الحاصلات الزراعية التي تجب فيها الزكاة

الإسلام > الزكاة > القسم الثاني الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقادير الزكاة في كل منها > الحاصلات الزراعية التي تجب فيها الزكاة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 33 دقيقة قراءة

الحاصلات الزراعية التي تجب فيها الزكاة - الأقوال والأدلة

نِصفُ العُشرِ» (١)، والمُرادُ بالعَثريِّ: ما يَشرَبُ بعُروقِه من الأَرضِ من غيرِ سَقيٍ.

ب- وعن جابِرٍ رضي الله عنه أنَّه سمِعَ النَّبيَّ يَقولُ: «فيمَا سَقَت الأَنهارُ والغَيمُ العُشورُ، وفيمَا سُقيَ بالسَّانيَةِ نِصفُ العُشرِ» (٢).

وغيرُ ذلك من الأَحاديثِ كما سيَأتي.

وأمَّا الإِجماعُ:

فقد أجمَعَت الأُمةُ على وُجوبِ العُشرِ أو نِصفِه فيما أَخرجَته الأرضُ في الجُملةِ، وإنِ اختلَفوا في التَّفاصيلِ (٣).

الحاصِلاتُ الزِّراعيَّةُ التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ:

أجمَعَ العُلَماءُ على أنَّ في التَّمرِ (ثَمرِ النَّخلِ) والعِنبِ (ثَمرِ الكَرمِ) من الثِّمارِ، والقَمحِ والشَّعيرِ الزَّكاةَ إذا تمَّت شُروطُها، قالَه ابنُ المنذِرِ وابنُ عبدِ البَرِّ.

قال ابنُ المنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ الصَّدقةَ واجِبةٌ في الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ (٤).

(١) رواه البخاري (١٤١٢).
(٢) رواه مسلم (٩٨١).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٥١٧)، و «المغني» (٣/ ٤٦٦).
(٤) «الإجماع» (٣٠).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ العُلماءُ كلُّهم من السَّلفِ والخَلفِ على أنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ واختلَفوا فيما سِوى ذلك من الحُبوبِ (١).

وقالَ أيضًا: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ فيما علِمْت أنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ، وقالَت طائِفةٌ: لا زَكاةَ في غيرِها (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّدقةَ واجِبةٌ في الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ، قالَه ابنُ المنذِرِ وابنُ عبدِ البَرِّ (٣).

وإنَّما أَجمَعوا على ذلك لِما ورَدَ فيها من الأَحاديثِ.

ثم اختَلفَ العُلماءُ فيما عَدا هذه الأَصنافِ الأربَعةِ:

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفرُ إلى وُجوبِ الزَّكاةِ (العُشرِ أو نِصفِه) في كلِّ ما أخرَجَ اللهُ من الأرضِ، مما يُقصدُ بزراعَتِه نَماءُ الأرضِ من الثِّمارِ والحُبوبِ والخَضرواتِ والأَبازيرِ وغيرِها مما يُقصدُ به استِغلالُ الأرضِ، دونَ ما لا يُقصدُ به ذلك عادةً، كالحَطبِ والحَشيشِ والقَصبِ الفارِسيِّ (بخِلافِ قَصبِ السُّكرِ) والتِّبنِ وشَجرِ القُطنِ والباذِنجانِ وبَذرِ البِطيخِ والبُذورِ التي لِلأدويةِ كالحِلبةِ والشُّونيزِ، لكنْ لو قصَدَ بشَيءٍ من هذه الأنواعِ كلِّها أنْ يَشغَلَ أرضَه لِأجلِ الاستِنماءِ وجَبَت الزَّكاةُ، فالمَدارُ على القَصدِ.

(١) «التمهيد» (٢٠/ ١٤٨).
(٢) «الاستذكار» (٣/ ٢٢٧).
(٣) «المغني» (٣/ ٤٦٦)، و «الاستذكار» (٣/ ٢٢٧).

فلم يُشتَرطْ أنْ يَكونَ الخارِجُ من الأَقواتِ، ولا أنْ يَكونَ مما يَيبَسُ ويُدَّخرُ، ولا أنْ يَكونَ مما يُكالُ، ولا أنْ يَكونَ مَأكولًا.

وحُجَّةُ أَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه فيما ذهَبَ إليه:

أولًا: عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ولم يُفرِّقْ بينَ مُخرَجٍ ومُخرَجٍ.

قال الفَخرُ الرازيُّ رحمة الله عليه في تَفسيرِ الآيةِ: ظاهِرُ الآيةِ يَدلُّ على وُجوبِ الزَّكاةِ في كلِّ ما تُنبِتُه الأرضُ على ما هو قَولُ أَبي حَنيفةَ، واستِدلالُه بهذه الآيةِ ظاهِرٌ جدًّا (١).

ثانيًا: قَولُه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وذلك بَعدَ ذِكرِ أنواعِ المَأكولاتِ من الجَناتِ -مَعروشاتٍ وغيرَ مَعروشاتٍ- والنَّخلِ والزَّرعِ، والزَّيتونِ والرُّمانِ، وأحَقُّ ما يُحمَلُ الحَقُّ عليه الخَضرواتُ؛ لأنَّها هي التي يَتيسَّرُ إِيتاءُ الحَقِّ منها يومَ القَطعِ، وأمَّا الحُبوبُ فيَتأخَّرُ الإِيتاءُ فيها إلى يَومِ التَّنقيةِ (٢).

ثالثًا: قَولُه : «فيمَا سَقَت السَّماءُ والعُيونُ أو كانَ عَثرِيًّا العُشرُ، وما سُقيَ بالنَّضحِ نِصفُ العُشرِ» (٣) من غيرِ فَصلٍ بينَ ما يَبقَى وما لا يَبقى وما يُؤكَلُ وما لا يُؤكَلُ وما يُقتاتُ وما لا يُقتاتُ؛ ولأنَّه يُقصدُ بزِراعَتِه نَماءُ الأرضِ واستِغلالُها فأشبَهَ الحَبَّ.

(١) «التفسير» (٧/ ٦٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٥٣٠).
(٣) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّم.

وقد أيَّدَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ مَذهبَ أَبي حَنيفةَ هذا في «أَحكام القُرآنِ» (١) وفي شَرحِ التِّرمذيِّ قالَ رحمة الله عليه: وأقوى المَذاهبِ في المَسألةِ مَذهبُ أَبي حَنيفةَ دَليلًا، وأحوَطُها للمَساكينِ، وأَولاها قيامًا بشُكرِ النِّعمةِ، وعليه يَدلُّ عُمومُ الآيةِ والحَديثِ (٢).

وفي تَفسيرِ آيةِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] أطالَ القَولَ في تَأييدِ مَذهبِ أَبي حَنيفةَ والرَّدِّ على المَذاهبِ الأُخرى.

قال: أمَّا أبو حَنيفةَ فجعَلَ الآيةَ مِرآتَه، فأبصَرَ الحَقَّ فأَوجبَها في المَأكولِ قُوتًا كانَ أو غَيرَه، وبيَّنَ النَّبيُّ ذلك في عُمومِ قَولِه: «وفِيما سَقَت السَّماءُ العُشرُ» … إلخ كَلامِه رحمة الله عليه (٣).

وذهَبَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ صاحِبا أَبي حَنيفةَ إلى أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ إلا في الحُبوبِ وما له ثَمرةٌ باقيةٌ، وهي ما تبَقَّى عَينُه حَولًا من غيرِ تَكلُّفٍ ولا تَشميسٍ مما يُقتاتُ كالحِنطةِ والشَّعيرِ والذُّرةِ والدُّخنِ والأرُزِّ والجاورسِ والعَدسِ والماشِ واللُّوبيا -وهي الدُّخنُ- والحِمَّصِ والبُرَعيِّ والهِندِباءِ والتَّمرِ والزَّبيبِ وما أشبَهَ ذلك ممَّا يُقصدُ به الأكلُ وهو يَبقى سَنةً أو يُنتفَعُ به انتِفاعًا عامًّا كالزَّعفرانِ والعُصفُرِ والفُلفُلِ والكَمُّونِ والخَردلِ والكُزبَرةِ، ففيه العُشرُ وفي السِّمسِمِ العُشرُ، فإنْ عُصرَ قبلَ أنْ يُؤخذَ منه العُشرُ أُخذَ من

(١) «أحكام القرآن» (٧٥٥، ٧٦٤).
(٢) «شرح سنن الترمذي» (٣/ ١٣٥).
(٣) «أحكام القرآن» (٢/ ٢٨٣).

دُهنُه ولم يُؤخذْ من الشُّجَيرةِ شَيءٌ، وكذا الزَّيتونُ على هذا، ويَجبُ العُشرُ في الجَوزِ واللَّوزِ والبَصلِ والثُّومِ في الصَّحيحِ، ولا عُشرَ في الأَدويةِ كالسَّعتَرِ والشُّونيزِ والحَلفِ والحِلبةِ، وقيلَ: يَجبُ في الشُّونيزِ العُشرُ وهو الحَبَّةُ السَّوداءُ، ولا شَيءَ في الخِطميِّ والوَسمةِ وبَزْرِه ولا في الأُشنانِ ولا فيما يَخرجُ من الخَشبِ كالقَطِرانِ والسُّلتِ والقَتِّ والصَّمغِ، ولا شَيءَ في بَزْرِ الباذِنجانِ والجَزرِ ولا في بَزرِ القِثَّاءِ والبِطيخِ والدُّبَّاءِ والخيارِ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ لا تَصلُحُ إلا للزِّراعةِ دونَ الأكلِ، ولعُمومِ قَولِ النَّبيِّ : «لَيسَ في الخَضرَواتِ صَدقةٌ» (١) وهذا نَصٌّ (٢).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى التَّفريقِ بينَ الثِّمارِ والحُبوبِ، فأمَّا الثِّمارُ فلا يُؤخذُ منها زَكاةٌ إلا التَّمرَ والعِنبَ.

وأمَّا الحُبوبُ فيُؤخَذُ من الحِنطةِ والشَّعيرِ والسُّلتِ والذُّرةِ والدُّخنِ والأرُزِّ والعَلَسِ ومن القَطانِيِّ السَّبعةِ الحِمَّصِ والفُولِ والعَدسِ واللُّوبيا والتُّرمُسِ والجُلبَّانِ والبَسيلةِ، وذَواتِ الزَّيتونِ الأربَعِ: الزَّيتونِ والسِّمسِمِ والقُرطُمِ وحَبِّ الفُجلِ فهي كلُّها عِشرونَ جِنسًا، لا يُؤخَذُ من شَيءٍ سِواها زَكاةٌ، فلا تَجبُ في جَوزٍ ولَوزٍ وكَتانٍ وبِرسيمٍ وحِلبةٍ وسَلجَمٍ وتِينٍ.

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٦)، والبزار في «مسنده» (٣/ ١٥٦)، والطبراني في «الأوسط» (٦/ ١٠٠).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٥٣٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (١/ ٤٥٣)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ٤٩٥)، و «الهداية» (١/ ١٠٩)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٢٤٢)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٤٩، ٥٠).

ومَحلُّ عَدمِ وُجوبِ الزَّكاةِ فيما ذُكرَ وغيرِه ما لم تَكنْ من عُروضِ التِّجارةِ وإلا زُكِّيت (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في شَيءٍ من الزُّروعِ والثِّمارِ إلا ما كانَ قُوتًا، والقُوتُ: هو ما به يَعيشُ البَدنُ غالِبًا دونَ ما يُؤكَلُ تَنعُّمًا أو تَداويًا.

فلا تَجبُ الزَّكاةُ في الثِّمارِ إلا في العِنبِ والتَّمرِ فقط دونَ غيرِها، فلا تَجبُ في التِّينِ والتُّفاحِ والسَّفرجلِ والرُّمانِ والخَوخِ والجَوزِ واللَّوزِ والمَوزِ وأَشباهِها وسائِرِ الثِّمارِ سِوى الرُّطبِ والعِنبِ؛ لأنَّ ثَمرَ النَّخلِ والكَرمِ (العِنبِ) تَعظُمُ مَنفَعتُهما؛ لأنَّهما من الأَقواتِ والأَموالِ المُدَّخَرةِ المُقتاتةِ فهي كالأَنعامِ في المَواشي، أمَّا الحُبوبُ فلا تَجبُ في شَيءٍ منها إلا فيما يُقتادُ ويُدَّخرُ كالحِنطةِ والشَّعيرِ والأرُزِّ والعدَسِ والذُّرةِ والحِمَّصِ والبَاقلَّاءِ وغيرِ ذلك ممَّا يُقتاتُ ويُدَّخَرُ، ولا زَكاةَ عندَهم في الخَضرَواتِ.

قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أَصحابُنا: ويَخرُجُ عن المُقتاتِ الخَضرَواتُ، والقِثَّاءُ، والتُّرمُسُ، والسِّمسِمُ، والكَمُّونُ، والكَراويا، والكُزبَرةُ.

قال البَندَنيجيُّ: ويُقالُ لها: الكُسبَرةُ أيضًا، وبَزرُ القُطنِ وبَزرُ الكَتانِ وبَزرُ الفُجلِ، وغيرُ ذلك مما يُشبِهُه فلا زَكاةَ في شَيءٍ من ذلك عندَنا بلا خِلافٍ (٢).

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (١/ ٤٤٧)، و «الموطأ» (١/ ٢٧٣)، و «الاستذكار» (٣/ ٢٢٠)، و «منح الجليل» (٢/ ٢٨)، و «حاشية العدوي» (١/ ٦٠٠)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٦٨)، و «التلقين» (١/ ١٦٤)، و «الذخيرة» (٢/ ٤٤١).
(٢) «المجموع» (٧/ ٣/ ٥٢)، و «شرح المنهاج وحاشية القليوبي» (٢/ ١٦).

واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ مُعاذِ بنِ جَبلٍ رضي الله عنه وفيه: «فأمَّا القِثاءُ والبِطيخُ والرُّمانُ والقَصبُ والخَضراواتُ فعَفوٌ عَفا عنه رَسولُ اللَّهِ » (١).

وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في كلِّ ما استَنبَته الآدميُّونَ من الحُبوبِ والثِّمارِ وكان مما يَجمَعُ وَصفَينِ: الكَيلَ واليُبسَ مع البَقاءِ (أي: إِمكانيةِ الادِّخارِ) وهذا يَشمَلُ أنواعًا سَبعةً:

الأولُ: ما كانَ قُوتًا كالحِنطةِ والشَّعيرِ والأرُزِّ والذُّرةِ وَالدُّخنُ.

الثاني: القُطنيَّاتُ كالفُولِ والعَدَسِ والماشِ والحِمَّصِ واللُّوبيا.

الثالثُ: الأَبازيرُ، كالكُسبَرةِ، والكَمُّونِ، والكَراويا.

الرابِعُ: البُذورُ كبَذرِ الخيارِ، وبَذرِ البِطيخِ، وبَذرِ القِثاءِ وغيرِها ممَّا يُؤكلُ أو لا يُؤكلُ كبَذرِ الكَتّانِ وبُذورِ القُطنِ وبُذورِ الرَّياحينِ.

الخامِسُ: حَبُّ البُقولِ، كالرَّشادِ وحَبِّ الفُجلِ والقُرطُمِ، والتُّرمُسِ والحِلبةِ والخَردَلِ.

السادِسُ: الثِّمارُ التي تُجفَّفُ وتُدَّخرُ كاللَّوزِ والفُستُقِ والبُندُقِ والزَّبيبِ.

(١) رواه الدارقطني (٢/ ٩٧)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٥٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٢٩)، وذكره ابن الجوزي في «التحقيق في مسائل الخلاف» (٢/ ٣٨)، وقال: ابنُ نافِعٍ وإسحاقُ ضَعيفان، قال يَحيى بنُ سَعيدٍ: إسحاقُ شَبَّهَ لا شَيءَ. وقال يَحيى بنُ مُعينٍ: ليس بشَيءٍ لا يُكتَبُ حَديثُه. وقال أحمدَ والنَّسائيُّ: مَتروكُ الحَديثِ.

السابِعُ: ما لم يَكنْ حَبًّا ولا ثَمرًا لكنَّه يُكالُ ويُدَّخرُ كسَعتَرٍ وسُماقٍ أو ورَقِ شَجرٍ يُقصدُ كالسِّدرِ والخِطميِّ والآسِ.

قالوا: ولا تَجبُ الزَّكاةُ فيما عدا ذلك كالخَضراواتِ كلِّها، وكثِمارِ التُّفاحِ والمِشمِشِ والتِّينِ والتُّوتِ والمَوزِ والرُّمانِ والبُرتُقالِ وبَقيَّةِ الفَواكِهِ، ولا في الجَوزِ، نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ؛ لأنَّه مَعدودٌ، ولا تَجبُ في القَصبِ ولا في البُقولِ كالفُجلِ والبَصلِ والكُرَّاثِ ولا في نَحوِ القُطنِ والقُنَّبِ والكَتّانِ والعُصفُرِ والزَّعفَرانِ ونَحوِ جَريدِ النَّخلِ وخُوصِه ولِيفِه.

واحتجَّ الحَنابِلةُ على ذلك بقَولِ النَّبيِّ : «ليسَ فِيما دُونَ خَمسةِ أَوساقٍ من تَمرٍ ولا حَبٍّ صَدقةٌ» (١)، فدَلَّ على اعتبارِ الكَيلِ، وأمَّا الادِّخارُ؛ فلأنَّ غيرَ المُدخَرِ لا تَكمُلُ فيه النِّعمةُ لعَدمِ النَّفعِ به مآلًا.

وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ -ورُوي ذلك عن الحَسنِ وابنِ سِيرينَ والشَّعبيِّ، وقالَ به من الكُوفيِّينَ ابنُ أَبي لَيلى وسُفيانُ الثَّوريُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ وابنُ المُبارَكِ ويَحيَى بنُ آدَمَ وإليه ذهَبَ أبو عُبيدٍ-: إلى أنَّه لا زَكاةَ في شَيءٍ غيرِ هذه الأَجناسِ الأربَعةِ -الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ-؛ لأنَّ ما عدا هذا لا نَصَّ فيه ولا إِجماعَ، ولا هو في مَعنى المَنصوصِ عليه ولا المُجمَعِ عليه فيَبقَى على الأصلِ؛ ولأنَّها أغلَبُ الأَقواتِ، ولا يُساويها في هذا المَعنى وفي كَثرةِ نَفعِها شَيءٌ غَيرُها فلا يُقاسُ عليها شَيءٌ (٢).

(١) رواه مسلم (٩٧٩).
(٢) «المغني» (٣/ ٤٦٦، ٤٦٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٤١٤)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٥٦)، و «الإفصاح» (١/ ٣٢٠، ٣٢١).

واحتَجُّوا أيضًا بما رَواه ابنُ أَبي شَيبةَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّهِ عنِ النَّبيِّ قالَ: «العُشرُ في التَّمرِ والزَّبيبِ والحِنطَةِ والشَّعيرِ» (١).

وقالَ: حدَّثَنا وَكيعٌ عن عَمْرِو بنِ عُثمانَ عن موسى بنِ طَلحةَ «أنَّ مُعاذًا لمَّا قدِمَ اليَمنَ لم يَأخذِ الزَّكاةَ إلَّا من الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ» (٢).

حدَّثَنا وَكيعٌ عن طَلحةَ بنِ يَحيَى عن أَبي بُردةَ عن أَبي موسى الأشعَريِّ «أنَّهُ لم يَأخذْها إلاَّ من الحِنطَةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ» (٣).

ومِثلُ هذا يَبعُدُ أنْ يَكونَ رَأيًا منه، وقد رُويَ ذلك عن أَبي موسى عن النَّبيِّ مَرفوعًا (٤).

واحتجُّوا -ما عدا أبا حَنيفةَ- على انتِفاءِ الزَّكاةِ في الخُضرِ والفَواكهِ بقَولِ النَّبيِّ : «ليسَ في الخَضرَواتِ صَدقةٌ» (٥).

وعلى انتِفائِها في نَحوِ الرُّمانِ والتُّفاحِ من الثِّمارِ بما ورَدَ أنَّ سُفيانَ بنَ عبدِ اللهِ الثَّقفيَّ -وكان عامِلًا لِعمرَ على الطائِفِ- كانَ قِبَلَه حِيطانٌ فيها من الفِرسِكِ (الخَوخِ) والرُّمانِ ما هو أكثَرُ من غَلةِ الكُرومِ (العِنبِ) أَضعافًا،

(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٣٧٠) رقم (١٠٠٢١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٣٧١) رقم (١٠٠٢٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢/ ٣٧١) رقم (١٠٠٢٣).
(٤) «الاستذكار» (٣/ ٢٢٨).
(٥) حَديثٌ صَحيحٌ: أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٦)، والبزار في «مسنده» (٣/ ١٥٦)، والطبراني في «الأوسط» (٦/ ١٠٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب رهن الماشية التي تجب فيها الزكاة

بَابُ رَهْنِ الْمَاشِيَةِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ

قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو رهنه مَاشِيَةً وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ أُخِذَتْ مِنْهَا وَمَا بَقِيَ فَرَهْنٌ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:

إِذَا كَانَ مَعَ رَجُلٍ نِصَابٌ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ، كَأَرْبَعِينَ شَاةً حَالَ حَوْلُهَا، فَرَهَنَهَا قَبْلَ أَدَاءِ زَكَاتِهَا فَهُوَ كَالْبَيْعِ عَلَى مَا مَضَى، فَيَكُونُ الرَّهْنُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ إِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: جَائِزٌ إِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الرَّهْنَ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ جَائِزٌ فَهُوَ فِي الْبَاقِي أَجْوَزُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ بَاطِلٌ فهو يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَالرَّهْنُ فِي الْبَاقِي جَائِزٌ، وَإِنْ قيل تفريق الصفقة لا يجوز ففي ببطلان رَهْنِ الْبَاقِي وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ عِلَّةِ هذا القول، فإن قيل العلة فيه جَهَالَةُ الثَّمَنِ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ لَا ثَمَنَ فِيهِ، وَإِنْ قِيلَ الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ الْعَقْدَ جَمَعَ حَلَالًا وَحَرَامًا فَرَهْنُ الْبَاقِي بَاطِلٌ، فَلَوْ أَخَذَ الْوَالِي الزَّكَاةَ مِنْهَا بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الشَّاةِ الْمَأْخُوذَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَكُونُ الرَّهْنُ فِي الْبَاقِي عَلَى نَحْوِ مَا مَضَى فِي الْبَيْعِ.

مسألة:

قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو باعه بيعاً عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ إِيَّاهَا كَانَ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ كَمَنْ رَهَنَ شَيْئًا لَهُ وَشَيْئًا لَيْسَ لَهُ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الزكاة
الجملة الخامسة فيمن تجب له الصدقة

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ

وَهِيَ اعْتِبَارُ حَوْلِ نَسْلِ الْغَنَمِ

فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: حَوْلُ النَّسْلِ هُوَ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ نِصَابًا أَوْ لَمْ تَكُنْ، كَمَا قَالَ فِي رِبْحِ النَّاضِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يَكُونُ حَوْلُ النَّسْلِ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي رِبْحِ الْمَالِ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ - وَهِيَ جَوَازُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ -: فَإِنَّ مَالِكًا مَنَعَ ذَلِكَ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.

وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْمَسَاكِينِ؟ فَمَنْ قَالَ عِبَادَةٌ وَشَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ لَمْ يُجِزْ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ الْمُؤَجَّلَةِ أَجَازَ إِخْرَاجَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ عَلَى جِهَةِ التَّطَوُّعِ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِرَأْيهِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَسْلَفَ صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ قَبْلَ مَحَلِّهَا» .

الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ

الْجُمْلَةُ الْخَامِسَةُ

فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الصَّدَقَةُ

وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ:

الْأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمْ.

الثَّانِي: فِي صِفَتِهِمُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ.

الثَّالِثُ: كَمْ يَجِبُ لَهُمْ؟ .

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

فِي عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ الزَّكَاةُ

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في أحكام الزكاة]
[فصل في زكاة الفطر]

وَزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ. وَمَا غَابَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَةَ

(فَصْلٌ) زَكَاةِ الْفِطْرِ يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ.

ــ

منح الجليل

ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ إنَّهُ جِنَايَةٌ إلَخْ وَبِهَذَا ظَهَرَ صِحَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالِاسْمِ اهـ. بْن

(مُسَافِرٌ) مِنْ وَطَنِهِ تَمَّ حَوْلُ مَالَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ لَهُ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا (وَمَا غَابَ عَنْهُ) إنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَرِّجٌ) الزَّكَاةَ مَا غَابَ بِتَوْكِيلٍ أَوْ إمَامَةٍ لِبَلَدِهِ (وَ) الْحَالُ (لَا ضَرُورَةَ) إلَى مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ مِمَّا بِيَدِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ احْتَاجَ لَهُ فِيهَا أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْهُ إلَى عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ.

هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَالَ أَيْضًا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ فَيُزَكِّيهِ بِكُلِّ حَالٍ اتِّفَاقًا لِاجْتِمَاعِ الْمَالِ مَعَ رَبِّهِ وَمَفْهُومُ مُسَافِرٍ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.

فَصْلٌ فِي زَكَاة الْفِطْر

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 583 - 591

ارجع إلى أنصبة الزكاة ومقاديرها في أصناف الأموال للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.9 / 29.5
الإضاءة 45%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله