ البُخاريِّ. قَولُه: (خُرصَها)، بضَمِّ الخاءِ المُعجَمةِ وسُكونِ الراءِ وفي آخِرِه صادٌ مُهمَلةٌ: وهو الحَلقةُ التي تُعلَّقُ في الأُذنِ، وقالَ الكَرمانِيُّ: بكَسرِ الخاءِ أيضًا. قَولُه: (وسِخابَها)، بكَسرِ السِّينِ المُهمَلةِ وهي القِلادةُ. قَولُه: (ولم يَخصَّ) إلى آخِرِه من كَلامِ البُخاريِّ، ذكَرَه لكَيفيَّةِ استِدلالِه على أداءِ العَرضِ في الزَّكاةِ (١).
(١) «عمدة القاري» (٩/ ٥، ٦).
ونُوقِشَ هذا الدَّليلُ:
قالَ القَسطلاَّنِيُّ رحمة الله عليه: لكنَّ قَولَه: «ولَو مِنْ حُليِّكنَّ» يَدلُّ على أنَّها لم تَكنْ صَدقةً مَحدودةً على حَدِّ الزَّكاةِ، فلا حُجةَ فيه، والصَّدقةُ إذا أُطلقَت حُملَت على التَّطوُّعِ عُرفًا (١).
والجَوابُ عليه ما قالَه العَينيُّ من قَبلُ.
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: وأمَّا مِنْ وَجهِه فقالَ لمَّا أمرَ النَّبيُّ ﷺ النِّساءَ بالصَّدقةِ في ذلك اليَومِ، وأمْرُه على الوُجوبِ صارَتْ صَدقةً واجِبةً، ففيه نَظرٌ؛ لأنَّه لو كانَ للإِيجابِ هنا لَكان مُقدَّرًا وكانَت المُجازَفةُ فيه، وقَبولُ ما تَيسَّرَ غيرُ جائِزٍ (٢).
الدَّليلُ السادِسُ:
عُمومُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فهو تَنصيصٌ على أنَّ المَأخوذَ مالٌ، والقيمةَ مالٌ، فأشبَهَت المَنصوصَ عليه.
قالوا: وأمَّا بَيانُ رَسولِ اللهِ لِما ذُكرَ من قَولِه: «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ» (٣)، فقد قالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: فهو للتَّيسيرِ على أَربابِ
(١) «إرشاد الساري شرح صحيح البخاري».
(٢) «فتح الباري» (٣/ ٣١٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أخرجه أبو داود في «سننه» (٢/ ٩٨) كتاب الزَّكاة (٥) باب في زَكاة الماشية ح (١٥٦٨)، وأخرجه الترمذي في «سننه» (٣/ ١٧) كتاب الزَّكاة (٤) باب ما جاءَ في زَكاة الإبل والغنم ح (٦٢١).
المَواشي، لا لتَقييدِ الواجِبِ به، فإنَّ أَربابَ المَواشي تَعزُّ فيهم النُّقودُ والأداءُ مما عندَهم أيسَرُ عليهم.
ألَا تَرى أنَّه قالَ: «في خَمسٍ من الإبلِ شاةٌ»، وكَلِمة «في» حَقيقةٌ للظَّرفِ، وعَينُ الشاةِ لا تُوجَدُ في الإبلِ، فعَرَفنا أنَّ المُرادَ قَدرُها من المالِ «رَأى في إبلِ الصَّدقةِ ناقَةً كَوماءَ فغضِبَ على المُصدقِ وقالَ: ألَم أَنهَكُم عن أَخذِ كَرائمِ أَموالِ الناسِ؟ فقالَ: أخَذْتُها ببَعيرَينِ من إبلِ الصَّدقةِ»، وفي رِوايَةٍ: «ارْتجَعتُها، فسكَتَ رَسولُ اللهِ ﷺ» (١) وأخْذُ البَعيرِ ببَعيرَينِ إنَّما يَكونُ باعتِبارِ القيمةِ.
وقالَ مُعاذٌ رضي الله عنه في خُطبتِه باليَمنِ: «ائْتُوني بخَميسٍ آخُذْ منكم مَكانَ الصَّدقةِ، أو قالَ: مَكانَ الذُّرةِ والشَّعيرِ»، وذلك لا يَكونُ إلا باعتِبارِ القيمةِ.
(١) رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٤/ ٣٤٩) ح (١٩٠٨٩)، وابن زانجويه في «كتاب الأموال» (٣/ ٣١٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (٣/ ٩٣) ح (١٤٥٣)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ٣٠٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٣/ ١١٣) بإسنادٍ ضعيفٍ، قال البُخاريُّ في «التاريخ الأوسط» (١/ ١٦٨) رقم (٧٧٤): لم يَصحَّ حَديثُ الصَّدقةِ.
ولفظُ الإمامِ أحمدَ هو: عن أبي عبدِ اللهِ الصُّنابحيِّ قال: «رَأى رَسولُ اللَّهِ ﷺ في إبِلِ الصَّدقةِ ناقَةً مُسنَّةً فغضِبَ وقالَ: ما هذه؟ فقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي ارتَجعْتُها ببَعيرَينِ من حاشِيَةِ الصَّدقةِ فسكَتَ».
وفي روايةٍ لأبي يَعلَى أَنَّ رَسولَ الله ﷺ أَبصَرَ ناقَةً حَسنةً فِي إبِلِ الصَّدقةِ فقالَ: «قاتَلَ اللهُ صاحِبَ هذه النَّاقةِ». قالَ: يا رَسولَ الله إنِّي ارتَجعْتُها ببَعيرَينِ مِنْ حَواشِي الإبِلِ. فقالَ: «فنَعم إذًا».
والمَعنى فيه أنَّه ملَّك الفَقيرَ مالًا مُتقوَّمًا بنيَّةِ الزَّكاةِ، فيَجوزُ كما لو أدَّى بَعيرًا عن خَمسٍ من الإبلِ، وهذا؛ لأنَّ المَقصودَ إِغناءُ الفَقيرِ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «أَغْنوهُم عن المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ» (١)، والإِغناءُ يَحصلُ بأداءِ القيمةِ كما يَحصلُ بأداءِ الشاةِ، ورُبَّما يَكونُ سَدُّ الخَلةِ بأداءِ القيمةِ أظهَرَ، ولا نَقولُ بأنَّ الواجِبَ حَقُّ الفَقيرِ، ولكنَّ الواجِبَ حَقُّ اللهِ تعالَى خالِصًا ولكنَّه مَصروفٌ إلى الفَقيرِ ليَكونَ كِفايةً له من اللهِ تعالَى عمَّا وعَدَ له من الرِّزقِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّ الفَقيرِ أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِه له، فكانَ هذا نَظيرَ الجِزيةِ؛ فإنَّها وجَبَت لِكفايةِ المُقاتِلةِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّهم أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِهم حتى تَتأدَّى بالقيمةِ بخِلافِ الهَدايا والضَّحايا، فإنَّ المُستحَقَّ فيها إِراقةُ الدَّمِ حتى لو هلَكَ بعدَ الذَّبحِ قبلَ التَّصدُّقِ به لم يَلزمْه شَيءٌ، وإِراقةُ الدَّمِ ليسَ بمُتقوَّمٍ ولا مَعقولِ المَعنى، والسُّجودُ على الخَدِّ والذَّقنِ ليسَ بقُربةٍ أصلًا حتى إنَّه لا يُتنفَّلُ به ولا يُصارُ إليه عندَ العَجزِ، وما ليسَ بقُربةٍ لا يُقامُ مَقامَ القُربةِ، فأمَّا التَّصدُّقُ بالقيمةِ فقُربةٌ، وفيه سَدُّ خَلةِ الفَقيرِ فيَحصُلُ به ما هو مَقصودٌ (٢).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تَقدَّم.
(٢) «المبسوط» (٢/ ١٥٦، ١٥٧) وقد قال قبلَ هذا الكَلامِ: إنَّ أداءَ القيمةِ مَكانَ المَنصوصِ عليه في الزَّكاةِ والصَّدقاتِ والعُشورِ والكَفَّاراتِ جائِزٌ عندَنا خِلافًا لِلشافِعيِّ رحمة الله عليه، فظَنَّ بَعضُ أصحابِنا أنَّ القيمةَ بَدلٌ عن الواجِبِ حتى لَقَّبوا هذه المَسألةَ بالأبدالِ، وليس كذلك، فإنَّ المَصيرَ إلى البَدلِ لا يَجوُز إلا عندَ عَدمِ الأصلِ، وإنَّ أداءَ القيمةِ مع قيامِ عَينِ المَنصوصِ عليه في مِلكِه جائِزٌ عندَنا (حُجَّتُه) في ذلك قَولُه: في أربَعينَ شاةً شاةُ، وهذا بَيانٌ لما هو مُجمَلٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ الإيتاءَ مَنصوصٌ عليه، والمُؤتَى غَيرُ مَذكورٍ، فالتحَق بَيانُه بمُجمَلِ الكِتابِ، فصارَ كأنَّ اللهَ تَعالى قال: وآتُوا الزَّكاةَ من كلِّ أربَعين شاةً شاةً، فتَكونُ الشاةُ حَقًّا لِلفَقيرِ بهذا النَّصِّ، فلا يَجوزُ الاشتِغالُ بالتَّعليلِ لِإبطالِ حَقِّه من العَينِ، والمَعنى فيه أنَّ هذا حَقٌّ ماليٌّ مُقدَّرٌ بأسنانٍ مَعلومةٍ شَرعًا فلا يَتأدَّى بالقيمةِ كالهَدايا والضَّحايا، أو يُقالُ: قُربةٌ تَعلَّقت بمَحلِّ عَينٍ فلا يَتأدَّى بغَيرِه كالسُّجودِ لَمَّا تَعلَّق بالجَبهةِ والأنفِ لم يَتأدَّ بالخَدِّ والذَّقنِ، وجَوازُ أداءِ البَعيرِ عن خَمسٍ من الإبِلِ عندي باعتبارِ النَّصِّ لا باعتبارِ القيمةِ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «خُذ من الإبِلِ الإبِلَ»، إلا أنَّه عندَ قِلَّةِ الإبِلِ أوجَبَ من خِلافِ الجِنسِ لِلتَّيسيرِ على أربابِ الأموالِ، فإذا سَمَحت نَفسُه بأداءِ البَعيرِ فقد ترَك هذا التَّيسيرَ فجازَ باعتبارِ النَّصِّ لا باعتبارِ القيمةِ. اه. ثم قال: ولنا قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ثم ذكَر ما ذكَرتُه عنه أعلى الصَّفحةِ، وانظُر: «شَرح فَتحِ القَديرِ» لابنِ الهُمامِ (٢/ ١٩٣).
وقد نُوقِشَ هذا الاستِدلالُ بأنَّ السُّنةَ تُبيِّنُ القُرآنَ، وقد نَصَّ النَّبيُّ ﷺ على أَجناسٍ بعَينِها بقَولِه ﷺ: «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ» (١)، وهذا بَيانٌ لما هو مُجمَلٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ الإِيتاءَ مَنصوصٌ عليه، والمُؤتَى غيرُ مَذكورٍ فالتحَقَ بَيانُه بمُجملِ الكِتابِ فصارَ كأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: «وآتُوا الزَّكاةَ من كلِّ أربَعينَ شاةً شاةً» فتَكونُ الشاةُ حَقًّا للفَقيرِ بهذا النَّصِّ، فلا يَجوزُ الاشتِغالُ بالتَّعليلِ لإبطالِ حَقِّه من العَينِ، والمَعنى فيه أنَّ هذا حَقٌّ ماليٌّ مُقدَّرٌ بأَسنانٍ مَعلومةٍ شَرعًا فلا يَتأدَّى بالقيمةِ كالهَدايا والضَّحايا، أو يُقالُ: قُربةٌ تَعلَّقَت بمَحلِّ عَينٍ فلا يَتأدَّى بغيرِه كالسُّجودِ لمَّا تَعلَّقَ بالجَبهةِ والأنفِ لم يَتأدَّ بالخَدِّ والذَّقنِ، فالقَولُ عندَئذٍ بجَوازِ القيمةِ مُخالَفةٌ للنَّصِّ، وخُروجٌ عن مَعنى التَّعبُّدِ (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٢) انظر: «المبسوط» المَصدر السَّابِق. وقد أجاب الإمامُ السرخسيُّ عن كلِّ هذا بما تَقدَّم.
وقالَ إمامُ الحَرمَينِ رحمة الله عليه في «الأساليب»: المُعتمَدُ في الدَّليلِ لِأَصحابِنا أنَّ الزَّكاةَ قُربةٌ للهِ تَعالى، وكلُّ ما كانَ كذلك فسَبيلُه أنْ يُتَّبعَ فيه أمرُ اللهِ تَعالى (١).
ولكنْ قد يُقالُ: إنَّ هذا سَببُ الخِلافِ في المَسألةِ هل هي قُربةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ لِلمَساكينِ، ولذلك قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وسَببُ اختِلافِهم: هل الزَّكاةُ عِبادةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ لِلمَساكينِ؟
فمَن قالَ: هي عِبادةٌ قالَ: إنْ أخرَج من غيرِ تلك الأعيانِ لم يَجُزْ؛ لأنَّه إذا أتى بالعِبادةِ على غيرِ الجِهةِ المَأمورِ بها فهي فاسِدةٌ، ومَن قالَ: هي حَقٌّ لِلمَساكينِ فلا فَرقَ بينَ القيمةِ والعَينِ عندَه.
وقد قالَ الشافِعيةُ لنا أنْ نَقولَ: وإنْ سلَّمنا أنَّها حَقٌّ لِلمَساكينِ فالشارِعُ إنَّما علَّق الحَقَّ بالعَينِ قَصدًا منه لِتَشريكِ الفُقراءِ مع الأغنياءِ في أعيانِ الأَموالِ.
والحَنفيةُ تَقولُ: إنَّما خُصَّتْ بالذِّكرِ أعيانُ الأَموالِ تَسهيلًا على أربابِ الأَموالِ؛ لأنَّ كلَّ ذي مالٍ إنَّما يَسهُلُ عليه الإِخراجُ من نَوعِ المالِ الذي بينَ يدَيه، ولذلك جاءَ في بعضِ الأثَرِ أنَّه جعَلَ في الدِّيةِ على أهلِ الحُللِ حُللًا على ما يَأتي في كِتابِ الحُدودِ (٢).
(١) نقَله رحمة الله عليه عنه في «المجموع» (٥/ ٣٨٥).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ١٩٦).
الدَّليلُ السابِعُ:
قالوا: إنَّ زَكاةَ الفِطرِ مِثلُ الجِزيةِ يُؤخَذُ فيها قَدرُ الواجِبِ كما تُؤخذُ عَينُه (١).
وقد نُوقشَ هذا الدَّليلُ بأنَّه لا دَليلَ فيه؛ إذْ زَكاةُ الفِطرِ فيها جانِبُ تَعبُّدٍ، وفيها ارتِباطٌ برُكنٍ في الإِسلامِ.
وأمَّا الجِزيةُ فهي عُقوبةٌ على أهلِ الذِّمةِ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ، فأيُّما أُخِذ منهم فهو وافٍ بالغَرضِ (٢).
الدَّليلُ الثامِنُ:
قالوا: ولأنَّه لمَّا جازَ العُدولُ عن العَينِ إلى الجِنسِ بالإِجماعِ، بأنْ يُخرِجَ زَكاةَ غَنمِه شاةً من غيرِ غَنمِه، أو أنْ يُخرِجَ عُشرَ أرضِه حَبًّا من غيرِ زَرعِه جازَ العُدولُ من جِنسٍ إلى جِنسٍ. ألَا تَرى أنَّه في حُقوقِ الآدَميِّينَ لمَّا لم يَجزِ العُدولُ من العَينِ إلى الجِنسِ لم يَجزِ العُدولُ من جِنسٍ إلى جِنسٍ.
وأجابَ المانِعونَ عن هذا: بأنَّ هذا قِياسُ العَكسِ، على أنَّ الواجِبَ عليه أنْ يُزكِّيَ من جِنسِ مالِه لا مِنْ عَينِ مالِه فلم يَكنْ في ذلك عادِلًا عما وجَبَ عليه إلى غيرِه وهو القيمةُ (٣).
(١) «شرح فتح القدير» (٢/ ١٩٣).
(٢) «تتمة أضواء البيان» (٨/ ٢٨٨)، و «الفواكه العذاب» (٨/ ٤١٢).
(٣) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٧٩، ١٨١)، و «المجموع» (٥/ ٣٨٥، ٣٨٦).
وقالَ المانِعونَ أيضًا: بأنَّ القاعِدةَ أنَّه «لا يُنتقَلُ إلى البَدلِ إلا عندَ فقد المُبدَلِ منه»، فما ذكَرَه المُجوِّزونَ مَشروطٌ بافتِقادِ العَينِ، والعُدولِ من جِنسٍ إلى جِنسٍ مَشروطٍ بافتِقادِ الجِنسِ الأولِ.
قالَ صاحِبُ «حَدائِق الأزهارِ»: «وتَجِبُ في العَينِ ثم الجِنسِ ثم القيمةِ حالَ الصَّرفِ».
قالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ رحمة الله عليه: أقولُ: هذا صَوابٌ لِما قَدَّمنا من الأدِلَّةِ الدالةِ على وُجوبِ الزَّكاةِ في العَينِ فإذا تلِفَت العَينُ فالعُدولُ إلى الجِنسِ هو أقرَبُ إلى العَينِ من القيمةِ؛ لأنَّ جِنسَ الشَّيءِ يُوافِقُه في أغلَبِ الأَوصافِ فإذا لم يُوجَدِ الجِنسُ أجزَأتِ القيمةُ؛ لأنَّ لذلك غايةَ ما يُمكنُ من التَّخلُّصِ عن واجِبِ الزَّكاةِ (١).
لكنْ قد رَدَّ الإمامُ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه بأنَّ هذا ليسَ ببَدلٍ، قالَ رحمة الله عليه: ظَنَّ بعضُ أَصحابِنا أنَّ القيمةَ بَدلٌ عن الواجِبِ حتى لَقَّبوا هذه المَسألةَ بالأَبدالِ، وليسَ كذلك، فإنَّ المَصيرَ إلى البَدلِ لا يَجوزُ إلا عندَ عَدمِ الأصلِ، وأداءُ القيمةِ مع قيامِ عَينِ المَنصوصِ عليه في مِلكِه جائِزٌ عندَنا (٢).
وقد استَدلُّوا أيضًا بما رَواه ابنُ أبي شَيبةَ رحمة الله عليه في مُصنَّفِه في بابِ: في إِعطاءِ الدَّراهِمِ في زَكاةِ الفِطرِ:
(١) «السيل الجرار» (٢/ ٤٥).
(٢) «المبسوط» (٢/ ١٥٦).
قال: حدَّثَنا أبو أُسَامَةَ عَنْ ابنِ عَونٍ قالَ: «سَمِعتُ كِتابَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ يُقرأُ إلى عَديٍّ بالبَصرَةِ -وعَديٌّ الوَالِي-: يُؤخَذُ من أَهلِ الدِّيوانِ من أُعطِيَّاتِهم عن كلِّ إِنسانٍ نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكيعٌ عن قُرَّةَ قالَ: «جاءَنا كِتابُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ في صَدقةِ الفِطرِ نِصفُ صاعٍ عن كلِّ إِنسانٍ أو قيمتُه نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكيعٌ عن سُفْيانَ عن هِشامٍ عَنْ الحَسنِ قالَ: «لا بَأسَ أنْ تُعطَى الدَّراهمُ في صَدقةِ الفِطرِ».
وقالَ: حدَّثَنا أبو أُسامةَ عن زُهَيرٍ قالَ: سمِعتُ أَبا إِسحاقَ يَقولُ: «أَدرَكتُهم وهم يُعطُونَ في صَدقةِ رَمضانَ الدَّراهمَ بقيمةِ الطَّعامِ» (١).
وَجهُ الاستِدلالِ:
هذا عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ في عَصرِ التابِعينَ يُرسِلُ إلى عامِلِه، وعُلماءُ التابِعينَ مُتوافِرونَ، ولا يَخفى عليهم فِعلُ إمامِ المُسلِمينَ. وهذا أبو إِسحاقَ السَّبِيعيُّ -وهو من الطَّبقةِ الوُسطى من التابِعينَ أدرَكَ علِيًّا وبعضَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم يُثبِتُ أنَّ ذلك كانَ مَعمولًا به في عَصرِهم، فقَولُه: أَدركتُهم، يَعني به الصَّحابةَ. وهذا هو الحَسنُ البَصريُّ رحمة الله عليه يَقولُ بذلك أيضًا.
ثانيًا: ذِكرُ أَقوالِ أَصحابِ القَولِ الثاني وأدِلَّتِهم وهُم الجُمهورُ القائِلونَ بعَدمِ جَوازِ إِعطاءِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ:
قالَ الإمامُ الخِرَقيُّ رحمة الله عليه: «ومَن أَعطى القيمةَ لم تُجِزْئه».
(١) روى هذه الآثارَ ابنُ أبي شَيبةَ في «مصنفه» (٢/ ٣٩٨).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ أبو داودَ: قيلَ لِأحمدَ وأنا أسمَعُ: «أُعطي دَراهمَ؟» -يَعني في صَدقةِ الفِطرِ- قالَ: «أَخافُ ألَّا يُجزِئَه خِلافُ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ»، وقالَ أبو طالِبٍ: قالَ لي أحمدُ: «لا يُعطي قيمَتَه»، قيلَ له: «قَومٌ يَقولونَ: عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ كانَ يَأخذُ بالقيمةِ»، قالَ: «يَدَعونَ قَولَ رَسولِ اللهِ ﷺ ويَقولونَ: قالَ فُلانٌ؟».
قالَ ابنُ عمرَ: فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ، وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقالَ: «قَومٌ يَردُّونَ السُّننَ: قالَ فُلانٌ، قال فُلانٌ».
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وظاهِرُ مَذهبِه أنَّه لا يُجزِئُه إِخراجُ القيمةِ في شَيءٍ من الزَّكواتِ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ (١).
وقالَ المَرداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: ولا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ، هذا المَذهبُ مُطلَقًا، أَعني: سَواءٌ كانَ ثَمَّ حاجةٌ أو لا، لمَصلَحةٍ أو لا، لفِطرةٍ وغيرِها، وعنه تُجزِئُ القيمةُ مُطلَقًا، وعنه يُجزِئُ في غيرِ الفِطرةِ.
وعنه تُجزِئُ لِلحاجةِ من تَعذُّرِ الفَرضِ ونَحوِه، نقَلَها جَماعةٌ، منهم القاضِي في التَّعليقِ، وصَحَّحها جَماعةٌ، منهم ابنُ تَميمٍ وابنُ حِمدانَ واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ.
وقيلَ: ولمَصلَحةٍ أيضًا، واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ أيضًا وذكَرَ بعضُهم رِوايةً: تُجِزئُ لِلحاجةِ.
(١) «المغني» (٤/ ٤٣).
وقالَ ابنُ البنَّا في «شَرح المُحرَّرِ»: إذا كانَت الزَّكاةُ جُزءًا لا يُمكنُ قِسمَتُه جازَ صَرفُ ثَمنِه إلى الفُقراءِ، قالَ: وكذا كلُّ ما يُحتاجُ إلى بَيعِه، مثلَ أنْ يَكونَ بَعيرًا لا يَقدِرُ على المَشيِ، وعنه تُجزِئُ القيمةُ، وهي الثَّمنُ لمُشتَري ثَمرَتِه التي لا تَصيرُ تَمرًا أو زَبيبًا عن الساعي قبلَ جُدادِه، والمَذهبُ: لا يَصحُّ شِراؤُه فلا تُجزِئُ القيمةُ على ما يَأتي (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقوا (أي: مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ) على أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ. إلا أبا حَنيفةَ فإنَّه قالَ: يَجوزُ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قد ذكَرْنا أنَّ مَذهبَنا أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في شَيءٍ من الزَّكواتِ، وبه قالَ مالِكٌ وأحمَدُ وداودُ (٣).
وقالَ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: لا يُجزِئُ إِخراجُ بعضِ الصاعِ شَعيرًا وإِخراجُ بعضِه تَمرًا، ولا تُجزِئُ قيمةٌ أصلًا؛ لأنَّ كلَّ ذلك غيرُ ما فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ، والقيمةُ في حُقوقِ الناسِ لا تَجوزُ إلا بتَراضٍ منهم، وليسَ للزَّكاةِ مالِكٌ بعَينِه فيَجوزُ رِضاه أو إِبراؤُه (٤).
جاءَ في كُتبِ المالِكيةِ -كما في حاشيةِ الدُّسوقيِّ وغيرِه- أنَّه قالَ: دَفعُ القيمةِ لا يُجزئُ.
(١) «الإنصاف» (٣/ ٦٥٦).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٣٥٠، ٣٥٤).
(٣) «المجموع» (٥/ ٣٨٤).
(٤) «المحلى» (٦/ ١٣٧).
قالَ الدُّسوقيُّ: وقد تبِعَ فيه المُصنِّفُ ابنَ الحاجِبِ وابنَ بَشيرٍ. وقد اعتَرضَه في «التَّوضيحِ» بأنَّه خِلافُ ما في «المُدوَّنة». ونَصُّه المَشهورُ في إِعطاءِ القيمةِ أنَّه مَكروهٌ لا مُحرَّمٌ (١).
قُلتُ: هذا في الزَّكاةِ عُمومًا، أمَّا زَكاةُ الفِطرِ فالمَنصوصُ الذي نقَلَه ابنُ قُدامةَ والنَّوويُّ وابنُ هُبيرةَ وغيرُهم عن الإمامِ مالِكٍ عَدمُ الإِجزاءِ.
وقالَ الزَّرقانِيُّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ إِخراجُ قيمَتِها عَينًا ولا عَرضًا (٢).
أدِلَّةُ المانِعينَ:
الدَّليلُ الأولُ:
ما رَوى ابنُ عمرَ رضي الله عنهما قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ … » (٣).
(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (١/ ٥٠٢)، و «منح الجليل» (٢/ ٩٧)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٣٣) قال في «المُدوَّنةِ»: «ولا يُعطي عمَّا لَزِمه من زَكاةِ العَينِ عَرضًا أو طَعامًا، ويُكرهُ لِلرَّجلِ إعطاءُ القيمةِ أنَّه مَكروهٌ لا مُحرَّمٌ». اه. فجعَله من شِراءِ الصَّدقةِ وأنَّه مَكروهٌ. ومِثلُه لِابنِ عَبدِ السَّلامِ. قال الباجيُّ: ظاهِرُ المُدوَّنةِ، وغَيرِها أنَّه من بابِ شِراءِ الصَّدقةِ والمَشهورُ فيه أنَّه مكَروهٌ لا مُحرَّمٌ، فقَولُ المُصنِّفِ «أو بَقيَّةٌ لم يَجُزْ» خِلافُ ما اعتمَده في «التَّوضيحِ» قال أبو علِيٍّ المَناويُّ: ظاهِرُ كَلامِهم: أنَّ ما في التَّوضيحِ وابنِ عَبدِ السَّلامِ هو الراجِحُ. ويَدُلُّ له اختيارُ ابنِ رُشدٍ حيث قال: الإجزاءُ أظهَرُ الأقوالِ. وصَوَّبه ابنُ يُونُس أيضًا.
(٢) «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (١/ ١٨٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإذا عدَلَ عن ذلك فقد ترَكَ المَفروضَ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ: «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ»، «وفي مِئتَي دِرهمٍ خَمسةُ دَراهمَ» (١)، وهو وارِدٌ بَيانًا لمُجملِ قَولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، فتَكونُ الشاةُ المَذكورةُ هي الزَّكاةَ المَأمورَ بها والأمرُ يَقتَضي الوُجوبَ.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ فرَضَ الصَّدقةَ على هذا الوَجهِ وأمرَ بها أنْ تُؤدَّى ففي كِتابِ أبي بَكرٍ الذي
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة الفطر
بابُ زكاةِ الفِطْرِ
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه . ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ
الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} : هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ : وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب مكيلة زكاة الفطر
باب مكيلة زكاة الفطر
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شعيرٍ (قال الشافعي) وبين في سنته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنَ الْبَقْلِ مِمَا يَقْتَاتُ الرجل وما فيه الزكاة " .
قال الماوردي: صَحِيحٌ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه نص في زكاة الفطر على أشياه، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (هَذَا التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ) وَفِي حَدِيثِ غَيْرِهِ (الْحِنْطَةُ وَالزَّبِيبُ) فَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ كَوْنُهُ قُوتًا مُدَّخَرًا لِأَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ قُوتٌ مُدَّخَرٌ، وَذَهَبَ أبو حنيفة إِلَى أن الْمُعْتَبَرَ فِيهِ كَوْنُهُ مَأْكُولًا مَكِيلًا حَتَّى رَوَى عَنْهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ صَاعًا مِنْ إِهْلِيلَجٍ أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ مَأْكُولٌ مَكِيلٌ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ " وَإِغْنَاؤُهُمْ بِالْقُوتِ أَعَمُّ، وَنَفْعُهُمْ بِهِ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ قد يكون في المأكول ما لا يُغْنِي عَنِ الْقُوتِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]
وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ
(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.
ــ
منح الجليل
ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن
(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.
هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر
ارجع إلى الأجناس التي تخرج منها زكاة الفطر، ومقدار الواجب فيها ونوعه والزيادة على مقدار الواجب للاطلاع على جميع المسائل.