الإسلام > الشركات والإجارات > أحكام الوكالة > تعدد الوكلاء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةجَعفَرٍ، قُمْ فاجْلِدْه. فجَلَدَه وعَلِيٌّ يَعُدُّ، حتى بلَغ أربَعينَ، فقالَ: أمسِكْ. ثم قالَ: جَلَدَ النَّبيُّ ﷺ أربَعينَ، وجَلَدَ أبو بَكرٍ أربَعينَ، وعُمَرُ ثَمانينَ، وكُلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحَبُّ إليَّ (١).
تَعَدُّدُ الوُكَلاءِ:
لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ لِلمُوكِّلِ أنْ يُوكِّلَ أكثَرَ مِنْ وَكيلٍ في تَصرُّفٍ مُعيَّنٍ في الجُملةِ، عَدا الخُصومةَ؛ فأنَّهم اختَلَفوا فيها، كما تَقدَّم في حُكمِ التَّوكيلِ في الخُصومةِ.
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ قَسَّموا حالَ الوُكَلاءِ المُتعَدِّدينَ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ:
الأوَّلُ: أنْ يُوكِّلَ الوَكيلُ أكثَرَ مِنْ واحِدٍ على التَّعاقُبِ، فيَجوزُ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ لكلٍّ مِنهم الانفِرادُ بالتَصرُّفِ؛ لأنَّه رَضيَ برَأْيِ كلِّ واحِدٍ مِنهم على الِانفِرادِ وَقتَ تَوكيلِه؛ فلا يَتغيَّرُ بعدَ ذلك.
الثَّاني: أنْ يُوكِّلَ أكثَرَ مِنْ وَكيلٍ بلَفظٍ واحِدٍ، وأمَرَهم ألَّا يَتصرَّفَ أحَدُهم إلَّا بإذْنِ الآخَرينَ، فلا يَصحُّ تَصرُّفُ أحَدِهم بمُفرَدِه؛ لِنَهْيِه عن ذلك.
الثَّالثُ: أنْ يُوكِّلَ أكثَرَ مِنْ وَكيلٍ في لَفظٍ واحِدٍ، فاختَلَفوا: هَلْ لا بدَّ مِنْ اتِّحادِ الوُكَلاءِ واتِّفاقِهم على التَصرُّفِ أو يَجوزُ لِأحَدِهم الِاستِبدادُ بالتَصرُّفِ وَحدَه إذا لَم يَأذَنِ المُوكِّلُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم بالتَصرُّفِ؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ:
(١) رواه مسلم (١٧٠٧).
فَقالَ الحَنفيَّةُ: إذا وَكَّل وَكيلَيْنِ، فإنْ كانَ ذلك بكَلامَيْنِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَنفَرِدَ بالتَصرُّفِ؛ لأنَّه رَضيَ برَأْيِ كلِّ واحِدٍ مِنهُما على الِانفِرادِ حيثُ وكَّلهُما مُتَعاقِبَيْنِ.
وإنْ كانَ بكَلامٍ واحِدٍ فليسَ لِأحَدِهِما أنْ يَتصرَّفَ فيما وُكِّلَا به دونَ الآخَرِ، ولو فَعلَ لَم يَجُزْ حتى يُجيزَ صاحِبُه أو المُوكِّلُ، إنْ كانَ التَصرُّفُ ممَّا يُحتاجُ فيه إلى الرَّأْيِ، كالبَيعِ والخُلعِ، وغيرِ ذلك، إذا قالَ: وَكَّلتُكُما ببَيعِ كذا، أو بخَلعِ كذا؛ لأنَّ المُوكِّلَ رَضيَ برَأْيِهما، لا برَأْيِ أحَدِهِما، ولو ماتَ أحَدُهما، أو ذهَب عَقلُه، ليسَ لِلآخَرِ أنْ يَتصرَّفَ، وسَواءٌ كانَ الثَّمنُ مُسَمًّى أو لَم يَكُنْ، وسَواءٌ كانَ الوَكيلُ الآخَرُ حاضِرًا أو غائِبًا.
وكَذلك الوَكيلانِ بالنِّكاحِ والطَّلاقِ على مالٍ، والعِتقِ على مالٍ، والخُلعِ والكِتابةِ، وكُلُّ عَقدٍ فيه بَدَلٌ هو مالٌ؛ لأنَّ كلَّ ذلك يَحتاجُ إلى الرَّأْيِ ولَم يُرْضَ برَأْيِ أحَدِهِما دونَ الآخَرِ.
كذا ما خرَج مَخرَجَ التَّمليكِ، بأنْ قالَ لِرَجُلَيْنِ: جَعَلتُ أمْرَ امرَأتي بيَدَيْكُما، أو قالَ لهما: طَلِّقا امرَأتي إنْ شِئتُما، لا يَنفَرِدُ أحَدُهما بالتَّطليقِ؛ لأنَّه جعَل أمْرَ اليَدِ تَمليكًا، ألَا تَرَى أنَّه يَقِفُ على المَجلِسِ؟ والتَّمليكاتُ هي التي تَختَصُّ بالمَجلِسِ، والتَّمليكُ على هذا الوَجْهِ مَشروطٌ بالمَشيئةِ، كَأنَّه قالَ: طَلِّقا امرَأتي إنْ شِئتُما، وهُناكَ لا يَملِكُ أحَدُهما التَّطليقَ دونَ صاحِبِهِ؛ لأنَّ المُعلَّقَ بشَرطَيْنِ لا يَنْزِلُ إلَّا عندَ وُجودِهِما، فكذا هذا.
وكذا الوَكيلانِ بقَبضِ الدَّيْنِ، لا يَملِكُ أحَدُهما أنْ يَقبِضَ دونَ صاحِبِهِ؛
لأنَّ قَبضَ الدَّيْنِ ممَّا يَحتاجُ إلى الرَّأْيِ والأمانةِ، وقَد فوَّض الرَّأْيَ إليهما جَميعًا، لا إلى أحَدِهِما، ورَضيَ بأمانَتِهما جَميعًا، لا بأمانةِ أحَدِهِما؛ فَإنْ قبَض أحَدُهما لَم يُبْرِئْه الغَريمُ حتى يَصِلَ ما قَبَضَه إلى صاحِبِه، فيَقَعَ في يَدَيْهِما جَميعًا، أو يَصِلَ إلى المُوكِّلِ؛ لأنَّه لمَّا وَصَلَ المَقبوضُ إلى صاحِبِه، أو إلى المُوكِّلِ فقَد حصَل المَقصودُ بالقَبضِ فصارَ كَأنَّهما قَبَضاه جَميعًا ابتِداءً.
وأمَّا الوَكيلانِ بالطَّلاقِ على غيرِ مالٍ، والعِتقِ على غيرِ مالٍ، والوَكيلانِ بتَسليمِ الهِبةِ، وقَضاءِ الدَّيْنِ، ورَدِّ الوَديعةِ والعارِيةِ والغَصبِ، فيَنفَرِدُ أحَدُهما بالتَصرُّفِ فيما وُكِّلَا بهِ؛ لأنَّ هذه التَصرُّفاتِ ممَّا لا تَحتاجُ إلى الرَّأْيِ، فكانَتْ إضافةُ التَّوكيلِ إليهما تَفويضًا لِلتَصرُّفِ إلى كلِّ واحِدٍ مِنهُما بانفِرادِه.
وأمَّا الوَكيلانِ بالخُصومةِ، فكلُّ واحِدٍ مِنهُما يَتصرَّفُ بانفِرادِه عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّ الغَرَضَ مِنْ الخُصومةِ إعلامُ القاضي بما يَملِكُه المُخاصِمُ، واستِماعُه واجتِماعُ الوَكيلَيْنِ على ذلك يُخِلُّ بالإعلامِ والِاستِماعِ؛ لأنَّ ازدِحامَ الكَلامِ يُخِلُّ بالفَهْمِ، فكانَتْ إضافةُ التَّوكيلِ إليهما تَفويضًا لِلخُصومةِ إلى كلِّ واحِدٍ مِنهُما، فأيُّهما خاصَمَ كانَ تَمثيلًا، إلَّا أنَّه لا يَملِكُ أحَدُهما القَبضَ دونَ صاحِبِه، وإنْ كانَ الوَكيلُ بالخُصومةِ يَملِكُ القَبضَ؛ لأنَّ اجتِماعَهُما على القَبضِ مُمكِنٌ، فلا يَكونُ راضيًا بقَبضِ أحَدِهِما بانفِرادِه (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٢، ٣٣)، و «العناية» (١١/ ١٨٤، ١٨٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٤)، و «الاختيار» (٣/ ١٩٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٨٥، ٤٨٧)، و «اللباب» (١/ ٥٥٩، ٥٦٠).
وقالَ المالِكيَّةُ: المُوكِّلُ إذا وكَّل اثنَيْنِ فأكثَرَ على شَيءٍ، إمَّا أنْ يُوكِّلَهُما معًا في آنٍ واحِدٍ، فلا يَجوزَ لِأحَدِهِما الِاستِبدادُ بالتَصرُّفِ إلَّا إذا شرَط لهما المُوكِّلُ الِاستِبدادَ.
وأمَّا أنْ يُوكِّلَهُما على التَّعاقُبِ، فيَجوزَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ الوَكيلَيْنِ على مالٍ مِنْ بَيعٍ أو شِراءٍ أو اقتِضاءِ دَيْنٍ ونحوِه، كَطَلاقٍ وعِتقٍ وإبراءٍ وهِبةٍ ووَقْفٍ -غيرِ الخُصومةِ، كما تَقدَّم مُفَصَّلًا- الِاستِبدادُ والتَصرُّفُ بما يَفعَلُه دونَ الآخَرِ، وسَواءٌ علِم الثَّاني بالأوَل أو لا، إلَّا لِشَرطٍ مِنْ المُوكِّلِ ألَّا يَستَبِدَّ، فليسَ له استِقلالٌ بالتَصرُّفِ، ولا بدَّ مِنْ مُشاوَرةِ الآخَرِ، كما إذا وُكِّلَا في آنٍ واحِدٍ.
وأمَّا الوَصِيَّانِ فلا يَستَقِلُّ أحَدُهما بالتَصرُّفِ، ولو تَرَتَّبَا؛ لأنَّ الإيصاءَ إنَّما يَكونُ عندَ المَوتِ، فلَا أثَرَ لِلتَّرتيبِ الواقِعِ قبلَه، ولِتَعَذُّرِ النَّظرِ مِنْ المُوصَى في الرَّدِّ دونَ المُوكِّلِ، إنْ ظهَر مِنه على أمْرِ عزَله (١).
وأمَّا الشَّافِعيَّةُ؛ فقالَ العِمرانيُّ رحمة الله عليه: وإنْ وكَّل وَكيلَيْنِ في تَصرُّفٍ، كالبَيعِ، والإجارةِ، وما أشبَهَهُما، نُظرتْ:
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢١٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٧٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٧)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨٢)، و «منح الجليل» (٦٤٠٥).
فَإنْ صرَّح بأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما التَصرُّفَ على الِانفِرادِ، كانَ لهما التَصرُّفُ بالِاجتِماعِ والِانفِرادِ؛ لأنَّه قَدْ أَذِنَ لهما بذلك.
وإنْ قالَ: وَكَّلتُكُما على الِاجتِماعِ، أو وَكَّلتُكُما في كذا، أو أطلَقَ، لَم يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ بالتَصرُّفِ؛ لأنَّه لَم يَرْضَ بنَظَرٍ واحِدٍ مِنهُما، فإنْ غابَ أحَدُهما أو ماتَ، لَم يَكُنْ لِلحاكِمِ أنْ يُقيمَ آخَرَ مَقامَ الآخَرِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يَرْضَ بنَظَرِ غيرِه.
وإنْ حضَر أحَدُ الوَكيلَيْنِ عندَ الحاكِمِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعى الحاضِرُ الوَكالةَ له ولِلغائِبِ، وأقامَ على ذلك بيِّنةً قالَ ابنُ الصَّبَّاغِ: سمِعها الحاكِمُ، وحَكَمَ بثُبوتِ الوَكالةِ لهما، ولَم يَكُنْ لِلحاضِرِ أنْ يَتصرَّفَ حتى يَحضُرَ الغائِبُ؛ فإذا حضَر الغائِبُ لَم يَحتَجْ إلى إعادةِ البيِّنةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ قَدْ سمِعها، فإنْ قيلَ: هذا حُكمٌ لِلغائِبِ، قُلْنا: إنَّما جازَ ذلك تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يَجوزُ أنْ يُحكَمَ في الوَقفِ لِأهلِ البَطنِ الثَّاني تَبَعًا لِأهلِ البَطنِ الأوَل.
وإنْ وكَّلهما في حِفظِ مالِه، فإنْ كانَ ممَّا لا يَنقَسِمُ، جَعَلاه في حِرزٍ لهما، وإنْ كانَ ممَّا يَنقَسِمُ فهَل لهما أنْ يُقَسِّماهُ؟ فيه وَجهانِ، وقَد مَضَى ذلك في الرَّهنِ.
وإنْ وكَّل اثنَيْنِ في طَلاقِ امرَأتِه على الِاجتِماعِ لَم يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ به.
وقالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: لِأحَدِهما أنْ يَنفَرِدَ به.
دَليلُنا: أنَّه تَصرُّفٌ فوَّضه إلى اثنَيْنِ، فلَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ به، كالبَيعِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إذا وَكَّل شَخصٌ اثنَيْنِ، واحِدًا بعدَ آخَرَ، ولَم يُصَرِّحْ بعَزلِ الأوَل، أو وكَّلهما معًا لَم يَجُزْ لِأحَدِهِما الِانفِرادُ بالتَصرُّفِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يُفَوِّضْه إليه وَحدَه، وكذا النَّاظِرانِ والوَصِيَّانِ.
وقيلَ: لا يَجوزُ لِأحَدِهِما الِانفِرادُ بالتَصرُّفِ إلَّا في الخُصومةِ، قالَ المِرداوِيُّ: وهو الصَّوابُ (٢).
وإنْ جعَل لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما الِانفِرادَ بالتَصرُّفِ، فلكلٍّ مِنهُما الِانفِرادُ، أو جعَله لِواحِدٍ بعَينِه مِنهُما، يَكونُ له الِانفِرادُ به.
وإنْ غابَ أحَدُ الوَكيلَيْنِ ولَم يَكُنِ المُوكِّلُ جعَل لكلٍّ مِنهُما الِانفِرادَ لَم يَكُنْ لِلآخَرِ الحاضِرِ أنْ يَتصرَّفَ في غَيبةِ رَفيقِه، وليسَ لِلحاكِمِ ضَمُّ أمينٍ إليه لِيَتصرَّفا معًا، وفارَقَ ما لو ماتَ أحَدُ الوَصِيَّينِ، حيثُ يُضيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِيِّ أمينًا لِيَتصرَّفَ؛ لِكَونِ الحاكِمِ له النَّظرُ؛ فإنَّ له النَّظرَ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتيمِ، ولِهذا لو لَم يُوصِ إلى أحَدٍ أقامَ الحاكِمُ أمينًا في النَّظرِ لِليَتيمِ، بخِلافِ المُوكِّلِ؛ فإنَّه رَشيدٌ جائِزُ التَصرُّفِ، لا وِلايةَ لِلحاكِمِ عليه.
(١) «البيان» (٦/ ٤١٣، ٤١٤)، و «المهذب» (١/ ٣٥١)، و «تكملة المجموع» (١٤/ ١١٣، ١١٤).
(٢) «الإنصاف» (٥/ ٣٧٥).
وإنْ حضَر عندَ الحاكِمِ أحَدُ الوَكيلَيْنِ والوَكيلُ الآخَرُ غائِبٌ عن البَلَدِ أوِ المَجلِسِ، فادَّعى الوَكيلُ الحاضِرُ الوَكالةَ له ولِرَفيقِه الغائِبِ، أقامَ بيِّنةً بدَعْواه سمِعها الحاكِمُ وحَكَمَ بثُبوتِ الوَكالةِ لهما، ولَم يَملِكِ الحاضِرُ التَصرُّفَ وَحدَه؛ لِمَا تَقدَّم؛ فإذا حضَر الوَكيلُ الآخَرُ تصرَّفَا معًا، ولا يَحتاجُ إلى إقامةِ بيِّنةٍ، وجازَ الحُكمُ المُتقدِّمُ لِلغائِبِ، تَبَعًا لِلحاضِرِ، كما يَجوزُ أنْ يَحكُمَ بالوَقفِ الذي ثَبَتَ لمَن لَم يُخلَقْ لِأجْلِ مَنْ يَستحقُّه في الحالِ، وإنْ جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ أو عزَل نَفْسَه لَم يَكُنْ لِلآخَرِ أنْ يَتصرَّفَ؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يَرضَ تَصرُّفَ أحَدِهِما مُنفَرِدًا، بدَليلِ إضافةِ الغيرِ إليه، كما سبَق (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا وكَّل وَكيلَيْنِ في تَصرُّفٍ، وجعَل لِكُلِّ واحِدٍ الِانفِرادَ بالتَصرُّفِ فله ذلك؛ لأنَّه مَأْذونٌ له فيه؛ فَإنْ لَم يُجعَلْ له ذلك فليسَ لِأحَدِهِما الِانفِرادُ بهِ؛ لأنَّه لَم يَأذَنْ له في ذلك، وإنَّما يَجوزُ له ما أَذِنَ فيه مُوكِّلُه، وبِهذا قالَ الشَّافِعيُّ وأصحابُ الرَّأْيِ: وإنْ وكَّلهما في حِفظِ مالِه حَفِظاه معًا في حِرزٍ لهما؛ لأنَّ قوله: افعَلَا كذا يَقتَضي اجتِماعَهما على فِعلِه، وهو ممَّا يُمكِنُ، فتَعلَّق بهِما، وفارَقَ هذا قوله: بِعتُكُما، حيثُ كانَ مُنقَسِمًا بينَهما؛ لأنَّه لا يُمكِنُ كَونُ المِلْكِ لهما على الِاجتِماعِ، فانقَسَمَ بينَهما.
فَإنْ غابَ أحَدُ الوَكيلَيْنِ لَم يَكُنْ لِلآخَرِ أنْ يَتصرَّفَ، ولا لِلحاكِمِ ضَمُّ
(١) «الشرح الكبير» (٥/ ٢١٩، ٢٢٠)، و «المبدع» (٤/ ٣٦٦)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٧٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٥١، ٥٥٢)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٥٣٢).
أمينٍ إليه لِيَتصرَّفَا؛ لأنَّ المُوكِّلَ رَشيدٌ جائِزُ التَصرُّفِ لا وِلايةَ لِلحاكِمِ عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكيلًا له بغيرِ أمْرِه، وفارَقَ ما لو ماتَ أحَدُ الوَصِيَّينِ، حيثُ يُضيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِيِّ أمِينًا لِيَتصرَّفَ؛ لِكَونِ الحاكِمِ له النَّظرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتيمِ.
وَلهذا لو لَم يُوصِ إلى أحَدٍ أقامَ الحاكِمُ أمينًا في النَّظرِ لِليَتيمِ.
وإنْ حضَر عندَ الحاكِمِ أحَدُ الوَكيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعى الوَكالةَ لهما، وأقامَ بيِّنةً سمِعها الحاكِمُ وحَكَمَ بثُبوتِ الوَكالةِ لهما، ولَم يَملِكِ الحاضِرُ التَصرُّفَ وَحدَهُ؛ فإذا حضَر الآخَرُ تصرَّفَا معًا، ولا يَحتاجُ إلى إعادةِ البيِّنةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سمِعها لهما مَرَّةً.
فَإنْ قيلَ: هذا حُكمٌ لِلغائِبِ، قُلنا: يَجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يَجوزُ أنْ يَحكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثبُتُ لمَن لَم يُخلَقْ لِأجْلِ مَنْ يَستحقُّه في الحالِ، كذا ههُنا.
وإنْ جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عزَل نَفْسَه لَم يَكُنْ لِلآخَرِ أنْ يَتصرَّفَ، وبِما ذَكَرْناه، قالَ أبو حَنيفةَ والشَّافِعيُّ: ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا، وجَميعُ التَصرُّفاتِ في هذا سَواءٌ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا وكَّلهُما في خُصومةٍ فلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما الِانفِرادُ بها.
ولَنا: أنَّه لَم يَرْضَ بتَصرُّفِ أحَدِهما، أشبَهَ البَيعَ والشِّراءَ (١).
(١) «المغني» (٥٥٦).
ارجع إلى أحكام الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.