الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المسألة الرابعة: أخذ الأجرة على الجهاد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةالمُتعلِّمَ وما يُعَلَّمُه، ومِثلُ ذلك الإعادةُ فيما يَظهَرُ، ويَنبَغي مَجيءُ مِثلِه في الاستِئجارِ لِلقَضاءِ، وكالتَّدريسِ الإقراءُ لِشَيءٍ مِنْ القُرآنِ، أو الأحاديثِ (١).
وقالَ النَّوَويُّ رحمة الله عليه في «الرَّوضةُ»: أطلَقوا القَولَ ببُطلانِ الاستِئجارِ لِلتَّدريسِ.
وعنِ الشَّيخِ أبي بَكرٍ الطُّوسيِّ تَرديدُ جَوابٍ في الاستِئجارِ؛ لِإعادةِ الدَّرسِ.
قالَ الإمامُ: ولو عَيَّنَ شَخصًا أو جَماعةً لِيُعَلِّمهم مَسألةً أو مَسائلَ مَضبوطةً فهو جائِزٌ، والذي أطلَقوه مَحمولٌ على استِئجارِ مَنْ يَتصدَّى لِلتَّدريسِ مِنْ غيرِ تَعيينِ مَنْ يُعَلِّمُه، وما يُعَلِّمُه؛ لأنَّه كالجِهادِ في أنَّه إقامةُ مَفروضٍ على الكِفايةِ ثابِتٌ على الشُّيوعِ.
وكذلك يُمتَنَعُ استِئجارُ مُقرِئٍ يُقرِئُ على هذه الصُّورةِ، قالَ: ويُحتَمَلُ أنْ يَجوزَ (٢).
المَسألةُ الرابِعةُ: أخْذُ الأُجرةِ على الجِهادِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الاستِئجارِ على الجِهادِ، هل يَجوزُ أو لا؟ وهل يَجوزُ أخْذُ الجُعلِ عليه أو لا؟
فذَهَبَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ أخْذُ الأُجرةِ على الجِهادِ؛ لأنَّ الأجيرَ إذا حَضَرَ الوَقعةَ تَعيَّنَ عليه الفِعلُ، فلَزِمَه ذلك.
(١) «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٣٤)، و «حاشية الرملي على أسنى المطالب» (٢/ ٤١٠).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨، ١٩).
وأجازَ الحَنفيَّةُ أخْذَ الجُعلِ عليه؛ لأنَّ التَّجاعُلَ ليس باستِئجارٍ، بل إعانةٌ على السَّيرِ، وهو مَندوبٌ إليه، وجِهادٌ بالمالِ والنَّفْسِ جَميعًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]، وقالَ -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، وَأحوالُ النَّاسِ مُتفاوِتةٌ، فمِنهم مَنْ يَقدِرُ على إقامةِ الفَرضِ بهِما، ومِنهم مَنْ يَقدِرُ على إقامةِ الجِهادِ بالنَّفْسِ؛ لِصِحَّةِ بَدَنِه، ويَعجِزُ عن الخُروجِ؛ لِفَقرِه، وآخَرُ يَعجِزُ عن الخُروجِ والجِهادِ بالنَّفْسِ؛ لِمَرَضٍ أو آفةٍ، ويَقدِرُ على الجِهادِ بالمالِ، فيُجَهِّزُ بمالِه مَنْ يَخرُجُ فيُجاهِدُ بنَفْسِه، حتى يَكونَ الخارِجُ مُجاهِدًا بالنَّفْسِ، ويَكونَ القاعِدُ المُعطِي المالَ مُجاهِدًا بالمالِ، والمُؤمِنونَ كالبُنيانِ، يَشُدُّ بَعضُهم بَعضًا، ولِهَذا كَرِهَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه لِقابِضِ المالِ أنْ يَجعَلَ ذلك في مَتاعِ بَيتِه؛ لأنَّ المُعطِيَ أمَرَه بالجِهادِ به، وذلك في استِعدادِه لَه، والإنفاقِ في الطَّريقِ على نَفْسِه، وهو على وجهيْنِ:
إنْ قالَ: هذا المالُ لَكَ؛ فاغْزُ به، فلَه أنْ يَصرِفَه إلى ما يَشاءُ؛ لأنَّه ملكَه المالَ، ثم أشارَ عليه بأنْ يَصرِفَه إلى الجِهادِ، فإنْ شاءَ قبلَ مَشورَتَه، وإنْ شاءَ لَم يَقبَلْ.
وإنْ قالَ: اغْزُ بهذا المالِ، فليسَ له أنْ يَصرِفَه إلى مَتاعِ بَيتِه، بل يَشتَري به الكُراعَ والسِّلاحَ، ويُنفِقُ على نَفْسِه في طَريقِ الجِهادِ.
وَلِلمَدفوعِ إليه أنْ يَترُكَ بَعضَ الجَعلِ لِنَفَقةِ عِيالِه على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه لا يَتهيَّأُ له الخُروجُ إلَّا بهَذا؛ فكانَ مِنْ أعمالِ الجِهادِ مَعنًى.
وَإذا قالَ القاعِدُ لِلشَّاخِصِ: خُذْ هذا المالَ فاغْزُ بهِ؛ فإنَّه لَيسَ باستِئجارٍ على الجِهادِ، فأمَّا إذا قالَ: خُذْه لِتَغزُوَ به عَنِّي، فهذا استِئجارٌ على الجِهادِ، فلا يَجوزُ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: لا تَصحُّ إجارةُ مُسلِمٍ لِجِهادٍ، سَواءٌ استَأجَرَه الإمامُ أو غَيرُه على الأصَحِّ.
قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «وَلا يَجوزُ أنْ يَغزوَ بجُعلٍ مِنْ مالِ رَجُلٍ، ويَرُدَّه إنْ غَزا به، وإنَّما أُجرَتُه مِنْ السُّلطانِ؛ لأنَّه يَغزو بشَيءٍ مِنْ حَقِّهِ».
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وهذا صَحيحٌ، لا يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يَغزوَ عن غَيرِه مِنْ أعيانِ النَّاسِ بجُعلٍ أو بغَيرِ جُعلٍ؛ لِثَلاثةِ أُمورٍ:
أحَدُها: أنَّه إذا التَقى الزَّحفانِ تَعيَّنَ فَرضُ الثَّباتِ عليه، فلَم يَجُزْ أنْ يَنوبَ فيه عن غَيرِهِ؛ كالحَجِّ، لا يَجوزُ أنْ يَنوبَ فيه عن غَيرِه إذا كانَ عليه فَرضُه.
والثَّاني: أنَّه يَدفَعُ إذا حَضَرَ الزَّحفَ عن نَفْسِه، ويَقصِدُ حَقنَ دَمِه، فلَم يَجُزْ أنْ يَدفَعَ عن نَفْسِه بعِوَضٍ على غَيرِه.
والثَّالث: أنَّه يَملِكُ لِحُضورِ الوَقعةِ سَهمَه مِنْ الغَنيمةِ، ولَو صَحَّتِ الجَعالةُ لَملكَه صاحِبُها دُونَه.
فَإنْ قيلَ: لَو حَجَّ عن نَفْسِه جازَ أنْ يَحُجَّ عن غَيرِه بجُعلٍ وبغَيرِ جُعلٍ، فهَلَّا جازَ إذا غَزا عن نَفْسِه أنْ يَغزوَ عن غَيرِه بجُعلٍ أو بغَيرِ جُعلٍ.
(١) «المبسوط» (١٠/ ١٩، ٢٠)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٦١)، و «شرح مشكل الآثار» (٨/ ٣١٦، ٣١٧)، و «البحر الرائق» (٥/ ٧٩)، و «ابن عابدين» (٤/ ١٢٨).
قيلَ: لأنَّ فَرضَ الحَجِّ لا يَتكرَّرُ، صَحَّتْ فيه النِّيابةُ، ولَو تكَرَّرَ فَرضُ الحَجِّ في كلِّ عامٍ بأنْ قالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرَضِي فلِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أحُجَّ في كلِّ سَنةٍ، لَم تَصحَّ منه النِّيابةُ؛ لِبَقاءِ فَرضِه عليه، كالجِهادِ، فإذا صَحَّ فَسادُ النِّيابةِ في الجِهادِ، وجبَ على الغازي رَدُّ الجَعالةِ، وكانَتْ دَيْنًا عليه إنِ استَهلَكَها.
فَأمَّا جَعالةُ السُّلطانِ إذا بذلَها لِلغُزاةِ، مِنْ بَيتِ المالِ، فجائِزٌ لِأمرَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّه بذلَها لِلجِهادِ عن الكافَّةِ دُونَه، ولَو بذلَها لِلنِّيابةِ عنه لَم تَصحَّ.
والآخَرُ: أنَّه بذلَها لَهم مِنْ مالٍ هو مُستحَقٌّ لَهُم؛ لأنَّهم إنْ كانوا مِنْ مُرتَزَقةِ أهْلِ الفَيْءِ كانَ لَهم حَقٌّ في مالِ الفَيْءِ، وإنْ كانوا مِنْ مُتطوِّعةِ الأعرابِ وأهلِ الصَّدَقاتِ، كانَ لَهم حَقٌّ في سَهمِ سَبيلِ اللَّهِ مِنْ أموالِ الصَّدَقاتِ، ولِذلك إذا رَجَعوا عن الحَربِ لِمانِعٍ لَم يُستَرجَعْ مِنهم ما أخَذوه، لَحِقَهم فيه.
وَلَكِنْ لا بَأْسَ أنْ يَبذُلَ الإنسانُ مالًا يَبَرُّ به الغازيَ والحاجَّ وفاعِلَ البِرِّ؛ مَعونةً لَه؛ لِيَكونَ لِلباذِلِ ثَوابُ بَذْلِه، ولِلعاملِ ثَوابُ عَملِه؛ لأنَّه يَنوبُ فيه عن نَفْسِه، لا عن باذِلِ المالِ (١).
أمَّا الذِّميُّ فيَجوزُ لِلإمامِ استِئجارُه لذلك، على المَذهبِ، ولا يَصحُّ مِنْ غَيرِه استِئجارُه على الأصَحِّ (٢).
(١) «الحاوي الكبير» (١٤/ ١٢٨، ١٢٩).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٣١، ٣٣٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٥٣)، و «كنز الراغبين» (٣/ ١٨٤).
أمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا استَأجَرَ الأميرُ قَومًا يَغزونَ مع المُسلِمينَ لِمَنافِعِهم، لَم يُسهِمْ لَهم، وأُعطُوا ما استُؤجِروا به، نَصَّ أحمَدُ على هذا في رِوايةِ جَماعةٍ، فقالَ في رِوايةِ عَبدِ اللَّهِ، وحَنبَلٍ: في الإمامِ يَستَأجِرُ قَومًا يَدخُلُ بهم بِلادَ العَدُوِّ، لا يُسهِمُ لَهُم، ويُوَفِّي لَهُمْ بما استُؤجِروا عليه، وقالَ القاضي: هذا مَحمولٌ على استِئجارِ مَنْ لا يَجِبُ عليه الجِهادُ؛ كالعَبيدِ والكُفَّارِ، أمَّا الرِّجالُ والمُسلِمونَ الأحرارُ فلا يَصحُّ استِئجارُهم على الجِهادِ؛ لأنَّ الغَزوَ يَتعيَّنُ بحُضورِه على مَنْ كانَ مِنْ أهلِه، فإذا تَعيَّنَ عليه الفَرضُ لَم يَجُزْ أنْ يَفعَلَه عن غَيرِه، كَمَنْ عليه حَجَّةُ الإسلامِ لا يَجوزُ أنْ يَحُجَّ عن غَيرِه، وهذا مَذهَبُ الشَّافِعيِّ.
وَيُحتَمَلُ أنْ يُحمَلَ كَلامُ أحمدَ، والخِرَقِيِّ على ظاهِرِه في صِحَّةِ الِاستِئجارِ على الغَزْوِ لِمَنْ لَم يَتعيَّنْ عليه؛ لِمَا رَوَى أبو داوُدَ بإسنادِه عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لِلْغَازِي أجْرُهُ، وَللْجَاعِلِ أجْرُهُ، وأَجْرُ الغَازي» (١). وَروَى سَعيدُ بنُ مَنصورٍ عن جُبَيرِ بنِ نُفَيرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الذين يَغزونَ مِنْ أُمَّتي ويَأخُذونَ الجُعلَ ويَتَقوَّوْنَ به على عَدُوِّهم، مَثَلُ أُمِّ موسَى تُرضِعُ وَلَدَها وتَأخُذُ أجْرَها»، ولأنَّه أمْرٌ لا يَختَصُّ فاعِلُه أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ، فَصَحَّ الِاستِئجارُ عليه؛ كَبِناءِ المَساجِدِ، أو لَم يَتعيَّنْ عليه الجِهادُ، فصَحَّ أنْ يُؤجِّرَ نَفْسَه عليه، كالعَبدِ، ويُفارِقُ الحَجَّ؛ حَيثُ إنَّه لَيسَ بفَرضِ عَينٍ، وأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلَيه، وفي
(١) رواه أبو داود (٢٥٢٦)، وأحمد (٦٦٢٤).
المَنعِ مِنْ أخْذِ الجُعلِ عليه تَعطيلٌ لَه، ومَنعٌ له ممَّا فيه لِلمُسلِمينَ نَفْعٌ، وبِهم إليه حاجةٌ، فيَنبَغي أنْ يَجوزَ، بخِلافِ الحَجِّ.
إذا ثبَتَ هذا فإنْ قُلْنا بالأولِ فالإجارةُ فاسِدةٌ، وعليه الأُجرةُ برَدِّها، ولَه سَهمُه؛ لأنَّ غَزْوَهُ بغَيرِ أُجرةٍ.
وإنْ قُلْنا: بصِحَّتِه فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ -رحمهما الله- أنَّه لا سَهمَ لَه؛ لأنَّ غَزْوَهُ بَعِوضٍ، فكَأنَّه واقِعٌ مِنْ غَيرِه، فلا يَستَحقُّ شَيئًا.
وقد رَوَى أبو داوُدَ بإسنادِه عن يَعلَى بنِ مُنَبِّهٍ قالَ: آذَنَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بالغَزْوِ وأنا شَيْخٌ كَبيرٌ، ليس لي خَادِمٌ، فالتَمَسْتُ أَجيرًا يَكْفينِي وَأجْرِي له سَهْمُهُ، فوَجَدْتُ رَجُلًا، فلَمَّا دَنَا الرَّحيلُ أَتَاني فقالَ: ما أَدْرِي ما السُّهْمانُ، وما يَبْلُغُ سَهْمي، فسَمِّ لي شَيئًا، كانَ السَّهْمُ أو لم يكُنْ. فسَمَّيْتُ له ثلَاثَةَ دَنَانيرَ، فلَمَّا حَضَرَتْ غَنيمَتُهُ أرَدْتُ أنْ أُجْرِيَ له سَهْمَهُ، فذَكَرْتُ الدَّنَانيرَ، فَجِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فذَكَرْتُ له أمْرَهُ، فقالَ: «مَا أَجِدُ له في غَزْوَتِه هذه في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ إلا دنَانِيرَهُ التي سَمَّى» (١).
وَيُحتَمَلُ أنْ يُسهَمَ لَه، وهو اختِيارُ الخَلَّالِ، قالَ: رَوَى جَماعةٌ عن أحمدَ أنَّ لِلأجيرِ السَّهمَ إذا قاتَلَ، ورَوَى عنه جَماعةٌ أنَّ كلَّ مَنْ شَهِدَ القِتالَ له السَّهمُ: قالَ: وهذا الذي اعتُمِدَ عليه مِنْ قَولِ أبي عَبدِ اللَّهِ.
وَوَجْهُ ذلك ما تَقدَّمَ مِنْ حَديثِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، وحَديثِ جُبَيرِ بنِ
(١) رواه أبو داود (٢٥٢٧).
نُفَيرٍ، وقَولِ عُمرَ رضي الله عنه: «الغَنيمةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَقعةَ» (١)، وَلأنَّه حاضِرٌ لِلوَقعةِ مِنْ أهلِ القِتالِ، فيُسهَمُ لَه، كَغَيرِ الأجيرِ، فأمَّا الذين يُعطَوْنَ مِنْ حَقِّهم مِنْ الفَيْءِ فلَهُم سِهامُهم؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ، جعلَه اللَّهُ ﷾ لَهُم؛ لِيَغزُوا، لا أنَّه عِوَضٌ عن جِهادِهم، بَلْ نَفْعُ جِهادِهم لَهُم، لا لِغَيرِهم، وكذلك مَنْ يُعطَوْنَ مِنْ الصَّدَقاتِ وهُمُ الذين إذا نَشِطوا لِلغَزْوِ أُعطُوا؛ فإنَّهم يُعطَوْنَ مَعونةً لَهم، لا عِوَضًا، ولِذلك إذا دُفِعَ إلى الغُزاةِ يَتقوَّوْنَ به، ويَستَعينونَ به، كانَ له فيه الثَّوابُ، ولَم يكُنْ عِوَضًا، قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا كَانَ له مِثْلُ أَجْرِه» (٢).
وقالَ الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: مَحَلُّ الخِلافِ فيمَن استُؤجِرَ لِلجِهادِ، أمَّا الغُزاةُ الذين يُدفَعُ إليهم مِنْ الفَيْءِ فلَهُمُ السَّهمُ؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ جعلَه اللهُ ﷾ لَهُمْ لِيَغزُوا، لا أنَّه عِوضٌ عن الجِهادِ، وكذلك مَنْ يُعطَى مِنْ الصَّدَقاتِ، وكذلك لو دفعَ دافِعٌ إلى الغُزاةِ ما يَتقوَّوْنَ به، كانَ له أجْرُه، ولَم يكُنْ عِوَضًا (٣).
وقالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ الجُعلُ مِنْ شَخصٍ قاعِدٍ عن الجِهادِ لِمَنْ يَخرُجُ
(١) أخرَجه عبد الرزاق (٩٦٨٩)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢٧٩١)، وابن أبي شَيبة في «مصنفه» (٣٣٢٢٥، ٣٣٢٢٦) عن عمر، وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٢٢٤): إسناده صحيح.
(٢) «المغني» (٩/ ٢٤٣، ٢٤٤)، و «الكافي» (٣/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «الشرح الكبير» (١٠/ ٥١٩، ٥٢٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٧٤).
(٣) «شرح الزركشي» (٢/ ١٧٤).
لِلجِهادِ نائِبًا عنه، إنْ كانا بدِيوانٍ واحِدٍ، فلَو عَيَّنَ أميرُ المُؤمِنينَ طائِفةً لِلجِهادِ في سَبيلِ اللَّهِ، فأرادَ أحَدُهم أنْ يَجعَلَ لِمَنْ يَخرُجُ عنه جُعلًا، فإنَّ ذلك جائِزٌ، إنْ كانَ الجاعِلُ والخارِجُ بدِيوانٍ واحِدٍ، ومَفهومُه المَنْعُ إنْ لَم يَكونا بدِيوانٍ واحِدٍ، وإنْ وقعَ ونَزَلَ يَنبَغي أنْ يَكونَ السَّهمُ لِلخارِجِ ويُرَدَّ الجُعلُ.
في التَّوضيحِ قالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه في «المُدوَّنةُ»: لأنَّ عليهم سَدَّ الثُّغورِ، ورُبَّما خَرجَ لَهم، ورُبَّما لَم يَخرُجْ، ولا يُعجِبُني أنْ يَجعَلَ لِمَنْ لَيسَ مَعَهم في دِيوانٍ لِيَغزُوَ عَنه، وقَد كَرِهَ مالِكٌ لِمَنْ في السَّبيلِ إجارةَ فَرَسِه لِمَنْ يُرابِطُ عليه أو يَغزُو عليه؛ فهذا إذا أجَّرَ نَفْسَه أشَدُّ كَراهةً، وكَأنَّ مالِكًا رحمة الله عليه أشارَ إلى أنَّ الأصلَ مَنعُ هذه الإجارةِ؛ لِلجَهلِ، وأُجيزَتْ إذا كانا بدِيوانٍ واحِدٍ؛ لأنَّ على كلِّ واحِدٍ مِنهما ما على الآخَرِ، فليسَ إجارةً حَقيقيَّةً. اه.
قالَ عِليش رحمة الله عليه في «مِنَحُ الجَليلِ»: ويُشترَطُ أيضًا كَونُ الخُروجِ المُجاعَلِ عليه مَرَّةً واحِدةً؛ احتِرازًا عن الِاتِّفاقِ معه على أنَّه متى وجبَ عليه الخُروجُ خَرجَ نائِبًا عنه؛ فلا يَجوزُ؛ لِقُوَّةِ الغُرورِ، وألَّا يُعَيِّنَ الإمامُ الجاعِلَ بشَخصِه، بأنْ عَيَّنَه بوَصْفِه، بأنْ قالَ: أصحابُ فُلانٍ، أو أهلُ النَّوْبَةِ الصَّيفيَّةِ أوِ الشِّتويَّةِ مثلًا، وهو مِنهم، فلَه الِاستِنابةُ؛ فإنْ عَيَّنَه بشَخصِه، كَزَيدٍ، فظاهِرُ المُدوَّنةِ جَوازُها.
وقالَ التُّونِسيُّ: إنَّما تَجوزُ بإذْنِ الإمامِ، وجُندُ مِصرَ أهلُ دِيوانٍ واحِدٍ، وجُندُ الشَّامِ أهلُ دِيوانٍ آخَرَ واحِدٍ، فلا يَنوبُ مِصريٌّ عن شاميٍّ، ولا يَجوزُ
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.