الحالة الثانية: أن يخالف فيبيع بأزيد مما حدد له الموكل

الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > الحالة الثانية: أن يخالف فيبيع بأزيد مما حدد له الموكل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يخالف فيبيع بأزيد مما حدد له الموكل - الأقوال والأدلة

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يُخالِفَ فيَبيعَ بأزيَدَ ممَّا حَدَّدَ له المُوكِّلُ:

ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكيلَ إذا خالَفَ مُوكِّلَه لِلأحسَنِ، كما إذا قالَ له: بِعْ هذه السِّلعةَ بألْفٍ، فباعَها بأزيَدَ، أو نَقَصَ عمَّا أُمِرَ به في الشِّراءِ، كما إذا قالَ له: اشتَرِها بألْفٍ، فاشتَراها بأقَلَّ، صَحَّ البَيعُ، ولا خِيارَ لِمُوكِّلِه؛ لأنَّ هذا ممَّا يُرغَبُ فيه، وليسَ مُطلَقُ المُخالَفةِ يُوجِبُ خِيارًا، وإنَّما يُوجِبُه مُخالَفةٌ يَتعلَّقُ بها غَرَضٌ صَحيحٌ.

ولأنَّ الإذْنَ ضَربانِ: إذْنٌ مُستَفادٌ نُطقًا، وإذْنٌ مُستَفادٌ عُرفًا، وفي العُرفِ: أنَّ مَنْ يَرضَى ببَيعِ سِلعَتِه بألْفٍ يَرضَى ببَيعِها بأكثَرَ.

إلَّا أنَّ الشَّافِعيَّةَ قالوا: إنْ قالَ له: بِعْهُ بألْفٍ، ولا تَبِعْ بما زَادَ، لَم يَصحَّ أنْ يَبيعَه بأكثَرَ مِنْ الألْفِ؛ لأنَّ النُّطقَ أبطَلَ حُكمَ العُرفِ.

وفي احتِمالٍ عندَهُم: أنَّه إنِ احتمَلَ أنَّه يُريدُ: لا تُتعِبْ نَفِسَكَ في طَلَبِ الزِّيادةِ نُفِّذَ البَيعُ (١).

٢ - مُخالَفةُ الوَكيلِ المُوكِّلَ بأنْ أمَرَه بالبَيعِ حالًّا فباعَ مُؤجَّلًا نَسيئةً:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أمَرَ المُوكِّلُ الوَكيلَ في البَيعِ بأنْ يَبيعَ حالًّا فباعَ نَسيئةً إلى أجَلٍ، هَلْ يَبطُلُ البَيعُ أو يَتوقَّفُ على إذْنِ المُوكِّلِ، فإنْ أجازَه جازَ، وإلَّا رَدَّ.

(١) المصادر السابقة.

فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوكِّلَ إذا وكَّله أنْ يَبيعَ له سِلعةً بثَمَنٍ حالٍّ لَم يَجُزْ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَها بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ، قَلَّ الأجَلُ أو كَثُرَ، وسَواءٌ كانَ البَيعُ بالنَّسيئةِ، نَفَعَ أو أضَرَّ؛ لأنَّه إنَّما يَتصرَّفُ بإذْنِه، ولَم يَأذَنْ في غيرِ ذلك.

قالَ الشَّافِعيَّةُ: حتى لو باعَه بأجَلٍ ثم احتَبَسَ المَبيعُ حتى حَلَّ الأجَلُ وقبَض الثَّمنَ، لَم يَجُزْ؛ لِوُقوعِ العَقدِ فاسِدًا (١).

وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ البَيعَ لا يُنَفَّذُ، ويَتوقَّفُ على إجازةِ المُوكِّلِ، فإنْ أجازَه نُفِّذَ ولَزِمَه، وإنْ رَدَّه لا يُنَفَّذُ في حَقِّه.

قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: الوَكيلُ بالبَيعِ إنْ كانَ مُقيَّدًا يُراعَى فيه القَيدُ بالإجماعِ، حتى إنَّه إذا خالَفَ قَيدَه لا يُنَفَّذُ على المُوكِّلِ، ولكنْ يَتوقَّفُ على إجازَتِه … كما لو وكَّله بالبَيعِ بألْفِ دِرهَمِ حالَّةً فباعَه بألْفِ نَسيئةً، لَم يُنَفَّذْ، بَلْ يَتوقَّفُ، لِمَا قُلْنا (٢).

وَجاءَ في «مَجَلَّةِ الأحكامِ العَدْلِيَّةِ وشَرحِها»: إنْ كانَ قَدْ وُكِّلَ بالبَيعِ بالنَّقدِ صَراحةً، أو دِلالةً، فليسَ له أنْ يَبيعَ نَسيئةً، مثلًا لو قالَ المُوكِّلُ: بِعْ هذا المالَ نَقدًا، أو بِعْ مالي هذا، وأدِّ دَيْني، فليسَ لِلوَكيلِ أنْ يَبيعَ ذلك المالَ بالنَّسيئةِ؛ لأنَّ التَّقييدَ بالبَيعِ نَقدًا مُفيدٌ ومُعتبَرٌ؛ لأنَّه في البَيعِ مُؤجَّلًا

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٤٤)، و «البيان» (٦/ ٤٣٦)، و «المغني» (٥/ ٧٧)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٢٥)، والمحرر (١/ ٣٥٠)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٧٨).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٧)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٥٠٠).

يَجِبُ تَسليمُ المَبيعِ أولا لِلمُشتَرِي، ويَتَأخَّرُ قَبضُ الثَّمنِ إلى حُلولِ الأجَلِ. ففي تلك الحالِ إذا أنكَرَ المُشتَرِي أو ماتَ مُفلِسًا يُحتمَلُ أنْ يَهلِكَ ويَتلَفَ الثَّمنُ، أمَّا في البَيعِ مُعَجَّلًا فلِعدمِ احتِمالِ الهَلاكِ فيه، فالتَّقييدُ بالبَيعِ نَقدًا أصبَحَ مُفيدًا ومُعتبَرًا، فإنْ باعَ المالَ وسلَّمَه كانَ ضامِنًا (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: مَنْ وكَّل رَجُلًا على بَيعِ سِلعةٍ بالنَّقدِ، أو لَم يُسَمِّ له نَقدًا، ولا مُؤجَّلًا، وكانَ شَأنُها أنَّها لا تُباعُ إلَّا بالنَّقدِ، فخالَفَ الوَكيلُ وباعَها في الصُّورَتَيْنِ بالدَّيْنِ؛ فإنَّ الوَكيلَ مُتعَدٍّ في بَيعِه بالدَّيْنِ، وسَواءٌ سمَّى له المُوكِّلُ قَدْرَ رَأْسِ الثَّمنِ أو لا.

ثم لا يَخْلُو الحالُ مِنْ أمرَيْنِ:

إمَّا أنْ يَطَّلِعَ على ذلك بعدَ فَواتِ السِّلعةِ أو قبلَ فَواتِها.

فَإنْ فاتَتِ السِّلعةُ؛ فإنَّه لا يَجوزُ لِلمُوكِّلِ أنْ يَرضَى بالثَّمنِ المُؤجَّلِ؛ لأنَّه قَدْ وجَب له على الوَكيلِ التَّسميةُ إنْ كانَ سمَّى له ثَمَنًا، أو القِيمةُ إنْ كانَ لَم يُسَمِّ، فرِضاه بعدَ ذلك بالدَّينِ المُؤجَّلِ فَسخُ دَيْنٍ في دَيْنٍ، وإنْ كانَتِ القِيمةُ أو التَّسميةُ أقَلَّ مِنْ الثَّمنِ المُؤجَّلِ، وهو الأغلَبُ، لَزِمَ مِنه بَيعُ قَليلٍ بأكثَرَ مِنه إلى أجَلٍ، وهو عَينُ الرِّبا على المَشهورِ.

وقيلَ: يَجوزُ له الرِّضا بالمُؤجَّلِ.

وقيلَ: لِلمُوكِّلِ أنْ يُلزِمَ الوَكيلَ القِيمةَ إنْ لَم يُسَمِّ، أو التَّسميةَ إنْ سمَّى، ويَبقَى الثَّمنُ المُؤجَّلُ لِأجَلِه، والمَشهورُ المَنعُ مِنْ ذلك.

(١) «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» (٣/ ٦٢٩، ٦٣٠) المادة (١٤٩٨).

وإذا لَم تَفُتِ السِّلعةُ لَم يَمتَنِعْ رِضاه بالثَّمنِ المُؤجَّلِ؛ لأنَّ رِضاه حينَئذٍ كَإنشاءِ عُقدةٍ، وقَد تَقدَّم أنَّه إذا خالَفَ الوَكيلُ في البَيعِ؛ فإنَّه يُخيَّرُ المُوكِّلُ في رَدِّ البَيعِ وفي إجازَتِه، فكَذلك هُنا يُخيَّرُ المُوكِّلُ في إجازةِ البَيعِ بالثَّمنِ المُؤجَّلِ، وفي رَدِّ المَبيعِ، وأخْذِ سِلعَتِه، وسَواءٌ سمَّى له الثَّمنَ الوَكيلُ أو لا.

ولا يَجوزُ لِلمُوكِّلِ أنْ يُلزِمَ الوَكيلَ القِيمةَ أوِ التَّسميةَ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى دَفْعِ قَليلٍ في كَثيرٍ، وإنَّ الحُكمَ في ذلك أنْ يُباعَ الدَّيْنُ المُؤجَّلُ؛ فإذا بِيعَ فإنْ وَفَّى بقِيمةِ السِّلعةِ إنْ كانَ المُوكِّلُ لَم يُسَمِّ له ثَمَنًا، أو بالتَّسميةِ إنْ كانَ سمَّى له ثَمَنًا، فلا كَلامَ لِلمُوكِّلِ.

وإنْ لَم يُوَفِّ ما بِيعَ به الدَّيْنُ بالقِيمةِ في الصُّورةِ الأُولَى، أو بالتَّسميةِ في الصُّورةِ الثَّانيةِ؛ فإنَّ الوَكيلَ يُغَرَّمُ لِلمُوكِّلِ ما نَقَصَ؛ فَإنْ بِيعَ بأكثَرَ أخَذَ المُوكِّلُ الجَميعَ؛ إذْ لا رِبْحَ لِلمُتعَدِّي.

وَمَحَلُّ مَنْعِ الرِّضا بالدَّيْنِ مَع فَواتِ المَبيعِ حيثُ كانَ الدَّيْنُ الذي وقَع به البَيعُ أكثَرَ مِنْ الثَّمنِ أوِ القِيمةِ، كما لو كانَتْ عَشَرةً، أو قالَ له: بِعْ بعَشَرةٍ، فباعَه بخَمسةَ عَشَرَ لِأجَلٍ، وأمَّا لو كانَ الدَّيْنُ الواقِعُ به البَيعُ مثلَ التَّسميةِ، أو قِيمةِ الشَّيءِ المَبيعِ؛ فإنَّه يَجوزُ لِلمُوكِّلِ الرِّضا به (١).

(١) «الإشراف» (٣/ ٨١) رقم (٩٤٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧١، ٧٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢١٢، ٢١٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٦٣، ١٦٤)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٩، ٨٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤٨ - مسألة؛ قال: (ومن وكل في شراء شىء فاشترى غيره، كان الآمر مخيرا في قبول الشراء، فإن لم

فيه بذلك يَدُلُّ على أنَّه قَصَدَ الرُّجُوعَ عن بَيْعِه. وإن بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لم تَبْطُل الوَكَالَةُ؛ لأنَّ مِلْكَه في العَبْدِ لم يَزُلْ. ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ.

٨٤٨ - مسألة؛ قال: (ومن وُكِّلَ في شِرَاءِ شَىْءٍ فَاشْتَرَى غَيْرَهُ، كَانَ الْآمِرُ مُخَيَّرًا فِي قُبُولِ الشِّرَاءِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَزِمَ الوَكِيلَ، إلَّا أنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 418 - 421

ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله