الشرط الثالث: نية التجارة

الإسلام > الزكاة > القسم الثاني الأصناف التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها ومقادير الزكاة في كل منها > الشرط الثالث: نية التجارة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الشرط الثالث: نية التجارة - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الثالِثُ: نِيةُ التِّجارةِ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشتَرطُ في زَكاةِ مالِ التِّجارةِ أنْ يَكونَ نَوى عندَ شِرائِه أو تَملُّكِه أنَّه للتِّجارةِ، فليسَ كلُّ ما يَشتَريه الإِنسانُ من أَشياءَ وأمتِعةٍ وعُروضٍ يَكونُ مالَ تِجارةٍ، فقد يَشتَري ثيابًا لِلبسِها أو أثاثًا لبَيتِه أو دابَّةً أو سيارةً للرُّكوبِ فلا يُسمَّى شيءٌ من ذلك تِجارةً إلا بقَصدِ بَيعِه والرِّبحِ منه.

فالإِعدادُ لِلتِّجارةِ يَتضمَّنُ عُنصُرَينِ: عَملًا ونِيةً، فالعَملُ هو البَيعُ والشِّراءُ، والنِّيةُ هي قَصدُ الرِّبحِ، فلا يَكفي في التِّجارةِ أحَدُ العُنصرَينِ دونَ الآخَرِ، لا يَكفي مُجرَّدُ النِّيةِ والرَّغبةِ في الرِّبِحِ دونَ مُمارَسةِ التِّجارةِ بالفِعلِ (١) ولا تَكفي المُمارَسةُ بغيرِ النِّيةِ والقَصدِ.

والنِّيةُ المُعتبَرةُ هي ما كانَت مُقارِنةً لدُخولِه في مِلكِه؛ لأنَّ التِّجارةَ عَملٌ فيَحتاجُ إلى النِّيةِ مع العَملِ، فلو ملَكَه للقِنيةِ، ثم نَواه للتِّجارةِ لم يَصِرْ لها، ولو ملَكَه للتِّجارةِ ثم نَواه للقِنيةِ وألَّا يَكونَ للتِّجارةِ صارَ للقِنيةِ، وخرَجَ عن أنْ يَكونَ مَحلًّا للزَّكاةِ، ولو عادَ فنَواه للتِّجارِة؛ لأنَّ تَركَ التِّجارةِ من قَبيلِ التُّروكِ والتَّركَ يُكتَفى فيه بالنِّيةِ كالصَّومِ.

قال أبو الوَليدِ الباجيُّ: الأَموالُ على ضَربَينِ: أحدُهما:

مالٌ أصلُه التِّجارةُ كالذَّهبِ والفِضةِ، فهذا على حُكمِ التِّجارةِ حتى يَنتقِلَ عنه.

(١) وهذا على قَولِ الجُمهورِ، وذكَر ابنُ عَقيلٍ وأبو بَكرٍ من الحَنابِلةِ أنَّ عَرضَ القِنيةِ يَصيرُ لِلتِّجارةِ بمجرَّد النيَّةِ، وحَكَوْه رِوايةً عن أحمدَ لِحَديثِ سَمُرةَ السابِقِ. انظر: «المغني» (٤/ ٧)، و «الفروع» (٤/ ١٦٨).

ومالٌ أصلُه القِنيةِ كالعُروضِ والثِّيابِ وسائِرِ الحَيوانِ والأطعِمةِ فهذا على حُكمِ القِنيةِ حتى يَنتقِلَ عنه، فما كانَ أصلُه التِّجارةُ لم يَنتقِلْ إلى القِنيةِ إلا بالنِّيةِ والعَملِ، والعَملُ المُؤثِّرُ في ذلك أنَّ الصِّياغةَ وما كانَ أصلُه القِنيةَ لم يَنتقِلْ إلى التِّجارةِ إلا بالنِّيةِ والعَملِ، والعَملُ المُؤثِّرُ في ذلك الابتِياعُ، فمَن اشتَرى عَرضًا ولم يَنوِ به تِجارةً فهو على القِنيةِ حتى يُوجَدَ منه نِيةُ التِّجارةِ.

ومَن ورِثَ عَرضًا يَنوي به التِّجارةَ فهو على القِنيةِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه عَملٌ يَنقُله إلى التِّجارةِ، فإذا ابتاعَه للتِّجارةِ فقد اجتَمعَ فيه النِّيةُ والعَملُ، فثبَتَ له حُكمُ التِّجارةِ لِما قدَّمْناه (١).

وقالَ ابنُ القَطَّانِ رحمة الله عليه في «الإِقناع في مَسائِلِ الإِجماعِ»: وأَجمعَ الحَنفيُّونَ والمالِكيُّونَ والشافِعيُّونَ وغَيرُهم على أنَّ مَنْ اشتَرى سِلعًا للقِنيةِ ثم نَوى بها التِّجارةَ فلا زَكاةَ فيها (٢).

أي: لا زَكاةَ فيها بمُجرَّدِ النِّيةِ، بل يَلزَمُ مع النِّيةِ العَملُ مِنْ بَيعٍ.

قال الدُّسوقيُّ: ولأنَّ النِّيةَ سَببٌ ضَعيفٌ تُنقَلُ إلى الأصلِ، ولا تُنقَلُ عنه، والأصلُ في العُروضِ القِنيةُ.

وقالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: لَما لم تَكُنِ العُروضُ للتِّجارةِ خِلقةً لا تَصيرُ لها إلا بقَصدِها فيه.

(١) «المنتقى شرح الموطأ» (٢/ ١٠١).
(٢) «الإقناع» (١١٩٤).

وقالَ المالِكيةُ: ولو قرَنَ بنيَّةِ التِّجارةِ نيَّةَ استِغلالِ العَرضِ بأنْ يَنويَ عندَ شِرائِه أنْ يَكريَه وإنْ وجَدَ رِبحًا باعَه، ففيه الزَّكاةُ على المُرجَّحِ عندَهم، وكذا لو نَوى مع التِّجارةِ القِنيةَ بأنْ يَنويَ الانتِفاعَ بالشَّيءِ كرُكوبِ الدابَّةِ أو سُكنى المَنزِلِ ثم إنْ وجَدَ رِبحًا باعَه.

قالوا: فإنْ ملَكَه للقِنيةِ فقط، أو لِلغلَّةِ فقط، أو لهما، أو بلا نيَّةٍ أصلًا فلا زَكاةَ عليه.

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إنِ اشتَرى شَيئًا لِلقِنيةِ كدابَّةٍ ليَركبَها ناويًا أنَّه إنْ وجَدَ رِبحًا باعَها، لم يَعدْ ذلك مالَ تِجارةٍ، بخِلافِ ما لو كانَ يَشتَري دَوابَّ ليُتاجِرَ فيها ويَربَحَ منها، فإذا ركِبَ دابَّةً منها واستعمَلها لنَفسِه حتى يَجدَ الرِّبحَ المَطلوبَ فيها فيَبيعَها، فإنَّ استِعمالَه لها لا يُخرِجُها عن التِّجارةِ؛ إذِ العِبرةُ في النيَّةِ بما هو الأصلُ، فما كانَ الأصلُ فيه الاقتِناءَ والاستِعمالَ الشَّخصيَّ لم يَجعلْه للتِّجارةِ مُجرَّدُ رَغبتِه في البَيعِ إذا وجَدَ رِبحًا، وما كانَ الأصلُ فيه الاتِّجارَ والبَيعَ، لم يُخرِجْه عن التِّجارةِ طُروءُ استِعمالِه.

أمَّا إذا نَوى تَحويلَ عَرضٍ تِجاريٍّ مُعيَّنٍ إلى استِعمالِه الشَّخصيِّ فتَكفي هذه النيَّةُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ لإِخراجِه من مالِ التِّجارةِ، وإِدخالِه في المُقتَنياتِ الشَّخصيةِ غيرِ الناميةِ (١).

(١) «ابن عابدين» (٢/ ١٠، ١٩)، و «فتح القدير» (١/ ٥٢٧)، و «المبسوط» (٣/ ٣١٠، ٣١١)، و «البدائع» (٢/ ٤٢٩)، و «المجموع» (٧/ ١٢٩)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٤٧٢، ٤٧٦)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤١٢)، و «شرح المنهاج» (٢/ ٢٨)، و «المغني» (٤/ ٧)، و «الفروع» (٤/ ١٦٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الزكاة
باب زكاة التجارة

بابُ زكاةِ التِّجارةِ

تَجِبُ الزكاةُ فى قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ فى العُرُوضِ التى يُرَادُ بها التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ، إذا حالَ عليها الحَوْلُ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ، والحسنُ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ، ودَاوُدَ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ" . ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ ، بإسْنَادِهِ عن سَمُرَةَ ابن جُنْدَبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُنَا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مما نُعِدّهُ لِلْبَيْعِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ ، عن أَبِى ذَرٍّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقولُ: "فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُها، وَفِى الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْبَزِّ صَدَقَتُهُ" . قالَه بالزَّاىِ، ولا

خِلافَ فى أنها لا تَجِبُ فى عَيْنِه، وثَبَتَ أنَّها تَجِبُ فى قِيمَتِه. وعن أبِى عَمْرِو بنَ حِماسٍ، عن أبِيهِ، قال: أمَرَنِى عمرُ، فقال: أدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فقلتُ: مَا لِىَ مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وأدَمٌ. فقال: قَوِّمْها ثم أَدِّ زَكَاتَها. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ . وهذه قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فيكونُ إجْمَاعًا. وخَبَرُهم المُرَادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زَكَاةُ القِيمَةِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ وحَدِيثُنا خَاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الزكاة
باب زكاة التجارة

باب زكاة التجارة

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بن عيينة عَنْ يَحْيَي بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حماسٍ أَنَّ أَبَاهُ حِمَاسًا قَالَ مَرَرْتُ عَلَى عمر ابن الْخَطَّابِ وَعَلَى عُنُقِي أَدَمَةٌ أَحْمِلُهَا فَقَالَ أَلَا تُؤَدِّي زَكَاتَكَ يَا حِمَاسُ؟ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ المؤمنين مالي غَيْرُ هَذِهِ وَأَهُبُّ فِي القرظِ فَقَالَ ذَاكَ مال فضع فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَسَبَهَا فَوَجَدَهَا قَدْ وَجَبَتْ فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ:

الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ فِي كُلِّ عَامٍ هَذَا مَذْهَبُنَا.

وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ.

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ لا زكاة فيه بحال.

وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: دَاوُدُ احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ " .

فَأَخْرَجَهَا بِالتِّجَارَةِ عَنِ الْحَالِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ.

وَلَوْ كَانَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءً، لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِهِ بِالتِّجَارَةِ مَعْنًى، بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ " فَكَانَ الْعَفْوُ عَلَى عُمُومِهِ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 572 - 574

ارجع إلى أنصبة الزكاة ومقاديرها في أصناف الأموال للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله