الأحكام المختلفة للمعادن

الإسلام > الزكاة > القسم الثاني الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقادير الزكاة في كل منها > الأحكام المختلفة للمعادن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الأحكام المختلفة للمعادن - الأقوال والأدلة

ب- والمائِعُ كالقيرِ والنِّفطِ.

ج- وما ليسَ بمُنطبِعٍ ولا مائِعٍ كالنَّورةِ والجِصِّ والجَواهِرِ والياقوتِ واللُّؤلؤِ والفَيروزِ والكُحلِ، وهذا النَّوعُ لا يَقبَلُ الطَّرقَ والسَّحبَ؛ لأنَّه صُلبٌ (١).

وقسَّمَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ المعادِنَ من ناحيةِ استِخراجِها إلى قِسمَينِ:

أ - المَعدِنُ الظاهِرُ: وهو ما خرَجَ بلا عِلاجٍ وإنَّما العِلاجُ من تَحصيلِه كنِفطٍ وكِبريتٍ.

ب - والمَعدِنُ الباطِنيُّ: هو ما لا يَخرجُ إلا بعِلاجٍ، كذَهبٍ وفِضةٍ وحَديدٍ ونُحاسٍ (٢).

الأَحكامُ المُختلِفةُ للمَعادِنِ:

مِلكيَّةُ المَعادِنِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مِلكيَّةِ المَعادِنِ.

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا وُجدَ مَعدِنُ ذَهبٍ أو فِضةٍ أو حَديدٍ أو صُفرٍ أو رَصاصٍ أو نُحاسٍ ونَحوِ ذلك في أرضِ خَراجٍ أو عُشرٍ أُخذَ منه الخُمسُ وباقيه لِواجِدِه، وكذا إذا وُجدَ في الصَّحراءِ التي ليسَت بعُشريَّةٍ ولا خَراجيَّةٍ.

(١) «الفتاوى الهندية» (١/ ١٨٤، ١٨٥)، و «ابن عابدين» (٢/ ٤٤)، و «فتح القدير» (١/ ١٧٩)، و «الإنصاف» (٣/ ١١٩، ١٢٠).
(٢) «حاشية الشرقاوي على التحرير» (١/ ١٨١، ١٨٢)، و «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (٢٣٥، ٢٣٦).

وأمَّا المائِعُ كالنِّفطِ والقارِ ونَحوِ ذلك وما ليسَ بمُنطبِعٍ ولا مائِعٍ كالنَّورةِ والجِصِّ، وكذلك الجَواهرُ كالياقوتِ والبِلَّورِ ونَحوِ ذلك فلا شَيءَ فيها، وكلُّها لواجِدِها.

قالوا: لأنَّ الجِصَّ والنَّورةَ ونَحوَها من أَجزاءِ الأرضِ، فكانَ كالتُّرابِ.

والياقوتُ والفُصوصُ من جِنسِ الحِجارةِ إلا أنَّها أَحجارٌ مُضيئةٌ ولا خُمسَ في الحَجرِ.

وأمَّا المائِعُ كالقِيرِ والنِّفطِ؛ فلأنَّه ماءٌ، وأنَّه مما لا يُقصدُ بالاسِتيلاءِ.

ولو وجَدَ في دارِه مَعدِنًا فليسَ فيه شَيءٌ عندَ أَبي حَنيفةَ، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: فيه الخُمسُ، والباقي لِواجدِه.

وإنْ وُجدَ في أرضِه فعن أَبي حَنيفةَ فيه رِوايتانِ: رِوايةُ الأصلِ: لا يَجِبُ. ورِوايةُ الجامِعِ الصَّغيرِ: يَجِبُ.

ولو وجَدَ مُسلمٌ مَعدِنًا في دارِ الحَربِ في أرضٍ غيرِ مَملوكةٍ لأحَدٍ فهو للواجِدِ، ولا خُمسَ فيه، ولو وجَدَه في مِلكِ بعضِهم فإنْ دخَلَ عليهم بأَمانٍ رَدَّه عليهم: ولو لم يَردَّ وأخرَجَه إلى دارِ الإِسلامِ يَكونُ مِلكًا له، إلا أنَّه لا يَطيبُ له، وسَبيلُه التَّصدقُ به.

وإنْ دخَلَ بغيرِ أَمانٍ يَكونُ له من غيرِ خُمسٍ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٥٥٠، ٥٥٤)، و «عمدة القاري» (٩/ ١٠١، ١٠٣)، و «فتح القدير» (٢/ ١٨٠)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٢٨٨)، و «الهندية» (١/ ١٨٥).

وقالوا: ليسَ لِلإمامِ أنْ يَقطعَ ما لا غِنى لِلمسلِمينَ عنه من المَعادنِ الظاهِرةِ، وهي ما كانَ جَوهرُها الذي أودَعه اللهُ في جَواهرِ الأرضِ بارِزًا كمَعادِنِ المِلحِ والكُحلِ والقارِ والنِّفطِ، فلو أقطَعَ هذه المَعادنَ الظاهِرةَ لم يَكنْ لأَقطاعِها حُكمٌ، بل المُقطَعُ وغَيرُه سَواءٌ، فلو منَعَهم المُقطِعُ كانَ بمَنعِه مُتعدِّيًا، وكان لِما أخَذَه مالِكًا؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بالمَنعِ لا بالأخذِ، وكُفَّ عن المَنعِ وصُرِف عن مُداوَمةِ العَملِ لِئلَّا يَشتبهَ أَقطاعُه بالصِّحةِ أو يَصيرَ منه في حُكمِ الأَملاكِ المُستقِرَّةِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ المَعادِنَ أمرُها لِلإمامِ يَتصرَّفُ فيها بما يَرى أنَّه المَصلَحةُ، وليسَت بتَبعِ الأرضِ التي هي فيها، مَملوكةً كانَت أو غيرَ مَملوكةٍ، ولِلإمامِ أنْ يُقطِعَها لمَن يَعمَلُ فيها بوَجهِ الاجتِهادِ حَياةَ المُقطِعِ له أو مُدةً ما من الزَّمانِ من غيرِ أنْ يَملكَ أصلَها ويَأخذَ منها الزَّكاةَ على كلِّ حالٍ على ما جاءَ عن النَّبيِّ من أنَّه: «أَقطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزنِيَّ مَعادِنَ القَبلِيَّةِ وهي من ناحِيةِ الفَرعِ، فتلك المَعادِنُ لَا يُؤخَذُ منها إلا الزَّكاةُ إلى اليَومِ» (٢). إلا أنْ تَكونَ في أرضِ قَومٍ صالَحوا عليها، فيَكونوا أحَقَّ بها يُعامَلونَ فيها كيف شاؤُوا، فإنْ أسلَموا رجَعَ أمرُها إلى الإمامِ، هذا ما يَراه ابنُ القاسِمِ، ورِوايَتُه عن مالِكٍ ووِجهةُ هذا القَولِ أنَّ المَعادِنَ التي في جَوفِ الأرضِ أقدَمُ من مالِكِ المالِكينَ لها، فلم يُجعَلْ ذلك مِلكًا لهم بمِلكِ الأرضِ؛ إذْ هو ظاهِرُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ

(١) «الدر المختار» (٥/ ٢٧٨، ٢٧٩).
(٢) حَديثٌ ضَعيفٌ: رواه أبو داود (٣٠٦١)، ومالك في «الموطأ» (٥٨٤).

لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. فوجَبَ بنَحوِ هذا الظاهِرِ أنْ يَكونَ ما في جَوفِ الأرضِ من المَعادِنِ فَيئًا لجَميعِ المسلِمينَ بمَنزِلةِ ما لم يُوجَفْ عليه بخَيلٍ ولا رِكابٍ (١).

وقالَ المالِكيةُ في قَولٍ آخَرَ: إنَّها تَتبَعُ لِلأرضِ التي هي فيها، فإنْ كانَت في أرضٍ حُرَّةٍ أو في أرضِ العَنوةِ أو في الفَيافي التي هي غيرُ مُمتلَكةٍ كانَ أمرُها إلى الإمامِ يُقطِعُها لمَن يَعمَلُ فيها، أو يُعامِلُ الناسَ على العَملِ فيها لجَماعةِ المسلِمينَ على ما يَجوزُ له، ويَأخذُ منها الزَّكاةَ على كلِّ حالٍ.

وإنْ كانَت في أرضٍ مُمتلَكةٍ فهي مِلكٌ لِصاحبِ الأرضِ يَعمَلُ فيها ما يَعمَلُ ذو الِملكِ في مِلكِه.

وإنْ كانَت في أرضِ الصُّلحِ كانَ أهلُ الصُّلحِ أحَقَّ بها، إلا أنْ يُسلِموا فتَكونَ لهم. هذا ما قالَه سحنُونٌ، ومِثلُه لمالِكٍ في كِتابِ ابنِ المَوازِ؛ لأنَّه لمَّا كانَ الذَّهبُ والفِضةُ ثابتَينِ في الأرضِ كانا لِصاحِبِ الأرضِ بمَنزِلةِ ما نبَتَ فيها من الحَشيشِ والشَّجرِ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: المَعدِنُ نَوعانِ: ظاهِرٌ وباطِنٌ، فالظاهِرُ هو ما خرَجَ، أي: برَز جَوهَرُه بلا عِلاجٍ، أي عَملٍ، وإنَّما العَملُ والسَّعيُ في تَحصيلِه، وقد يَسهُلُ، وقد لا يَسهُلُ، كنِفطٍ، وكِبريتٍ، وقارٍ، وبِرامٍ (٣)، وأَحجارِ رَحًى،

(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٣٣٤)، و «المقدمات» لابن رشد (١/ ٢٢٤، ٢٢٦)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٨٧)، و «مختصر خليل» (١/ ٦٣)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٢١).
(٢) «المقدمات» لابن رشد (١/ ٢٢٥)، و «بلغة السالك على الشرح الصغير» (١/ ٤٢١).
(٣) بكَسرِ المُوحدةِ جمعُ برمة بضَمِّها حَجرٌ يُعملُ منه القِدرُ.

وأَحجارِ نَورةٍ، ومَدَرٍ، وجِصٍّ، ومِلحٍ مائِيٍّ، وكذا جَبليٌّ إنْ لم يُحوِجْ إلى حَفرٍ وتَعبٍ لا يُملَكُ بالإِحياءِ، ولا يَثبُتُ فيه اختِصاصٌ بتَحجُّرٍ ولا اقتِطاعٍ من سُلطانٍ؛ لأنَّ هذه الأُمورَ مُشتركةٌ بينَ الناسِ مُسلمِهم وكافِرِهم، كالماءِ والكَلأِ، «ولأنَّ الأَبيَضَ بنَ حمَّالٍ سأَلَ رَسولَ اللَّهِ أَنْ يُقطِعَه مِلحَ مَأرِبَ، فأَرادَ أنْ يُقطِعَه، أو قالَ (الراوي) أقْطَعَه إيَّاهُ، فقالَ له رَجلٌ: إنَّهُ كَالماءِ العَدِّ (أي العَذبِ) قالَ: فَلا إذَنْ» (١). ولا فَرقَ بينَ أَقطاعِ التَّمليكِ وأَقطاعِ الإرفاقِ، خِلافًا للزَّركَشيِّ الذي قيَّدَ المَنعَ بالأولِ.

والمَعدِنُ الباطِنُ، هو ما لا يَخرجُ -أي لا يَظهَرُ جَوهَرُه- إلا بعِلاجٍ كذَهبٍ، وفِضةٍ، وحَديدٍ، ورَصاصٍ، ونُحاسٍ، وفَيروزٍ، ويَاقوتٍ، وعَقيقٍ، وسائِرِ الجَواهِرِ المَبثوثةِ في طَبقاتِ الأرضِ، ولا يُملَكُ بالحَفرِ والعَملِ في مَواتٍ بقَصدِ التَّملُّكِ في الأظهَرِ، كالمَعدِنِ الظاهِرِ.

والثاني: يُملَكُ بذلك إذا قُصدَ التَّملُّكُ كالمَواتِ.

ومن أَحيا مَواتًا فظهَرَ فيها مَعدِنٌ كذَهبٍ ملَكَه جَزمًا؛ لأنَّه بالإِحياءِ ملَك الأرضَ بجَميعِ أَجزائِها، ومِن أَجزائِها المَعدِنُ، فإذا كانَ عالِمًا بأنَّ في البُقعةِ المُحياةِ مَعدِنًا فاتَّخَذَ عليه دارًا ففيه طَريقانِ:

أحدُهما: أنَّ الراجِحَ عَدمُ تَملُّكِه لِفَسادِ القَصدِ وهو المُعتمَدُ.

والطَّريقُ الثانِي: القَطعُ بأنَّه يَملِكُه.

(١) حَديثٌ حَسنٌ: أخرجه الشافعي في «الأم» (٤/ ٢٤)، و أبو داود (٣٠٦٤)، والترمذي (١٣٨٠)، وابن ماجه (٢٤٧٥)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٤٠٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ١٤٩)، وغيرهم.

وإذا كانَ المَعدِنُ الذي وُجدَ فيما أَحياه ظاهِرًا فلا يَملِكُه بالإِحياءِ إنْ عَلِمه لظُهورِه من حيثُ إنَّه لا يَحتاجُ إلى عِلاجٍ، أمَّا إذا لم يَكنْ يَعلمُه فإنَّه يَملِكُه وهو المُعتمَدُ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إنَّ المَعادِنَ الجامِدةَ كالذَّهبِ والفِضةِ والرَّصاصِ والكُحلِ وسائِرِ الجَواهِرِ كالياقوتِ والزُّمرُّدِ ونَحوِها، فتُملَّكُ بمِلكِ الأرضِ التي هي فيها؛ لأنَّها جُزءٌ من أَجزاءِ الأرضِ، فهي كالتُّرابِ والأَحجارِ الثابِتةِ، فقد رُوي: «أنَّ رَسولَ اللهِ أقطَعَ بلالَ بنَ الحارِثِ المُزنِيَّ أرضَ كذا من مَكانِ كذا، وما كانَ فيها من جَبلٍ أو مَعدِنٍ. قالَ: فباعَ بَنو بِلالٍ من عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أرضًا، فخرَجَ فيها مَعدِنانِ، فقالوا: إنَّما بِعناكَ أرضَ حَرثٍ ولم نَبِعْك المَعدِنَ، وجاؤوا بكِتابِ القَطيعةِ التي قطَعَها رَسولُ اللهِ لِأبيهم في جَريدةٍ، قالَ: فجعَلَ عُمرُ يَمسَحُها على عَينَيه وقالَ لقيِّمِه: انظُرْ ما استَخرَجتَ منها وما أنفَقتَ عليها فقاضِهم بالنَّفقةِ ورَدَ عليهم الفَضلَ» (٢)، فعلى هذا ما يَجِدُه في مِلكٍ أو في مَواتٍ فهو أحَقُّ به.

وإنْ سبَقَ اثنانِ إلى مَعدِنٍ في مَواتٍ فالسابِقُ أَوْلى به ما دامَ يَعملُ فإذا ترَكه جازَ لغيرِه العَملُ فيه وما يَجدُه في مَملوكٍ يَعرفُ مالِكَه فهو لمالِكِ المَكانِ.

(١) «مغني المحتاج» (٢/ ٣٧٢، ٣٧٣)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٥٣).
(٢) رواه أبو عبيد في «الأموال» (٨٦٧).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 618 - 623

ارجع إلى أنصبة الزكاة ومقاديرها في أصناف الأموال للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.9 / 29.5
الإضاءة 45%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر