المال المستفاد في أثناء الحول

الإسلام > الزكاة > القسم الأول > المال المستفاد في أثناء الحول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

المال المستفاد في أثناء الحول - الأقوال والأدلة

زَكاةٌ أُخرى؛ لعَدمِ إِرصادِها لِلنَّماءِ، والخارِجُ من المَعدِنِ مُستَفادٌ خارِجٌ من الأرضِ بمَنزلةِ الزَّرعِ والثَّمرةِ (١).

الدَّليلُ على اشتِراطِ الحَولِ:

قال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا وَقتُ الزَّكاةِ فإنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ يَشتَرطونَ في وُجوبِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفِضةِ والماشِيةِ الحَولَ؛ لثُبوتِ ذلك عن الخُلفاءِ الأربَعةِ، ولِانتِشارِه في الصَّحابةِ رضي الله عنهم ولِانتِشارِ العَملِ به، ولِاعتِقادِهم أنَّ مِثلَ هذا الانتِشارِ من غيرِ خِلافٍ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ إلا عن تَوقيفٍ.

وقد رُوي مَرفوعًا من حَديثِ ابنِ عُمرَ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «لَا زَكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَولُ» (٢)، وهذا مُجمَعٌ عليه عندَ فُقهاءِ الأَمصارِ.

وليس فيه في الصَّدرِ الأولِ خِلافٌ إلا ما رُوي عن ابنِ عَباسٍ ومُعاويةَ وسَببُ الخِلافِ أنَّه لم يَردْ في ذلك حَديثٌ ثابِتٌ (٣).

المالُ المُستفادُ في أثناءِ الحَولِ:

المالُ المُستَفادُ هو الذي يَدخُلُ في مِلكيَّةِ الشَّخصِ بعدَ أنْ لم يَكنْ، فإنْ لم يَكنْ عندَ المُكلَّفِ مالٌ زَكويٌّ لم يَبلُغْ نِصابًا فلا زَكاةَ فيه، ولا يَنعقِدُ

(١) «المغني» (٣/ ٤٠٥)، وانظر: «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٣٩٤)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٢٠).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه ابن ماجه (١٧٩٢).
(٣) «بداية المجتهد» (١/ ٣٧١).

حَولُه، فإنْ تَمَّ عندَه نِصابٌ انعقَد الحَولُ من يَومِ تمَّ النِّصابُ وتَجبُ عليه زَكاتُه إنْ بقِيَ إلى تَمامِ الحَولِ.

وإنْ كانَ عندَه نِصابٌ أو مما يُضَمُّ إليه، فله ثَلاثةُ أَقسامٍ:

القِسمُ الأولُ: أنْ يَكونَ المالُ المُستفادُ من نَمائِه كرِبحِ مالِ التِّجارةِ ونِتاجِ السائِمةِ، فهذا يَجبُ ضَمُّه إلى ما عندَه من أصلِه، فيُعتبَرُ حَولُه بحَولِه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه تَبعٌ له من جِنسِه فأشبَهَ النَّماءَ المُتَّصِلَ، كزِيادةِ قِيمةِ عُروضِ التِّجارةِ (١).

القِسمُ الثاني: أنْ يَكونَ المُستفادُ من غيرِ جِنسِ المالِ الذي عندَه، كأن يَكونَ مالُه إبِلًا فيَستفيدُ بَقرًا أو ذَهبًا أو فِضةً، فهذا النَّوعُ له حُكمُ نَفسِه، لا يُضَمُّ إلى ما عندَه في حَولٍ ولا نِصابٍ، بل إنْ كانَ نِصابًا استَقبَل حَولًا وزَكَّاه، وإلا فلا شَيءَ فيه، وهذا قَولُ جُمهورِ العُلماءِ من الأئمَّةِ الأربَعةِ وغَيرِهم من أئمَّةِ الفَتوى إلا خِلافًا شاذًّا أنَّه يُزكِّيه حين يَستفيدُه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وجُمهورُ العُلماءِ على خِلافِ هذا القَولِ.

قال ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: على هذا جُمهورُ العُلماءِ، والخِلافُ في ذلك شُذوذٌ -أي: يُزكِّيه حينَ يَستفيدُه- ولم يُعرِّجْ عليه أحَدٌ من العُلماءِ، ولا قالَ به أحَدٌ من أئمَّةِ الفَتوى (٢).

(١) «المغني» (٣/ ٤٠٦).
(٢) «المغني» (٣/ ٤٠٦).

القِسمُ الثالِثُ: أنْ يَستفيدَ مالًا من جِنسِ نِصابٍ عندَه، قد انعَقدَ عليه حَولُ الزَّكاةِ بسَببٍ مُستقِلٍّ، وليسَ المُستفادَ من نَماءِ المالِ الأولِ، كانَ يَكونَ عندَه أربَعونَ من الغَنمِ مَضى عليها بعضُ الحَولِ فيَشتَريَ أو يَرِثَ أو يُوهبَ له مِئةٌ. أو كانَ عندَه عِشرونَ مِثقالًا ذَهبًا ملَكَها في أولِ المُحرَّمِ، ثم استَفادَ ألفَ مِثقالٍ في أولِ ذي الحِجَّةِ.

فقد اختَلفَ العُلماءُ في ذلك هل يُضَمُّ إلى الأولِ في النِّصابِ دونَ الحَولِ فيُزكِّي الأولَ عندَ حَولِه، والثانِيَ عندَ حَولِه أو يُزكِّي جَميعَ المالِ في نِهايةِ حَولِ الأولِ؟

فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُضَمُّ إلى الأولِ في النِّصابِ دونَ الحَولِ فيُزكِّي الأولَ عندَ حَولِه، أي: في أولِ مُحرَّمٍ كما في المِثالِ الثاني، ويُزكِّي الثانِيَ لِحَولِه، أي: في أولِ ذي الحِجَّةِ ولو كانَ الثاني أقَلَّ من نِصابٍ؛ لأنَّه بلَغَ بضَمِّه إلى الأولِ نِصابًا.

واستدَلُّوا على ذلك بعُمومِ قَولِ النَّبيِّ : «لَا زَكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَولُ» (١)، وبقَولِه من حَديثِ ابنِ عمرَ: «مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فلا زَكاةَ عليه حتى يَحُولَ عليه الحَولُ عندَ رَبِّهِ» (٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُضَمُّ كلَّ ما يَأتي في الحَولِ إلى النِّصابِ الذي عندَه فيُزكِّيها جميعًا عند تمامِ حَولِ الأولِ، قالوا: لأنَّه يُضَمُّ إلى جِنسِه في

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.
(٢) رواه الترمذي (٦٣١/ ٦٣٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٠٣)، وقال الألبانِيُّ في صحيحِ التِّرمذيِّ (٦٣٢): صَحيحُ الإسنادِ مَوقوفٌ وهو في حُكمِ المَرفوعِ.

النِّصابِ، فوجَبَ ضَمُّه إليه في الحَولِ كالنِّتاجِ؛ ولأنَّ النِّصابَ سَببٌ والحَولُ شَرطٌ، فإذا ضُمَّ في النِّصابِ الذي هو سَببٌ فضَمُّه إليه في الحَولِ الذي هو شَرطٌ أَولى، وبَيانُ ذلك أنَّه لو كانَ عندَه مِئتا دِرهَمٍ مَضى عليها نِصفُ الحَولِ فوُهبَ له مِئةٌ أُخرى، فإنَّ الزَّكاةَ تَجبُ فيها إذا تَمَّ حَولُها بغيرِ خِلافٍ، ولولا المِئتانِ ما وجَبَ فيها شَيءٌ، فإذا ضُمَّت إلى المِئتَينِ في أصلِ الوُجوبِ فكذلك في وَقتِه؛ ولأنَّ إِفرادَه بالحَولِ يُفضي إلى تَشقيصِ الواجِبِ (تَجزِئَتِه) في السائِمةِ، واختِلافِ أَوقاتِ الواجِبِ، والحاجةِ إلى ضَبطِ مَواقيتِ التَّملُّكِ ومَعرِفةِ قَدرِ الواجِبِ في كُلِّ جُزءٍ ملَكَه، ووُجوبِ القَدرِ اليَسيرِ الذي لا يَتمكَّنُ من إخراجِه، ثم يَتقرَّرُ ذلك في كلِّ حَولٍ ووَقتٍ، فهذا حَرجٌ مَدفوعٌ بقَولِه تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقياسًا على نِتاجِ السائِمةِ ورِبحِ التِّجارةِ، واستَثنَى أبو حَنيفةَ ما كانَ ثَمنَ مالٍ قد زُكِّي، فلا يُضَمُّ لِئلَّا يُؤدِّيَ إلى الثَّني (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى التَّفريقِ في ذلك بينَ السائِمةِ وبينَ النُّقودِ، فقالوا في السائِمةِ كقَولِ أَبي حَنيفةَ، قالوا: لأنَّ زَكاةَ السائِمةِ مَوكولةٌ إلى الساعي، فلو لم تُضَمَّ لَأدَّى ذلك إلى خُروجِه أكثَرَ من مَرَّةٍ، بخِلافِ الأَثمانِ فلا تُضَمُّ، فإنَّها مَوكولةٌ إلى أَربابِها (٢).

(١) الثَّني: تَكرارُ الصَّدقةِ في المالِ الواحدِ لِعامٍ واحدٍ.
(٢) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (١/ ٤٣٢)، و «البدائع» (٢/ ٤٠٩)، و «فتح القدير» (١/ ٥١٠)، و «المغني» (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧)، و «المجموع» (٦/ ٤٩٧، ٥٠١، ٥٠٣)، و «حلية العلماء» (٣/ ٢٣)، و «الإفصاح» (١/ ٣٣٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الزكاة
فصل شرائط جواز النصاب

شَرَائِطِهِ وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْمُعَجَّلِ إذَا لَمْ يَقَعْ زَكَاةً.

أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ، وَأَدَاءُ الْوَاجِبِ وَلَا وُجُوبَ لَا يَتَحَقَّقُ، وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ الْحَوْلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» ، وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ الْعَبَّاسِ زَكَاةَ سَنَتَيْنِ» وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْجَوَازُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَلَا وُجُوبَ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ أَنَّهُ لَا وُجُوبَ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ بَلْ الْوُجُوبُ ثَابِتٌ قَبْلَهُ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ مِلْكُ نِصَابٍ كَامِلٍ نَامٍ أَوْ فَاضِلٍ عَنْ الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِحُصُولِ الْغِنَى بِهِ وَلِوُجُوبِ شُكْرِ نِعْمَةِ الْمَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 500 - 503

ارجع إلى أحكام وجوب الزكاة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر