المعقود عليه في عقد الإجارة هل هو المنفعة أو العين؟

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > المعقود عليه في عقد الإجارة هل هو المنفعة أو العين؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

المعقود عليه في عقد الإجارة هل هو المنفعة أو العين؟ - الأقوال والأدلة

مَعقودةً على عَملٍ؛ فالإجارةُ المَعقودةُ على زَمانٍ -أي: مدَّةٍ- وَهي إجارةُ العَينِ: لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ، وفي ثُبوتِ خِيارِ المَجلِسِ فيها وَجهانِ:

أصَحُّهُما: لا يثبُتُ فيها، كَما لا يثبُتُ فيها خِيارُ الشَّرطِ؛ لأنَّها غَرَرٌ؛ إذْ هو عَقدٌ على مَعدومٍ، والخِيارُ غَرَرٌ، فلا يُضَمُّ غَرَرٌ على غَرَرٍ.

والآخَرُ: يثبُتُ فيها؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ، ولأنَّ قَدْرَه يَسيرٌ.

وأمَّا الإجارةُ في الذِّمةِ: فتَكونُ مثلَ أنْ يَستَأجِرَه لِيَحصُلَ له بناءُ حائِطٍ، أو لِيَحصُلَ له خِياطةُ ثَوبٍ: ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: لا يثبُتُ فيها الخيارانِ؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ على ما لَم يُخلَقْ، وذلك غَرَرٌ؛ فلا يَجوزُ أنْ يُضافَ إليه غَرَرُ الخِيارِ.

والثَّاني: يَثبُتانِ؛ لأنَّ بمُضيِّ المدَّةِ لا يَنفَصِلُ مِنْ المَعقودِ عليه شَيءٌ.

والثَّالث: يثبُتُ فيها خيارُ المَجلِسِ، ولا يثبُتُ فيها خيارُ الشَّرطِ، كالسَّلمِ (١).

المَعقودُ عليه في عَقدِ الإجارةِ هل هو المَنفَعةُ أو العَينُ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في المَعقودِ عليه في عَقدِ الإجارةِ هَلْ هو العَينُ المُستَأجَرةُ أو المَنفَعةُ؟

فذهبَ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ

(١) «نهاية المطلب» (٥/ ٣٥، ٣٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٩٥، ٩٦)، و «المجموع» (٩/ ١٦٦، ١٦٨)، و «البيان» (٥/ ٢٧)، و «التنبيه» (١٢٣)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٨٦، ٤٨٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٨، ٥٩)، و «الإفصاح» (١/ ٣٥١)، و «الإنصاف» (٤/ ٣٦٤، ٣٦٨).

الإجارةَ وارِدةٌ على المَنفَعةِ، لا العَينِ المُستَأجَرةِ، سَواءٌ وَردَتْ على العَينِ أو على الذِّمةِ؛ إذ لَو كانَ مَورِدُها العَينَ لامتَنَعَ رَهنُ العَينِ المُستَأجَرةِ والمَرهونةِ، وهذه الطَّريقة هي المَرْضيَّةُ عندَ الفُقهاءِ، فإنَّ مَعقودَ كلِّ عَقدٍ هو المَقصودُ مِنه، والمَنافِعُ هي المَقصودةُ، والإجارةُ عَقدُ تَمليكٍ، والمَنافِعُ هي التي تُمَلَّكُ، وتُستحَقُّ فيها، دونَ العَينِ، والأُجرةُ في الإجارةِ تَتوزَّعُ على المَنافِعِ، إذا تَبَعَّضَتْ في مَنازِلِ الفَسخِ والِانفِساخِ، فهي المَقصودةُ المَعقودُ عليها، ولَكنَّ الشَّرعَ احتَمَلَ إيرادَ العَقدِ عليها، وهي تَثبُتُ شَيئًا فشَيئًا؛ لِمَسيسِ الحاجةِ.

وَلأنَّ المَنفَعةَ هي التي تُستَوفَى، ولأنَّ الأجْرَ في مُقابَلَتِها، ولِهَذا تُضمَنُ، دونَ العَينِ، وإنَّما أُضيفَ العَقدُ إلى العَينِ؛ لأنَّها مَحَلُّ المَنفَعةِ ومَنشَؤُها، كَما يُضافُ عَقدُ المُساقاةِ إلى البُستانِ، والمَعقودُ عليه الثَّمرةُ، والِانتِفاعُ تابِعٌ ضَرورةً، لأنَّ المَنفَعةَ لا تُوجَدُ إلَّا عَقِبَه.

وليسَتِ المَنافِعُ رَقَبةَ العَينِ المُستَأجَرةِ، ولا ما يُعقَلُ مِنْ صِفاتِها، كَتَركُّبِ الجُدرانِ، وتَنَضُّدِ السَّقفِ على الهَيْئاتِ المَطلوبةِ، وغَيرِهما مِنْ الصِّفاتِ.

فالمَنافِعُ إذَنْ نَعني بها تَهيُّؤَ العَينِ المُستَأجَرةِ لِانتِفاعِ المُستَأجِرِ بها في الوَجْهِ المَطلوبِ، ولا مَزيدَ في الأحكامِ الشَّرعيةِ على هذه المَواقِفِ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٧٤، ١٧٥)، و «الهداية» (٣/ ٢٤٩)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٤٥٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٣٤)، و «حاشية الصاوي مع الشرح الصغير» (٨/ ٤٦٨)، و «نهاية المطلب» (٨/ ٦٧، ٦٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥، ٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٠٠، ٣٠١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣١٩، ٣٢٠)، و «حاشية البجيرمي» (٣/ ١٧١)، و «المغني» (٥/ ٢٥١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٤٢)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٥٨٠).

قالَ الحَنفيَّةُ: وإذا عُرِفَ أنَّ الإجارةَ بَيعُ المَنفَعةِ، يَخرُجُ عليه بَعضُ المَسائِلِ:

١ - لا تَجوزُ إجارةُ الشَّجرِ والكَرْمِ لِلثَّمرِ؛ لأنَّ الثَمرَ عَينٌ، والإجارةَ بَيعُ المَنفَعةِ، لا بَيعُ العَينِ.

٢ - لا تَجوزُ إجارةُ الشَّاةِ لِلَبنِها أو سَمنِها أو صُوفِها أو وَلَدِها؛ لأنَّ هذه أعيانٌ؛ فلا تُستحَقُّ بعَقدِ الإجارةِ، وكَذا إجارةُ الشَّاةِ لِتُرضِعَ جَدْيًا أو صَبِيًّا؛ لِمَا قُلْناه.

٣ - لا تَجوزُ إجارةُ ماءٍ في نَهَرٍ أو بِئرٍ أو قَناةٍ أو عَينٍ؛ لأنَّ الماءَ عَينٌ؛ فإنِ استَأجَرَ القَناةَ والعَينَ والبِئرَ مع الماءِ، لَم يَجُزْ أيضًا؛ لأنَّ المَقصودَ منه الماءُ، وهو عَينٌ.

٤ - لا يَجوزُ استِئجارُ الآجامِ التي فيها الماءُ لِلسَّمَكِ وغَيرِه مِنْ القَصَبِ والصَّيدِ؛ لأنَّ كلَّ ذلك عَينٌ، فإنِ استَأجَرَها مع الماءِ فهو أفْسَدُ وأخبَثُ؛ لأنَّ استِئجارَها بدُونِ الماءِ فاسِدٌ، فكانَ مع الماءِ أفسَدَ.

٥ - لا تَجوزُ إجارةُ المَراعي؛ لأنَّ الكَلَأَ عَينٌ؛ فلا تَحتَمِلُ الإجارةَ.

٦ - لا تَجوزُ إجارةُ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، ولا تِبْرِهِما، وكَذا تِبْرُ النُّحاسِ والرَّصاصِ، ولا يَجوزُ استِئجارُ المَكيلاتِ والمَوزوناتِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ

الِانتِفاعُ بها إلَّا بعدَ استِهلاكِ أعيانِها، والدَّاخِلُ تَحتَ الإجارةِ المَنفَعةُ، لا العَينُ، حتى لَوِ استَأجَرَ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ لِيُعَبِّرَ بها مِيزانًا أو حِنطةً لِيُعَبِّرَ بها مِكيالًا أو زَيتًا لِيُعَبِّرَ به أرطالًا أو أمنانًا أو وَقتًا مَعلومًا.

فَقولانِ لِلحَنَفيةِ: ذكرَ في الأصلِ أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ ذلك نَوعُ انتِفاعٍ بها، مع بَقاءِ عَينِها؛ فأشبَهَ استِئجارَ سَنجاتِ الميزانِ.

وَذكرَ الكَرخيُّ رحمة الله عليه: أنَّه لا يَجوزُ؛ لِفَقدِ شَرطٍ آخَرَ، وهو كَونُ المَنفَعةِ مَقصودةً، والِانتِفاعُ بهذه الأشياءِ مِنْ هذه الجِهةِ غيرُ مَقصودٍ عادةً.

٧ - لا يَجوزُ استِئجارُ الفَحلِ لِلضِّرابِ؛ لأنَّ المَقصودَ منه النَّسلُ، وذلك بإنزالِ الماءِ، وهو عَينٌ، وقَد رُوِيَ عن رَسولِ اللَّهِ أنَّه نَهَى عن عَسْبِ الفَحلِ، أي: كِرائِه؛ لأنَّ العَسْبَ في اللُّغةِ -وإنْ كانَ اسمًا لِلضِّرابِ- لا يُمكِنُ حَمْلُه عليه؛ لأنَّ ذلك لَيسَ بمَنهِيٍّ عنه؛ لِمَا في النَّهيِ عنه مِنْ قَطعِ النَّسلِ؛ فكَانَ المُرادُ منه كِراءَ عَسْبِ الفَحلِ، إلَّا أنَّه حَذَفَ الكِراءَ، وأقامَ العَسْبَ مَقامَه، كَما في قَولِهِ : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ونَحوِ ذلك.

٨ - لَوِ استَأجَرَ كَلبًا مُعَلَّمًا لِيَصيدَ، أو بازيًا، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه استِئجارٌ على العَينِ، وهو الصَّيدُ، وجِنسُ هذه المَسائِلِ تُخَرجُ على الأصلِ.

قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: ألَيسَ استِئجارُ الظِّئرِ جائِزًا، وأنَّه استِئجارٌ على العَينِ، وهي اللَّبنُ، بدَليلِ أنَّها لَو أرضَعَتْه بلَبنِ شاةٍ لَم تَستَحِقَّ الأُجرةَ؟

فالجَوابُ: إنَّه رُوِيَ عن مُحمَّدٍ أنَّ العَقدَ يَقَعُ على خِدمةِ الصَّبيِّ، واللَّبنُ

يَدخُلُ على طَريقِ التَّبَعِ، فكانَ ذلك استِئجارًا على المَنفَعةِ أيضًا، واستِيفاؤُها بالقيامِ بخِدمةِ الصَّبيِّ مِنْ غَسلِه وغَسلِ ثيابِه، وإلباسِها إيَّاه، وطَبخِ طَعامِه، ونَحوِ ذلك، واللَّبنُ يَدخُلُ فيه تَبَعًا؛ كالصَّبغِ في استِئجارِ الصَّباغِ، وإذا أرضَعَتْه بلَبنِ الشَّاةِ فلَم تَأتِ بما دخلَ تَحتَ العَقدِ فلا تَستَحِقُّ الأُجرةَ، كالصَّباغِ إذا صَبَغَ الثَّوبَ لَونًا آخَرَ غيرَ ما وقعَ عليه العَقدُ، أنَّه لا يَستَحقُّ الأجْرَ، وذا لا يَدلُّ على أنَّ المَعقودَ عليه لَيسَ هو المَنفَعةَ، كَذا هَهُنا.

وَمِنْ مَشايِخِنا مَنْ قالَ: إنَّ المَعقودَ عليه هُناكَ العَينُ، وهي اللَّبنُ المَقصودُ، والخِدمةُ تَبَعٌ؛ لأنَّ المَقصودَ تَربيةُ الصَّبيِّ، ولا يَترَبَّى إلَّا باللَّبنِ، فأجرَى اللَّبنَ مَجرَى المَنافِعِ، ولِهَذا لا يَجوزُ بَيعُه، وعَلَى هذا يَخرُجُ استِئجارُ الأقطَعِ والأشَلِّ لِلخياطةِ بنَفْسِه، والقِصارةِ والكِتابةِ وكلِّ عَملٍ لا يَقومُ إلَّا باليَدَيْنِ، واستِئجارُ الأخرَسِ لِتَعليمِ الشِّعرِ والأدَبِ، والأعمَى لِنَقطِ المَصاحِفِ، أنَّه غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّ الإجارةَ بَيعُ المَنفَعةِ، والمَنفَعةُ لا تَحدُثُ عادةً إلَّا عندَ سَلامةِ الآلاتِ والأسبابِ، وكَذا استِئجارُ الأرضِ السَّبخةِ والنَّزَّةِ لِلزِّراعةِ، وهي لا تَصلُحُ لَها؛ لأنَّ مَنفَعةَ الزِّراعةِ لا يُتصوَّرُ حُدوثُها مِنها عادةً؛ فلا تَقعُ الإجارةُ ببَيعِ المَنفَعةِ، فلَم تَجُزْ، وعَلَى هذا يَخرُجُ استِئجارُ المُصحَفِ، أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ مَنفَعةَ المُصحَفِ النَّظَرُ فيه والقِراءةُ مِنه، والنَّظَرُ في مُصحَفِ الآخرينَ والقِراءةُ منه مُباحانِ، والإجارةُ بَيعُ المَنفَعةِ، والمُباحُ لا يَكونُ مَحَلًّا لِلبَيعِ؛ كالأعيانِ المُباحةِ مِنْ الحَطَبِ والحَشيشِ.

وَكَذا استِئجارُ كُتُبٍ لِيَقرَأَ فيها شِعرًا أو فِقهًا؛ لأنَّ مَنافِعَ الدَّفاتِرِ النَّظَرُ

فيها، والنَّظَرُ في دَفتَرِ الآخرينَ مُباحٌ مِنْ غيرِ أجْرٍ، فصارَ كَما لَوِ استَأجَرَ ظِلَّ حائِطٍ في خارِجِ دارِه لِيَقعُدَ فيه.

وَلَوِ استَأجَرَ شَيئًا مِنْ الكُتُبِ لِيَقرَأَ، فقَرَأ، فلا أجْرَ عليه؛ لِانعِدامِ عَقدِ المُعاوَضةِ، وعَلَى هذا أيضًا تَخرُجُ إجارةُ الآجامِ لِلسَّمَكِ والقَصَبِ، وإجارةُ المَراعي لِلكَلَأِ وسائِرِ الأعيانِ المُباحةِ غيرُ جائِزةٍ لِمَا بيَّنَّا (١).

وَذَهَبَ بَعضُ الشافِعيَّةِ وبَعضُ الحَنفيَّةِ والمَروَزيُّ وشَيخَا الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّ المَعقودَ عليه في الإجارةِ العَينُ المُستَأجَرةُ؛ لِيَستَوفيَ مِنها المَنفَعةَ؛ لأنَّ المَنافِعَ مَعدومةٌ، ولأنَّ العَقدَ يُضافُ إلَيه؛ فيَقولُ: أجَّرْتُكَ داري، كَما يَقولُ: بِعتُكَها.

قالَ شَيخَا الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ: إنَّ الأصلَ الذي سارَ عليه الفُقهاءُ، وَهو أنَّ المُستَحقَّ بعَقدِ الإجارةِ إنَّما هو المَنافِعُ، لا الأعيانُ، أصْلٌ فاسِدٌ، لَم يَدلَّ عليه كِتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ صَحيحٌ؛ بَلِ الذي دَلَّتْ عليه الأُصولُ أنَّ الأعيانَ التي تَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا، مع بَقاءِ أصلِها، حُكمُها حُكم المَنافِعِ؛ كالثَّمرِ في الشَّجرِ، واللَّبنِ في الحَيَوانِ، والماءِ في البِئرِ، ولِهَذا سُوِّيَ بينَ النَّوعَيْنِ في الوَقفِ، فإنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ، وتَسبيلُ الفائِدةِ، فكَما يَجوزُ أنْ تَكونَ فائِدةُ الوَقفِ مَنفَعةً، كالسُّكنَى، وأنْ تَكونَ ثَمرةً، وأنْ تَكونَ لَبنًا، كَوَقفِ الماشيةِ للِانتِفاعِ بلَبنِها، وكذلك في بابِ التَّبرُّعاتِ؛ كالعاريةِ لِمَنْ يَنتفِعُ بالمَتاعِ ثم يَرُدُّه، والعاريةِ لِمَنْ يَأكُلُ ثَمرَ

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٧٥، ١٧٦).

الشَّجرةِ ثم يَرُدُّها، والمَنيحةِ لِمَنْ يَشرَبُ لَبنَ الشَّاةِ ثم يَرُدُّها، والقَرضِ لِمَنْ يَنتفِعُ بالدَّراهِمِ ثم يَرُدُّ بَدَلَها، القائِمَ مَقامَ عَينِها، فكذلك في الإجارةِ تارةً يُكريه العَينَ لِلمَنفَعةِ التي لَيسَتْ أعيانًا، وتارةً لِلعَينِ التي تَحدُثُ شَيئًا مِنْ بَعدِ شَيءٍ، مع بَقاءِ الأصْلِ؛ كَلَبنِ الظِّئرِ، ونَفعِ البِئرِ؛ فإنَّ هذه الأعيانَ لَمَّا كانَتْ تَحدُثُ شَيئًا بعدَ شَيءٍ مع بَقاءِ الأصْلِ كانَتْ كالمَنفَعةِ، والمُسوِّغُ لِلإجارةِ هو ما بَينَهما مِنْ القَدْرِ المُشتَرِكِ، وهو حُدوثُ المَقصودِ بالعَقدِ شَيئًا فشَيئًا، سَواءٌ كانَ الحادِثُ عَينًا، أو مَنفَعةً، وكَونُه جِسمًا أو مَعنًى قائِمًا بالجِسمِ، لا أثَرَ له في الجَوازِ والمَنعِ، مع اشتِراكِهِما في المُقتَضِي لِلجَوازِ، بَلْ هذا النَّوعُ مِنْ الأعيانِ الحادِثةِ شَيئًا فشَيئًا أحَقُّ بالجَوازِ؛ فإنَّ الأجسامَ أكَمُلَ مِنْ صِفاتِها، وطَرْدُ هذا القياسِ جَوازُ إجارةِ الحَيَوانِ غيرِ الآدَميِّ لِرَضاعِه؛ فإنَّ الحاجةَ تَدعو إلَيه، كَما تَدعو إليه في الظِّئرِ مِنْ بَناتِ آدَمَ بطَعامِها، وكِسوَتِها، ويَجوزُ استِئجارُ الظِّئرِ مِنْ البَهائِمِ بعَلَفِها، والماشيةِ إذا عاوَضَ على لَبنِها، فهو نَوعانِ:

أحَدُهما: أنْ يُشترَى اللَّبنُ مدَّةً ويَكونَ العَلَفُ والخِدمةُ على البائِعِ، فهذا بَيعٌ مَحْضٌ.

والآخَرُ: أنْ يُسَلِّمَها ويَكونَ عَلَفُها وخِدمَتُها عليه، ولَبنُها له مدَّةَ الإجارةِ؛ فهذا إجارةٌ، وهو كَضَمانِ البُستانِ سَواءٌ، وكالظِّئرِ؛ فإنَّ اللَّبنَ يُستَوْفَى شَيئًا فشَيئًا مع بَقاءِ الأصْلِ، فهو كاستِئجارِ العَينِ؛ لِيَسقيَ بها أرضَه، وقَد نَصَّ مالِكٌ على جَوازِ إجارةِ الحَيَوانِ مدَّةً لِلَبنِه، ثم مِنْ أصحابِه مَنْ جَوَّزَ ذلك تَبَعًا لِنَصِّه، ومِنهم مَنْ مَنَعَه، ومِنهم مَنْ شرطَ فيه شُروطًا ضَيَّقوا

بها مَورِدَ النَّصِّ، ولَم يَدلَّ عليها نَصُّه، والصَّوابُ الجَوازُ، وهو مُوجِبُ القِياسِ المَحضِ، فالمُجَوِّزونَ أسَعَدُ بالنَّصِّ مِنْ المانِعينَ (١).

وَذَهَبَ الرَّافِعيُّ والنَّوَويُّ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أنَّ الخِلافَ لَفظيٌّ، قالَ الرَّافِعيُّ: ويُشبِهُ ألَّا يَكونَ خِلافًا مُحقَّقًا، فالأولُ لا يَقطَعُ النَّظَرَ عن العَينِ، والثَّاني لا يَعني بها تَملُّكَها كَمِلْكِها بالشِّراءِ، بَلْ لِيَنتفِعَ بها، ووافَقَهُ النَّوَويُّ في الرَّوضةِ، على أنَّ الخِلافَ لَفظيٌّ.

قالَ العِمرانيُّ رحمة الله عليه: وليسَ كذلك، بَلْ له فَوائِدُ:

إحداها: إذا لَم يَقبِضِ العَينَ المُستَأجَرةَ، ثم أرادَ إجارَتَها لِغَيرِ مُؤجِّرِها، ففيه خِلافٌ مُخَرَّجٌ على ذلك، إنْ قُلْنا: مَورِدُها العَينُ، لَم يَصحَّ، أو المَنفَعةُ، صَحَّ.

الثَّانيةُ: الخِلافُ المَشهورُ في استِئجارِ الكَلبِ يَنبَني على ذلك.

الثَّالثةُ: إجارةُ حُلِيِّ الذَّهَبِ بالذَّهَبِ لا تَجوزُ على وَجْهٍ خَرجَه ابنُ الرِّفعةِ، على ذلك، واتَّفَقوا على صِحَّةِ إيجارِ الحُرِّ نَفْسَه، ولَم يُخَرِّجوا على ذلك، ونقلَ أسعَدُ المِيهَنيُّ عن بَعضِ الأصحابِ أنَّ المَعقودَ عليه شَيءٌ مُلتَزَمٌ في الذِّمةِ كَسائِرِ الدُّيونِ (٢).

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٥٠، ٥٥١)، و «إعلام الموقعين» (٢/ ٣٤، ٣٥).
(٢) «النجم الوهاج» (٥/ ٣٢٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في بيان ما ينتهي به عقد الإجارة

وَالصَّبَّاغِ فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ وَالْخُفِّ: عَمِلْتَهُ لِي بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَقَالَ الصَّانِعُ: لَا؛ بَلْ عَمِلْتُهُ بِأُجْرَةِ دِرْهَمٍ، أَوْ اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّارِ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ فَقَالَ رَبُّ الدَّارِ: أَجَرْتُهَا مِنْك بِدِرْهَمٍ، وَقَالَ السَّاكِنُ بَلْ سَكَنْتهَا عَارِيَّةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَالْخُفِّ، وَسَاكِنِ الدَّارِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ حُرًّا ثِقَةً فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ الرَّجُل انْتَصَبَ لِلْعَمَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَصَبَ لِلْعَمَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَشْتَرِطَا الْأَجْرَ لَكِنَّ الصَّانِعَ قَالَ: إنِّي إنَّمَا عَمِلْت بِالْأَجْرِ، وَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: مَا شَرَطْت لَك شَيْئًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.

(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا اعْتِبَارُ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَإِنَّ انْتِصَابَهُ لِلْعَمَلِ، وَفَتْحَهُ الدُّكَّانَ لِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إلَّا بِالْأُجْرَةِ، وَكَذَا إذَا كَانَ حَرِيفَهُ فَكَانَ الْعَقْدُ مَوْجُودًا دَلَالَةً، وَالثَّابِتُ دَلَالَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الدابة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (فَصْلٌ) وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ، وَجَازَ عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا، أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامَك

ــ

منح الجليل

فَصْل كِرَاء الدَّابَّة

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالرِّبَاعِ (وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ) أَيْ إيجَارُ عَاقِلٍ وَمُمْكِنُ النَّقْلِ غَيْرِ السَّفِينَةِ وَالدَّابَّةِ فِي تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَى عَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ وَالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَاللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ. وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ. ابْنُ شَاسٍ أَقْسَامُ الْإِجَارَةُ ثَلَاثَةٌ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي اسْتِئْجَارِ الْآدَمِيِّ، الْقِسْمُ الثَّانِي فِي اسْتِئْجَارِ الْأَرَاضِي، الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَهِيَ تُسْتَأْجَرُ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: لِلرُّكُوبِ ولِلْحَمْلِ وَلِلِاسْتِقَاءِ وَلِلْحَرْثِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 233 - 240

ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله