الشرط الخامس: أن تكون المنفعة مباحة

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > الشرط الخامس: أن تكون المنفعة مباحة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 33 دقيقة قراءة

الشرط الخامس: أن تكون المنفعة مباحة - الأقوال والأدلة

لِصَرفِ المَنفَعةِ إليها، ولا يَحِلُّ المَنعُ عن الانتِفاعِ لِأجْلِ تلكَ الجِهةِ، فلا يَجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه (١).

الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ تَكونَ المَنفَعةُ مُباحةً:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في المَنفَعةِ أنْ تَكونَ مُباحةَ الِاستِيفاءِ، فإنْ كانَتْ مَحظورةَ الِاستِيفاءِ لَم تَجُزِ الإجارةُ، فلا تَصحُّ الإجارةُ على المَعاصي؛ كاستِئجارِ الإنسانِ لِلَّعِبِ واللَّهوِ؛ وكاستِئجارِ المُغنِّيةِ والنَّائِحةِ لِلغِناءِ والنَّوْحِ، وكَذا سائِرُ المَلاهي؛ لأنَّه استِئجارٌ على المَعصيةِ، والمَعصيةُ لا يُتصوَّرُ استِحقاقُها بالعَقدِ؛ فلا يَجِبُ عليه الأجْرُ مِنْ غيرِ أنْ يَستَحقَّ هو على الأجيرِ شَيئًا؛ إذِ المُبادَلةُ لا تَكونُ إلَّا باستِحقاقِ كلِّ واحِدٍ مِنهما على الآخَرِ، ولَوِ استَحقَّ عليه لِلمَعصيةِ لَكانَ ذلك مُضافًا إلى الشَّارِعِ مِنْ حَيثُ إنَّه شَرَعَ عَقدًا مُوجِبًا لِلمَعصيةِ، تَعالى اللَّهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبيرًا، ولأنَّ الأجيرَ والمُستَأجِرَ مُشتَرِكانِ في مَنفَعةِ ذلك في الدُّنيا، فتَكونُ الإجارةُ واقِعةً على عَملٍ هو فيه شَريكٌ.

وَكَذا استِئجارُ رَجُلٍ لِيَقتُلَ له رَجُلًا، أو لِيَشُجَّه أو لِيَسجُنَه أو لِيَضرِبَه ظُلمًا، وكَذا كلُّ إجارةٍ وَقَعَتْ لِمَظلِمةٍ؛ لأنَّه استِئجارٌ لِفِعلِ مَعصيةٍ، فلا يَكونُ المَعقودُ عليه مَقدورَ الِاستيفاءِ شَرعًا.

وَكَذا الِاستِئجارُ لِتَعليمِ التَّوراةِ أو الإنجيلِ أو السِّحرِ أو الفُحشِ

(١) «المبسوط» (١٦/ ٣٨)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٣١)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٣)، و «الهندية» (٤/ ٤٥٠).

والنُّجومِ والرَّملِ، ولا لِتَصويرِ الحَيَواناتِ وسائِرِ المُحرَّماتِ.

قالَ ابنُ جُزَيٍّ رحمة الله عليه: يُشترَطُ في المَنفَعةِ أنْ تَكونَ مُباحةً لا مُحرَّمةً ولا واجِبةً؛ أمَّا المُحرَّمُ فلا يَجوزُ إجماعًا (١).

وقالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ، على إبطالِ إجارةِ النَّائِحةِ، والمُغَنِّيةِ (٢).

وإنْ أعطاه الأجْرَ على الغِناءِ أوِ النَّوْحِ أو سائِرِ المَلاهي، والمَعاصي، وقَبَضَه، لا يَحِلُّ له، ويَجِبُ عليه رَدُّه على صاحِبِه عندَ الجُمهورِ.

وفي قَولٍ لِلحَنفيَّةِ: إذا أخَذَ المالَ مِنْ غيرِ شَرطٍ يُباحُ؛ لأنَّه أعطاه المالَ عن طَوعٍ مِنْ غيرِ عَقدٍ. وهو قولُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ، وابنِ القيِّمِ (٣).

(١) «القوانين الفقهية» (١٨١).
(٢) «الإجماع» (٥٥٧)، و «الإشراف» (٦/ ٣٢٥)، و «المبسوط» (١٦/ ٤١)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ١٨٩)، و «الهداية» (٣/ ٢٤٠)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٢٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٦٢)، و «اللباب» (١/ ٤٩٠)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٣)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٥٣٣)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٥)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٧/ ٣٩٦)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٦٠، ٣٦٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤١٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٨٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٦٦، ٥٧٠)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٧)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٢٨)، و «المبدع» (٥/ ٧٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٥٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٤، ٢٥).
(٣) قالَ ابنُ القيِّمِ في «زاد المعاد» (٥/ ٧٧٨، ٧٨٦): فَصْلٌ: فإنْ قِيلَ: فمَا تَقولونَ في كَسْبِ الزَّانيةِ إذا قَبضَتْه ثُمَّ تابَتْ، هَلْ يَجِبُ عليها رَدُّ ما قَبَضَتْه إلى أربابِه أو يَطيبُ لَها أو =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= تَتصدَّقُ به؟ قيلَ: هَذا يَنبَنِي على قاعِدةٍ عَظيمةٍ مِنْ قَواعِدِ الإسلامِ، وهي أنَّ مَنْ قَبَضَ ما لَيسَ لَه قَبْضُه شَرعًا، ثُمَّ أرادَ التَّخلُّصَ مِنه فإنْ كانَ المَقبوضُ قَدْ أُخِذَ بغَيرِ رِضَا صاحِبِه ولا استَوفَى عِوَضَه، رَدَّه عليه، فإنْ تَعذَّرَ رَدُّه عليه قَضَى به دَيْنًا يَعلَمُه عليه، فإنْ تَعذَّرَ ذلك ردَّه إلى وَرثَتِه، فإنْ تَعذَّرَ ذَلِكَ تَصدَّقَ به عنه، فإنِ اختارَ صاحِبُ الحقِّ ثَوابَه يومَ القِيامةِ كانَ لَه، وإنْ أبَى إلَّا أنْ يَأخُذَ مِنْ حَسَناتِ القابِضِ استَوفَى مِنه نَظيرَ مالِه، وكانَ ثَوابُ الصَّدَقةِ لِلمُتصدِّقِ بها، كَما ثَبَتَ عَنِ الصَّحابةِ. وَإنْ كانَ المَقبوضُ برِضَا الدَّافِعِ، وقَدِ استَوفَى عِوَضَه المُحرَّمَ، كَمَنْ عاوَضَ على خَمرٍ، أو خِنزيرٍ، أو على زِنًا أو فاحِشةٍ، فهَذا لا يَجِبُ فيه رَدُّ العِوَضِ على الدَّافِعِ؛ لِأنَّه أخرَجه باختيارِه، واستَوفَى عِوَضَه المُحَرَّمَ، فلا يَجوزُ أنْ يَجمَعَ لَه بَينَ العِوَضِ والمُعوَّضِ، فإنَّ في ذَلِكَ إعانةً لَه على الإثمِ والعُدوانِ، وتَيسيرًا لِأصحابِ المَعاصي عليه، وماذا يُريدُ الزَّاني وفاعِلُ الفاحِشةِ إذا عَلِمَ أنَّه يَنالُ غَرَضَه ويَستَرِدُّ مالَه؟ فهَذا مِمَّا تُصانُ الشَّريعةُ عَنِ الإتيانِ به، ولا يَسُوغُ القولُ به، وهو يَتَضَمَّنُ الجَمعَ بَينَ الظُّلمِ والفاحِشةِ والغَدْرِ، ومِن أقبَحِ القَبيحِ أنْ يَستَوفِيَ عِوَضَه مِنَ المَزنِيِّ بها، ثم يَرجِعَ فيما أعطاها قَهرًا، وقُبحُ هَذا مُستقِرٌّ في فِطَرِ جَميعِ العُقَلاءِ، فلا تَأتي به شَريعةٌ، ولَكِنْ لا يَطيبُ لِلقابِضِ أكْلُه، بَلْ هو خَبيثٌ، كَما حَكَمَ عليه رَسولُ اللَّهِ ، ولَكِنَّ خُبثَه لِخُبثِ مَكسَبِه، لا لِظُلمِ مَنْ أُخِذَ مِنه؛ فطَريقُ التَّخَلُّصِ مِنه وطَريقُ تَمامِ التَّوبةِ بالصَّدَقةِ به، فإنْ كانَ مُحتاجًا إلَيه فلَه أنْ يَأخُذَ قَدْرَ حاجَتِه، ويَتَصَدَّقَ بالبَقِيَّةِ، فهَذا حُكمُ كلِّ كَسبٍ خَبيثٍ؛ لِخُبثِ عِوَضِه عَينًا كانَ أو مَنفَعةً، ولا يَلزَمُ مِنَ الحُكمِ بخُبثِه وُجوبُ رَدِّه على الدَّافِعِ؛ فإنَّ النَّبيَّ حَكَمَ بخُبثِ كَسْبِ الحَجَّامِ، ولا يَجِبُ رَدُّه على دافِعِه. فَإنْ قيلَ: فالدَّافِعُ مالَه في مُقابَلةِ العِوَضِ المُحَرَّمِ دَفَعَ ما لا يَجوزُ دَفعُه، بَلْ حَجَرَ عليه فيه الشَّارِعُ، فلَمْ يَقَعْ قَبضُه مَوقِعَه، بَلْ وُجودُ هَذا القَبضِ كَعَدَمِه؛ فيَجِبُ رَدُّه على مالِكِه، كَما لَو تَبَرَّعَ المَريضُ لِوارِثِه بشَيءٍ، أو لِأجنَبيٍّ بزِيادةٍ على الثُّلُثِ، أو تَبَرَّعَ المَحجورُ عليه -بفَلَسٍ أو سَفَهٍ- أو تَبَرَّعَ المُضطَرُّ إلى قُوَّتِه بذَلِكَ، ونَحوِ ذَلِكَ، وسِرُّ المَسألةِ أنَّه مَحجورٌ عليه شَرعًا في هَذا الدَّفعِ؛ فيَجِبُ رَدُّه. قيلَ: هَذا قِياسٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّ الدَّفعَ في هَذِه الصُّوَرِ تَبَرُّعٌ مَحضٌ، لَمْ =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يُعاوَضْ عليه، والشَّارِعُ قَدْ مَنَعَه مِنه؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيرِه به، أو حَقِّ نَفْسِه المُقَدَّمةِ على غَيرِه، وأمَّا ما نَحنُ فيه فهو قَدْ عاوَضَ بمالِه على استِيفاءِ مَنفَعةٍ أوِ استِهلاكِ عَينٍ مُحَرَّمةٍ، فقَد قَبَضَ عِوَضًا مُحَرَّمًا، وأقبَضَ مالًا مُحَرَّمًا، فاستَوفَى ما لا يَجوزُ استِيفاؤُه، وبَذَلَ فيه ما لا يَجوزُ بَذْلُه؛ فالقابِضُ قَبَضَ مُحَرَّمًا، والدَّافِعُ استَوفَى عِوَضًا مُحَرَّمًا، وقَضيَّةُ العَدلِ تَرَادُّ العِوَضَيْنِ، لَكِنْ قَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ أحَدِهِما؛ فلا يُوجِبُ رَدَّ الآخَرِ مِنْ غَيرِ رُجوعِ عِوَضِه، نَعَمْ، لَو كانَ الخَمرُ قائِمًا بعَينِه لَمْ يَستَهلِكْه أو دَفَعَ إلَيها المالَ، ولَم يَفْجُرْ بها، وَجَبَ رَدُّ المالِ في الصُّورَتَيْنِ قَطعًا، كَما في سائِرِ العُقودِ الباطِلةِ إذا لَمْ يَتَّصِلْ بها القَبضُ. فَإنْ قِيلَ: وأيُّ تَأثيرٍ لِهَذا القَبضِ المُحَرَّمِ حتى جَعَلَ لَه حُرمةً، ومَعلومٌ أنَّ قَبضَ ما لا يَجوزُ قَبضُه بمَنزِلةِ عَدَمِه؛ إذِ المَمنوعُ شَرعًا كالمَمنوعِ حِسًّا، فقابِضُ المالِ قَبَضَه بغَيرِ حَقٍّ؛ فعَلَيه أنْ يَرُدَّه إلى دافِعِه. قيلَ: والدَّافِعُ قَبَضَ العَينَ واستَوفَى المَنفَعةَ بغَيرِ حَقٍّ، كِلاهُما قَدِ اشتَرَكا في دَفعِ ما لَيسَ لَهُما دَفْعُه، وقَبَضِ ما لَيسَ لَهُما قَبْضُه، وكُلاهُما عاصٍ لِلَّه، فكَيفَ يُخَصُّ أحَدُهما بأنْ يُجمَعَ لَه بَينَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ عَنه. فَإنْ قيلَ: هو فَوَّتَ المَنفَعةَ على نَفْسِه باختِيارِه، قيلَ: والآخَرُ فَوَّتَ العِوَضَ على نَفْسِه باختِيارِه، فلا فَرقَ بَينَهُما، وهَذا واضِحٌ بحَمدِ اللَّهِ. وَقَدْ تَوَقَّفَ شَيخُنا في وُجوبِ رَدِّ عِوَضِ هَذِه المَنفَعةِ المُحَرَّمةِ على باذِلِه، أوِ الصَّدَقةِ به في كِتابِ اقتِضاءِ الصِّراطِ المُستَقيمِ لِمُخالَفةِ أصحابِ الجَحيمِ، وقالَ: الزَّاني ومُستَمِعُ الغِناءِ ومُستَمِعُ النَّوحِ قَدْ بَذَلوا هَذا المالَ عَنْ طِيبِ نُفُوسِهم، فاستَوْفَوُا العِوَضَ المُحَرَّمَ، والتَّحريمُ الَّذي فيه لَيسَ لِحَقِّهم، وإنَّما هو لِحَقِّ اللَّهِ تَعالَى، وقَد فاتَتْ هَذِه المَنفَعةُ بالقَبضِ، والأُصولُ تَقتَضي أنَّه إذا رَدَّ أحَدَ العِوَضَيْنِ رَدَّ الآخَرُ، فإذا تَعَذَّرَ على المُستَأجِرِ رَدُّ المَنفَعةِ لَمْ يَرُدَّ عليه المالَ، وهَذا الَّذي استُوفِيَتْ مَنفَعَتُه عليه ضَرَرٌ في أخْذِ مَنفَعَتِه، وأخْذِ عِوَضِها جَميعًا مِنه بخِلافِ ما إذا كانَ العِوَضُ خَمرًا، أو مَيْتَةً فإنَّ تِلكَ لا ضَرَرَ عليه في فَواتِها، فإنَّها لَو كانَتْ باقيةً لَأتلَفْناها عليه، ومَنفَعةُ الغِناءِ والنَّوحِ لَو لَمْ تَفُتْ لَتَوَافَرَتْ عليه، بحَيثُ كانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ صَرْفِ تِلكَ المَنفَعةِ في أمْرٍ آخَرَ، أعنِي مَنْ صَرَفَ القُوَّةَ الَّتي عَمِلَ بها، ثُمَّ أورَدَ على نَفسِه سُؤالًا، =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فقالَ: فيُقالُ على هَذا: فيَنبَغي أنْ تَقْضُوا بها إذا طالَبَ بقَبضِها. وأجابَ عنه بأنْ قالَ: قيلَ: نَحنُ لا نَأمُرُ بدَفْعِها، ولا بِرَدِّها، كَعُقودِ الكُفَّارِ المُحَرَّمةِ؛ فإنَّهم إذا أسلَموا قَبلَ القَبضِ لَمْ يُحكَمْ بالقَبضِ، ولَو أسلَموا بَعدَ القَبضِ لَمْ يُحكَمْ بالرَّدِّ، ولَكِنَّ المسلم تَحرُمُ عليه هَذِه الأُجرةُ؛ لِأنَّه كانَ مُعتَقِدًا لِتَحريمِها، بخِلافِ الكافِرِ، وذَلِكَ لِأنَّه إذا طَلَبَ الأُجرةَ فقُلْنا لَه: أنتَ فَرَّطْتَ، حَيثُ صَرَفتَ قُوَّتَكَ في عَمَلٍ يَحرُمُ، فلا يُقضَى لَكَ بالأُجرةِ، فإذا قَبَضَها وقالَ مَنْ دَفَعَ هَذا المالَ: اقْضُوا لي بِرَدِّه؛ فإنِّي أقَبَضتُه إيَّاه عِوَضًا عَنْ مَنفَعةٍ مُحَرَّمةٍ، قُلنا لَه: دَفَعتَه مُعاوَضةً، رَضيتَ بها، فإذا طَلَبتَ استِرجاعَ ما أُخِذَ فاردُدْ إلَيه ما أخَذتَ إذا كانَ لَه في بَقائِه مَعَه مَنفَعةٌ، فهَذا مُحتمَلٌ، قالَ: وإنْ كانَ ظاهِرُ القِياسِ رَدَّها؛ لِأنَّها مَقبوضةٌ بعَقدٍ فاسِدٍ. انتَهَى. وَقَدْ نَصَّ أحمَدُ في رِوايةِ أبي النَّضرِ فيمَن حملَ خمرًا أو خِنزيرًا أو مَيْتةً لِنَصرانيٍّ: أكرَهُ أكْلَ كِرائِه، ولَكِنْ يُقضَى لِلحَمَّالِ بالكِراءِ، وإذا كانَ لِمسلم فهو أشَدُّ كَراهةً. فاختَلَفَ أصحابُه في هَذا النَّصِّ على ثَلاثِ طُرُقٍ: إحداها: إجراؤُه على ظاهِرِه، وأنَّ المَسألةَ رِوايةٌ واحِدةٌ، قالَ ابنُ أبي مُوسَى: وكَرِهَ أحمَدُ أنْ يُؤَجِّرَ المسلم نَفْسَه لِحَمْلِ مَيْتةٍ أو خِنزيرٍ لِنَصرانيٍّ؛ فإنْ فَعَلَ قُضيَ لَه بالكِراءِ، وهَل يَطيبُ لَه أو لا؟ على وجهيْنِ، أوجَهُهما أنَّه لا يَطيبُ لَه، ويَتصدَّقُ به، وكَذا ذكرَ أبو الحَسنِ الآمِديُّ، قالَ: إذا أجَّرَ نَفْسَه مِنْ رَجلٍ في حَملِ خمرٍ أو خِنزيرٍ أو مَيْتةٍ، كُرِهَ، نَصَّ عليه، وهَذِه كَراهةُ تَحريمٍ؛ لِأنَّ النَّبيَّ لعنَ حامِلَها، إذا ثبتَ ذلكَ، يُقضَى لَه بالكِراءِ، وغَيرُ مُمتَنِعٍ أنْ يُقضَى لَه بالكِراءِ وإنْ كانَ مُحرَّمًا، كَإجارةِ الحَجَّامِ. انتَهى. فقَد صرَّحَ هؤلاءِ بأنَّه يَستَحِقُّ الأُجرةَ مَعَ كَونِها مُحرَّمةً عليه، على الصَّحيحِ. الطَّريقَةُ الثَّانيةُ: تَأويلُ هَذِه الرِّوايةِ بما يُخالِفُ ظاهِرَها، وجَعْلُ المَسألةِ رِوايةً واحِدةً، وهي أنَّ هَذِه الإجارةَ لا تَصحُّ، وهَذِه طَريقةُ القاضي في المُجَرَّدِ، وهي طَريقةٌ قَدْ رَجَعَ عَنها في كُتبِه المُتأخِّرةِ؛ فإنَّه صَنَّفَ المُجرَّدَ قديمًا. الطَّريقةُ الثَّالِثةُ: تَخريجُ هَذِه المَسألةِ على رِوايَتَيْنِ، إحداهُما أنَّ هَذِه الإجارةَ صَحيحةٌ، يَستَحِقُّ بها الأُجرةَ، مَعَ الكَراهةِ لِلفِعلِ والأُجرةِ، والرِّوايةُ الأُخرى: لا تَصِحُّ الإجارةُ، ولا يَستَحِقُّ بها أُجرةً، وإنْ =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= حَمَلَ، وهَذا على قِياسِ قَولِه في الخمرِ: لا يَجوزُ إمساكُها، وتَجِبُ إراقَتُها. قالَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: إذا أسلَمَ ولَه خَمرٌ أو خَنازيرُ، تُصبُّ الخمرُ، وتُسَرَّحُ الخَنازيرُ، وقَد حُرِّما عليه، وإنْ قتلَها فلا بأسَ، فقد نصَّ أحمدُ على أنَّه لا يَجوزُ إمساكُها، ولِأنَّه قَدْ نَصَّ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ على أنَّه يُكرهُ أنْ يُؤاجِرَ نَفْسَه لنِطارةِ كَرْمٍ لِنَصرانِيٍّ؛ لأنَّ أصلَ ذَلِكَ يَرجعُ إلى الخمرِ، إلَّا أنْ يَعلمَ أنَّه يُباعُ لِغَيرِ الخمرِ، فقَد مُنِعَ مِنْ إجارةِ نَفْسِه على حَمْلِ الخمرِ، وهَذِه طَريقةُ القاضي في تَعليقِه، وعَلَيها أكثَرُ أصحابِه، والمَنصورُ عِندَهمُ الرِّوايةُ المُخرَّجةُ، وهي عَدَمُ الصِّحةِ، وأنَّه لا يَستَحقُّ أُجرةً، ولا يُقضَى لَه بها، وهي مَذهَبُ مالِكٍ والشَّافِعيِّ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ، وهَذا إذا استَأجرَه على حَملِها إلى بَيتِه لِلشُّربِ، أو لِأكْلِ الخِنزيرِ، أو مُطلَقًا، فأمَّا إذا استَأجرَه لحَملِها ليُرِيقَها أو ليَنقُلَ المَيتةَ إلى الصَّحراءِ؛ لِئَلَّا يُتأذَّى بها، فإنَّ الإجارةَ تَجوزُ حِينَئِذٍ؛ لأنَّه عملٌ مُباحٌ، لَكِنْ إنْ كانَتِ الأُجرةُ جِلدَ المَيْتةِ لَمْ تَصحَّ، واستَحقَّ أُجرةَ المِثلِ، وإنْ كانَ قَدْ سلخَ الجِلدَ وأخذَه ردُّه على صاحِبِه، هَذا قَولُ شَيخِنا، وهو مَذهبُ مالِكٍ، والظَّاهرُ أنَّه مَذهبُ الشَّافِعيِّ، وأمَّا مَذهبُ أبي حَنيفَةَ رحمة الله عليه فكالرِّوايةِ الأُولَى أنَّه تَصحُّ الإجارةُ، ويُقضَى لَه بالأُجرةِ، ومَأخَذُه في ذَلِكَ أنَّ الحَملَ إذا كانَ مُطلَقًا لَمْ يَكُنِ المُستَحقُّ نَفْسَ حَملِ الخمرِ، فذِكرُه وعَدَمُ ذِكرِه سَواءٌ، ولَه أنْ يَحمِلَ شَيئًا آخَرَ غَيرَه، كَخَلٍّ وزَيتٍ وهكذا، قالَ فيما لَو أجَّرَه دارَه أو حانُوتَه لِيَتَّخِذَها كَنيسةً، أو لِيَبيعَ فيها الخَمرَ، قالَ أبو بكرٍ الرَّازيُّ: لا فرقَ عندَ أبي حَنيفَةَ بينَ أنْ يَشتَرِطَ أنْ يَبيعَ فيها الخمرَ، أو لا يشتَرِطَ، وهو يَعلَمُ أنَّه يَبيعُ فيها الخمرَ، أنَّ الإجارةَ تَصحُّ، لأنَّه لا يَستَحقُّ ليَسكُنَها؛ فإنَّ الأُجرةَ تُستَحقُّ عليه، وإنْ لَمْ يَفعلْ ذَلِكَ، وكَذا يَقولُ فيما إذا استَأجَرَ رَجُلًا لِيَحمِلَ خَمرًا، أو مَيْتةً أو خِنزيرًا أنَّه يَصِحُّ؛ لِأنَّه لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الخَمرِ، بَلْ لَو حَمَّلَه بَدَلَها عَصيرًا استَحَقَّ الأُجرةَ، فهَذا التَّقييدُ عِندَهم لَغْوٌ؛ فهو بمَنزِلةِ الإجارةِ المُطلَقةِ، والمُطلَقةُ عِندَه جائِزةٌ، وإنْ غَلَبَ على ظَنِّه أنَّ المُستَأجِرَ يَعصي فيها، كَما يَجوزُ بَيعُ العَصيرِ لِمَنْ يَتَّخذُه خمرًا … قالَ شَيخُنا والأشبَهُ طَريقةً ابنُ موسَى، يَعني أنَّه يُقضَى لَه بالأُجرةِ، وإنْ كانَتِ المَنفَعةُ مُحرَّمةً، ولَكِنْ لا يَطيبُ لَه أكلُها، قالَ: فإنَّها =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أقرَبُ إلى مَقصودِ أحمدَ، وأقرَبُ إلى القياسِ، وذَلِكَ لأنَّ النَّبيَّ لعنَ عاصِرَ الخمرِ ومُعتَصِرَها وحامِلَها والمَحمولةَ إليه، فالعاصِرُ والحامِلُ قَدْ عاوَضا على مَنفَعةٍ تَستَحقُّ عِوضًا، وهي لَيسَتْ مُحرَّمةً في نَفْسِها، وإنَّما حُرِّمتْ بقَصدِ المُعتَصِرِ والمُستَحمِلِ، فهو كَما لَو باعَ عِنبًا وعَصيرًا لِمَنْ يتَّخذُه خمرًا، وفاتَ العَصيرُ والخمرُ في يدِ المُشتَرِي، فإنَّ مالَ البائِعِ لا يَذهبُ مجَّانًا، بَلْ يُقضَى لَه بعِوَضِه، كَذَلِكَ هُنا المَنفَعةُ الَّتي وَفَّاها المُؤجِّرُ لا تَذهبُ مجَّانًا، بَلْ يُعطَى بَدَلَها، فإنَّ تَحريمَ الانتِفاعِ بها إنَّما كانَ مِنْ جِهةِ المُستَأجِرِ، لا مِنْ جِهةِ المُؤجِّرِ؛ فإنَّه لَو حملَها لِلإراقةِ أو لِإخراجِها إلى الصَّحراءِ خَشيةَ التَّأذِّي بها، جازَ، ثم نحن نُحرِّمُ الأُجرةَ عليه لحَقِّ اللَّهِ سُبحانَه، لا لحَقِّ المُستَأجِرِ والمُشتَرِي، بخِلافِ مَنِ استُؤجِرَ لِلزِّنَا أو التَّلوُّطِ أو القَتلِ أو السَّرِقةِ؛ فإنَّ هَذا العملَ نَفْسَه مُحرَّمٌ؛ لِأجْلِ قَصدِ المُستَأجِرِ، فهو كَما لَو باعَ مَيتةً أو خمرًا؛ فإنَّه لا يُقضَى لَه بثَمنِها؛ لِأنَّ هَذِه العَينَ نَفسَها مُحرَّمةٌ، وكَذَلِكَ لا يُقضَى لَه بعِوَضِ هَذِه المَنفَعةِ المُحرَّمةِ. قالَ شَيخُنا: ومِثلُ هَذِه الإجارةِ والجَعالةِ، يَعني الإجارةَ على حَمْلِ الخَمرِ والمَيْتةِ، لا تُوصَفُ بالصِّحَّةِ مُطلَقًا، ولا بالفَسادِ مُطلَقًا، بَلْ يُقالُ: هي صَحيحةٌ بالنِّسبةِ إلى المُستَأجِرِ، بمَعنَى أنَّه يَجِبُ عليه العِوَضُ، وفاسِدةٌ بالنِّسبةِ إلى الأجيرِ، بمَعنَى أنَّه يَحرُمُ عليه الِانتِفاعُ بالأجْرِ، ولِهَذا في الشَّريعةِ نَظائِرُ، قالَ: ولا يُنافي هَذا نَصَّ أحمَدَ على كَراهةِ نِطارةِ كَرْمِ النَّصرانيِّ، فإنَّا نَنْهاه عَنْ هَذا الفِعلِ، وعَن عِوَضِه، ثُمَّ نَقضي لَه بكِرائِه، قالَ: ولَو لَمْ يَفعَلْ هَذا لَكانَ في هَذا مَنفَعةٌ عَظيمةٌ لِلعُصاةِ؛ فإنَّ كلَّ مَنِ استَأجَروه على عَمَلٍ يَستَعينونَ به على المَعصيةِ قَدْ حَصَّلوا غَرضَهم مِنه، فإذا لَمْ يُعطوه شَيئًا ووَجَبَ أنْ يرُدَّ عليهم ما أخَذَ مِنهم، كانَ ذَلِكَ أعظَمَ العَونِ لَهم، ولَيسوا بأهلٍ أنْ يُعاوَنوا على ذَلِكَ، بخِلافِ مَنْ سلَّمَ إلَيهم عملًا لا قِيمةَ لَه بحالٍ، يَعني: كالزَّانيةِ، والمُغَنِّي والنَّائِحةِ؛ فإنَّ هؤلاء لا يُقضَى لَهم بأُجرةٍ، ولَو قبَضوا مِنهمُ المالَ فهَل يَلزَمُهم ردُّه عليهم أو يَتَصَدَّقونَ به؟ فقَد تَقدَّمَ الكَلامُ مُستَوفًى في ذَلِكَ، وبيَّنَّا أنَّ الصَّوابَ أنَّه لا يَلزمُهم ردُّه، ولا يَطيبُ لَهم أكلُه، واللَّهُ المُوفِّقُ لِلصَّوابِ. انتَهَى.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *

بابُ المُزَارَعةِ *

٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)

مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 363 - 369

ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله