الإسلام > الزكاة > القسم الأول > الأموال التي يمنع الدين زكاتها والتي لا تمنع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةحاجةِ المالِكِ لِحاجةِ غيرِه، ولا حصَلَ له من الغِنى ما يَقتَضي الشُّكرَ بالإِخراجِ (١).
قالوا: ولا يُعتبَرُ الدَّينُ مانِعًا إلا إنِ استقَرَّ في الذِّمةِ قبلَ وُجوبِ الزَّكاةِ، فأمَّا إنْ وجَبَ بعدَ وُجوبِ الزَّكاةِ لا تَسقُطُ؛ لأنَّها وجَبَت في ذمَّتِه، فلا يُسقِطُها ما لحِقَه من الدَّينِ بعدَ ثُبوتِها.
قال الحَدَّاديُّ رحمة الله عليه: وهذا كلُّه إذا كانَ الدَّينُ في ذمَّتِه قبلَ وُجوبِ الزَّكاةِ، أمَّا إذا لحِقَه الدَّينُ بعدَ وُجوبِ الزَّكاةِ لا تَسقُطُ الزَّكاةُ؛ لأنَّها قد ثبَتَت في ذمَّتِه واستَقرَّت فلا يُسقِطُها ما لَحِقه من الدَّينِ بعدَ ثُبوتِها، قالَ الصَّيرَفيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا أنَّ الدَّينَ لا يَمنَعُ وُجوبَ العُشرِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيُّ في الجَديدِ إلى أنَّ الدَّينَ لا يَمنَعُ الزَّكاةَ أصلًا؛ لأنَّه حُرٌّ مُسلمٌ ملَكَ نِصابًا حَولًا فوجَبَت عليه الزَّكاةُ، كمَن لا دَينَ عليه (٣).
الأَموالُ التي يَمنَعُ الدَّينُ زَكاتَها والتي لا تَمنَعُ:
أمَّا الأَموالُ الباطِنةُ -وهي النُّقودُ وعُروضُ التِّجارةِ-؛ فإنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ الحَنفيةَ والمالِكيةَ والحَنابِلةَ والشافِعي في القَديمِ قالوا بأنَّ الدَّينَ
(١) «المغني» (٤/ ٢٠).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٢/ ١٥٦).
(٣) «شرح المنهاج» (٢/ ٤٠)، و «المغني» (٤/ ٢٠)، و «المبسوط» (٢/ ١٦٠)، و «البدائع» (٣/ ٣٩١)، و «ابن عابدين» (٢/ ٤/ ٧)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٣١)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٤١)، و «الاستذكار» (٣/ ١٦٠)، و «الذخيرة» (٣/ ٤٤)، و «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٩).
يَمنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ في الأَموالِ الباطِنةِ، ولو كانَ الدَّينُ من غيرِ جِنسِها كما صرَّحَ بذلك المالِكيةُ.
وأمَّا الأَموالُ الظاهِرةُ -وهي السائِمةُ والثِّمارُ والحُبوبُ والمَعادِنُ- فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الدَّينَ لا يَمنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ فيها؛ لأنَّ المُصدِّقَ إذا جاءَ فوجَدَ إبِلًا أو بَقرًا أو غَنمًا لم يَسألْ: أيُّ شَيءٍ على صاحِبِها من الدَّينِ؟ وليسَ المالُ هكذا، والفَرقُ بينَ الأَموالِ الظاهِرةِ والباطِنةِ أنَّ تَعلُّقَ الزَّكاةِ بالظاهِرةِ آكَدُ لظُهورِها وتَعلُّقِ قُلوبِ الفُقراءِ بها.
واستَثنَى الحَنابِلةُ على هذه الرِّوايةِ الدَّينَ الذي استَدانَه المُزكِّي لِلإنفاقِ على الزَّرعِ والثَّمرِ فإنَّه يُسقِطُه.
وذهَبَ الحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّ الدَّينَ يَمنَعُ الزَّكاةَ في الأَموالِ الظاهِرةِ والباطِنةِ جَميعًا.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الدَّينَ يَمنَعُ الزَّكاةَ في الأَموالِ الباطِنةِ وفي السَّوائمِ، أمَّا ما وجَبَت في الخارجِ من الأرضِ فلا يَمنَعُه الدَّينُ كما لا يَمنَعُ الخَراجَ، وذلك لأنَّ العُشرَ والخَراجَ مُؤنةُ الأرضِ، ولذا يَجِبانِ في الأرضِ المَوقوفةِ وأرضِ المُكاتَبِ، ولو لم تَجبْ فيها الزَّكاةُ.
قال الحَدَّاديُّ رحمة الله عليه: قالَ الصَّيرَفيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا أنَّ الدَّينَ لا يَمنَعُ وُجوبَ العُشرِ (١).
(١) «الجوهرة النيرة» (٢/ ١٥٦)، والمَصادِر السَّابِقة.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل سبب فرضية الزكاة
أَنْ تُبْنَى عَلَى أَصْلٍ آخَرَ نَذْكُرُهُ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْوَاجِبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ سَبَبُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا سَبَبُ فَرْضِيَّتِهَا فَالْمَالُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ، وَلِذَا تُضَافُ إلَى الْمَالِ فَيُقَالُ: زَكَاةُ الْمَالِ وَالْإِضَافَةُ فِي مِثْلِ هَذَا يُرَادُ بِهَا السَّبَبِيَّةُ كَمَا يُقَالُ: صَلَاةُ الظُّهْرِ وَصَوْمُ الشَّهْرِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَصْلٌ شَرَائِطُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ
الشَّرَائِط الَّتِي ترجع عَلَى مِنْ عَلَيْهِ الْمَال
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا شَرَائِطُ الْفَرْضِيَّةِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمَالِ.
أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ فَأَنْوَاعٌ أَيْضًا مِنْهَا إسْلَامُهُ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى الْكَافِرِ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَالْكُفَّارُ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وَأَمَّا فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى لَا يُخَاطَبَ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا حَتَّى إذَا مَضَى عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا إذَا أَسْلَمَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ وَيُخَاطَبُ بِأَدَائِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّلَاةُ.
ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.