الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الإجارة > متى لا يجب تعجيل الأجرة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 45 دقيقة قراءةالمُؤجِّرِ، كاستأجَرتُكَ على فِعلِ كَذا في ذِمَّتِكَ إنْ شِئتَ عَمِلتَه بنَفسِكَ أو بغَيرِكَ، أو على أنْ تَحمِلَني على دَوابِّكَ لِبَلَدِ كَذا؛ فيَجِبُ تَعجيلُ الأجْرِ فيها، وإلَّا أدَّى إلى ابتِداءِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، بَيانُه أنَّ ذِمَّتَه مَشغولةٌ لَكَ بالدَّابَّةِ، وأنَّ ذِمَّتكَ مَشغولةٌ له بالدَّراهِمِ.
وَهَذا ما لَم يُشرَعْ في المَنافِعِ المَضمونةِ، فإنْ شَرَعَ في السَّيرِ مثلًا جازَ التَّأخيرُ؛ لِانتِفاءِ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ حينَئِذٍ، بِناءً على أنَّ قَبضَ الأوائِلِ كَقَبضِ الأواخِرِ؛ لأنَّه لَمَّا شَرَعَ في السَّيرِ كَأنَّه استَوفَى جَميعَ المَنفَعةِ، ولأنَّ نَقدَ أوائِلِ الرُّكوبِ كَقَبضِ جَميعِه؛ إذْ هو أكثَرُ المَقدورِ عليه في قَبضِه.
وليسَ المُرادُ أنَّه لَم يُشرَعْ فيها الآنَ؛ وإنَّما المُرادُ لَم يُشرَعْ فيها بعدَ أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ، وتَأخيرُ اليَومَيْنِ والثَّلاثةِ لا يَضُرُّ؛ لأنَّه سَلَمٌ، حتى لَو هَلَكَ يَجري على بابِ السَّلمِ.
وَيَكفي تَعجيلُ اليَسيرِ مِنْ الأجْرِ؛ كالدِّينارِ والدِّينارَيْنِ؛ لِبُعدِ مَسافةِ السَّفَرِ، كالكَرْيِ لِلحَجِّ مثلًا، كانَ ذلك في الإبَّانِ أو قَبلَه، وذلك لِلضَّرورةِ؛ لأنَّه لَو وجبَ تَعجيلُ جَميعِ الأجْرِ في السَّفَرِ البَعيدِ؛ كالحَجِّ ونَحوِه لَضاعَتْ أموالُ النَّاسِ عليهم بسَبَبِ هُروبِ الجَمَّالِينَ بالأجْرِ، ومَحَلُّ كِفايةِ تَعجيلِ اليَسيرِ إذا كانَتِ الأُجرةُ كَثيرةً، وإلَّا فلا بدَّ مِنْ تَعجيلِها كلِّها.
والقولُ قولُ المُكرِي إذا طَلَب التَّعجيلَ في المَضمونةِ، وطَلَب المُكتَرِي الشُّروعَ وعَدَمَ التَّعجيلِ.
متى لا يَجِبُ تَعجيلُ الأُجرةِ:
وَإذا لَم يَكُنِ الأجْرُ مُعيَّنًا، ولا شُرِطَ تَعجيلُه، ولا عُرْفَ بتَعجيلِه
ولا عادةَ، ولَم تَكُنِ المَنافِعُ مَضمونةً فلا يَجِبُ تَعجيلُ شَيءٍ مِنْ الأُجرةِ إلَّا بالتَّمكُّنِ مِنْ استيفاءِ ما يُقابِلُه مِنْ المَنفَعةِ، فكلَّما استَوفَى مَنفَعةَ يَومٍ استَحقَّ أُجرَتَه.
والمُرادُ باليَومِ القِطعةُ المُعيَّنةُ مِنْ الزَمنِ، لا حَقيقةُ اليَومِ، وهذا عندَ المُشاحَنةِ، وأمَّا إنْ تَراضَيَا على شَيءٍ، يُعمَلُ به، يَجوزُ تَعجيلُ الجَميعِ وتَأخيرُه؛ فإنِ اشتُرِطَ التَّعجيلُ أو جَرَى به عُرفٌ عُجِّلَ، كَما مَرَّ.
وَهَذا في غيرِ الصَّانِعِ والأجيرِ، بَلْ في كِراءِ العَقارِ والرَّواحِلِ والآدَميِّ لِلخِدمةِ، أمَّا الصَّانِعُ والأجيرُ فليسَ لَهُما أُجرةٌ إلَّا بعدَ التَّمامِ.
جاءَ في «المُدوَّنةُ»: إذا أرادَ الصُّنَّاعُ والأُجَراءُ تَعجيلَ الأجْرِ قبلَ الفَراغِ، وامتَنَعَ ربُّ الشَّيءِ، حُمِلوا على المُتعارَفِ بينَ النَّاسِ؛ فإنْ لَم يكُنْ لَهم سُنَّةٌ لَم يُقضَ لَهم بشَيءٍ إلَّا بعدَ الفَراغِ، وأمَّا في الكِراءِ في دارٍ أو راحِلةٍ أو في إجارةِ بَيعِ السِّلَعِ ونَحوِها، فبِقَدْرِ ما مَضَى، وليسَ لِخيَّاطٍ خاطَ نِصفَ القَميصِ أخْذُ نِصفِ أُجرَتِه إذا لَم يَأخُذْه على ذلك، بَلْ حتى يُتِمَّه. انتَهَى.
والفَرقُ بينَ الأجيرِ والصَّانِعِ أنَّ بائِعَ مَنفَعةِ يَدِه إنْ كانَ لا يَحوزُ ما فيه عَملُه؛ كالبَنَّاءِ والنَّجَّارِ، فهو أجيرٌ، وإنْ كانَ يَحوزُه فإنْ كانَ لَم يُخرِجْ فيه شَيئًا مِنْ عِندِهِ؛ كالخيَّاطِ والحَدَّادِ والصَّائِغِ فصانِعٌ، وإنْ كانَ يُخرِجُ فيه شَيئًا مِنْ عِندِه كالصَّباغِ فبائِعٌ صانِعٌ.
قالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ رحمة الله عليه: الأُجرةُ لا يُستحَقُّ تَسليمُها بمُجرَّدِ العَقدِ، ولا بتَسليمِ العَينِ المُستَأجَرةِ، وإنَّما تُستحَقُّ الأُجرةُ أوَّلًا بأوَّلٍ لكلِّ
جُزءٍ مِنْ المالِ يُقابِلُ كلَّ جُزءٍ مِنْ المَنافِعِ، إلَّا أنْ يَكونَ هُناكَ عادةٌ أو شَرطٌ فيُستحَقُّ التَّسليمُ لَها، أو يَكونُ تَأخيرُها يُؤدِّي إلى أمْرٍ مَمنوعٍ؛ فيَلزَمُ تَقديمُه لِذلك، لا بمُجرَّدِ العَقدِ.
وَذلك لأنَّ الأُجرةَ ثَمنٌ لِلمَنافِعِ، كَما أنَّ الثَّمنَ في البَيعِ لِرَقَبةِ المَبيعِ، وقَد ثبَتَ أنَّ في البَيعِ لا يَلزَمُ تَسليمُ الثَّمنِ بمُجرَّدِ العَقدِ، إلَّا بعدَ تَسليمِ المَعقودِ عليه، فكذلك يَجِبُ في الإجارةِ.
ولِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قبلَ أَنْ يَجِفَّ عَرقُهُ» (١). وذلك حَثٌّ على تَعجيلِها وَقتَ استِحقاقِها، ومَنْعِ تأخيرِها عنه، فلو كانَتْ مُستَحقَّةً بمُجرَّدِ العَقدِ لَكانَ أمْرًا بتأخيرِها، وذلك يُنافي المَقصودَ بالخَبَرِ، ولأنَّه عِوَضٌ في عَقدِ مُعاوَضةٍ مَحضةٍ، فلم يَلزَمْ تَسليمُه بمُجرَّدِ العَقدِ دونَ تَسليمِ المَعقودِ عليه، كالأثْمانِ بالبُيوعاتِ (٢).
٦ - ألَّا تَكونَ الأُجرةُ جُزءًا مِنْ المَعقودِ عليه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الأُجرةِ، هَلْ يُشترَطُ ألَّا تَكونَ جُزءًا مِنْ المَعقودِ عليه أو تَصحُّ وإنْ كانَتْ جُزءًا مِنْ المَعقودِ عليه؟
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: أخرَجه ابن ماجه (٢٤٤٣)، والقُضاعي (١/ ٤٣٣).
(٢) «المعونة على مذهب عالم المدينة» (٢/ ١٠٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٩٨) رقم (١٠٤٢) بتصرُّف. و «تهذيب المسالك» (٤/ ٣١٦)، و «التَّوضيح» (٧/ ١٤١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٣٥، ٣٣٨)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٣٨٣، ٣٨٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٥٩، ٤٦١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٣، ٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٥٠، ٥٥١)، و «حاشية الصاوي مع الشرح الصغير» (٨/ ٤٧٥، ٤٧٧)، و «منح الجليل» (٨/ ٤٣٦، ٤٤٠).
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ -في المَذهبِ- والمالِكيَّةُ -في المَشهورِ- والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُشترَطُ في الأُجرةِ ألَّا تَكونَ جُزءًا مِنْ المَعقودِ عليه، فلا يَصحُّ استِئجارُ سَلَّاخٍ لِيَسلَخَ الشَّاةَ بالجِلدِ الذي عليها، ولا طَحَّانٍ على أنْ يَطْحَنَ البُرَّ مثلًا ببَعضِ الدَّقيقِ مِنه؛ كَرُبُعِه، أو بالنُّخالةِ مِنه؛ لِلجَهلِ بثَخانةِ الجِلدِ، وبِقَدرِ الدَّقيقِ والنُّخالةِ، ولِعَدَمِ القُدرةِ على الأُجرةِ حالَّةً، وكَذا لَو دفعَ سِمسِمًا إلى رَجُلٍ على أنْ يَعصِرَه له برِطْلٍ مِنْ دُهنِه، فهو فاسِدٌ أيضًا، وكَذا لَو دفعَ الغَزلَ إلى حائِكٍ لِيَنسِجَه بالنِّصفِ، فهو فاسِدٌ؛ لأنَّه في مَعنَى قَفيزِ الطَّحَّانِ، وكذلك حَمْلُ الطَّعامِ في سَفينةٍ، أو استَأجَرَ دَابَّةً لِيَحمِلَ عليها طَعامًا بقَفيزٍ مِنه، فهو فاسِدٌ؛ لأنَّه جعلَ الأجرَ بَعضَ ما يَخرُجُ مِنْ عَملِه.
واستَدَلُّوا على ذلك بما رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ «أنَّه نَهَى عن عَسْبِ الفَحْلِ، وعَنْ قَفيزِ الطَّحَّانِ» (١).
صُورةُ قَفيزِ الطَّحَّانِ: أنْ يَستَأجِرَ الرجُل مِنْ آخَرَ ثَورًا لِيَطحَنَ به الحِنطةَ على أنْ يَكونَ لِصاحِبِه قَفيزٌ مِنْ دَقيقِها، أو يَستَأجِرَ إنسانًا لِيَطحَنَ له الحِنطةَ بنِصفِ دَقيقِها، أو ثُلُثِه أو رُبُعِه، أو ما أشبَهَ ذلك، وذلك فاسِدٌ؛ لأنَّه مَنهِيٌّ عَنه.
والمَعنَى فيهِ: أنَّه جعلَ الأجْرَ شَيئًا مَعدومًا؛ لأنَّه جعلَ الأجْرَ بَعضَ الدَّقيقِ الذي يَخرُجُ مِنْ عِلمِه، وأنَّه مَعدومٌ في الحالِ حَقيقةً، وليسَ له حُكمُ
(١) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢/ ١٨٧)، والدَّارَقُطني (٣٠٢٨).
الوُجودِ؛ لأنَّه غيرُ واجِبٍ في الذِّمةِ؛ لأنَّه إنَّما يَجِبُ في الذِّمةِ ما له وُجودٌ في العالَمِ، والبَدَلُ في المُعامَلاتِ يَجِبُ أنْ يَكونَ مَوجودًا حَقيقةً، كالعَينِ، أو حُكمًا، كالثَّمنِ.
فَضابِطُ ما يُبطِلُ أنْ تُجعَلَ الأُجرةُ شَيئًا يَحصُلُ بعَملِ الأجيرِ.
قالَ الحَنفيَّةُ: إذا استَأجَرَ رَجُلًا لِيَطحَنَ له قَفيزًا مِنْ حِنطةٍ برُبُعٍ مِنْ دَقيقِها، أو لِيَعصِرَ له قَفيزًا مِنْ سِمسِمٍ بجُزءٍ مَعلومٍ مِنْ دُهنِه، أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ الأجيرَ يَنتفِعُ بعَملِه مِنْ الطَّحنِ والعَصرِ، فيَكونُ عامِلًا لِنَفْسِه، وقَد رُوِيَ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه نَهَى عن قَفيزِ الطَّحَّانِ.
وَلَو دفعَ إلى حائِكٍ غَزلًا لِيَنسِجَه بالنِّصفِ؛ فالإجارةُ فاسِدةٌ، لأنَّ الحائِكَ يَنتفِعُ بعَملِه، وهو الحِياكةُ، وكَذا هو في مَعنَى قَفيزِ الطَّحَّانِ؛ فكانَ الِاستِئجارُ عليه مَنهيًّا.
والمَعنَى فيه: أنَّ المُستَأجِرَ عاجِزٌ عن تَسليمِ الأجْرِ؛ لأنَّه بَعضُ ما يَخرُجُ مِنْ عَملِ الأجيرِ، والقُدرةُ على التَّسليمِ شَرطٌ لِصِحَّةِ العَقدِ، وهو لا يَقدِرُ بنَفْسِه، وإنَّما يَقدِرُ بغَيرِه؛ فلا يُعَدُّ قادِرًا، ففَسَدَ، ولأنَّه جعلَ الأجرَ شَيئًا لا يُمكِنُ تَسليمُه إلَّا بعَملِ الأجيرِ العَملَ الذي يَجِبُ عليه بحُكمِ العَقدِ، فتَكونُ القُدرةُ التي هي شَرطُ العَقدِ قائِمةً بحُكمِ العَقدِ، فتَصيرُ بمَنزِلةِ حُكمِ العَقدِ، والشَّرطُ لا يَصلُحُ حُكمًا، فكَذا لا يَصلُحُ قائِمًا به، فإذا نَسَجَ أو حَمَلَ فلَه أجْرُ مِثلِه، لا يُجاوِزُ به المُسمَّى.
وَكانَ مَشايِخُ بَلْخَ؛ كَمُحمَّدِ بنِ سَلَمةَ، ونَصرِ بنِ يَحيَى، والنَّسَفيِّ،
يُجيزونَ حَمْلَ الطَّعامِ ببَعضِ المَحمولِ، ونَسجَ الثَّوبِ ببَعضِ المَنسوجِ؛ لِتَعامُلِ أهلِ بِلادِهم بذلك، وقالوا: مَنْ لَم يُجَوِّزْه إنَّما لَم يُجَوِّزْه بالقياسِ على قَفيزِ الطَّحَّانِ، والقياسُ يُترَكُ بالتَّعارُفِ، ولَئِنْ قُلْنا: إنَّ النَّصَّ يَتناوَلُه دِلالةً؛ فالنَّصُّ يَختَصُّ بالتَّعامُلِ، ألَا تَرى أنَّ الِاستِصناعَ تُرِكَ القياسُ فيه، وخُصَّ عن القَواعِدِ الشَّرعيةِ بالتَّعامُلِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ لِلشَّخصِ أنْ يَستَأجِرَ شَخصًا على سَلْخِ شاةٍ مثلًا بجِلدِها، وهي إجارةٌ فاسِدةٌ، ولا فَرقَ بينَ كَونِ الشَّاةِ مَذبوحةً أو حَيَّةً؛ لأنَّه لا يُستحَقُّ الجِلدُ إلَّا بعدَ تَمامِ سَلْخِه، وقَد يَنقَطِعُ قبلَ الفَراغِ، وقَد يُسَلَّمُ، ومِثلُ الجِلدِ اللَّحمُ، بَلْ هو أوْلَى مِنْ الجِلدِ.
وَكذلك تَكونُ الإجارةُ فاسِدةً إذا استَأجَرَه على طَحنِ الحِنطةِ بنُخالَتِها؛ لِلجَهلِ بقَدْرِها وبِصِفَتِها؛ فأشبَهَتِ الجُزافَ غيرَ المَرئيِّ، أمَّا لَوِ استَأجَرَه بكَيلٍ مَعلومٍ مِنْ النُّخالةِ بأنْ يَقولَ لِلطَّحَّانِ اطْحَنْه ولَكَ صاعٌ مِنْ النُّخالةِ، لَجازَ، كَما لَوِ استَأجَرَه بجِلدٍ مَسلوخٍ مَعلومٍ، على أنْ يَسلَخَ له شاةً.
وَكَذا لَو استَأجَرَه على نَسجِ ثَوبٍ بأنْ قالَ: انسِجْه ولَكَ نِصفُه، إذا فرَغتَ؛ فإجارةٌ فاسِدةٌ.
قالَ مالِكٌ رحمة الله عليه في «المُدوَّنةِ»: وإنْ آجَرتَه على دَبْغِ جُلودٍ أو عَملِها، أو نَسجِ ثَوبٍ على أنَّه له نَصفُها إذا فَرَغَ، لَم يَجُزْ.
(١) «المحيط البرهاني» (٨/ ٧٠، ٧٥)، و «المبسوط» (١٦/ ٣٥)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ١٩٢)، و «الاختيار» (٣/ ٧٢)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٢٩، ١٣٠)، و «العناية شرح الهداية» (١٢/ ٤٠٩، ٤١٢)، و «البحر الرائق» (٨/ ٣٦، ٣٧)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٧).
قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: لأنَّه لا يَدري كَيفَ تُخرَجُ، ولأنَّ مالِكًا قالَ: كلُّ ما يَجوزُ لَكَ أنْ تَبيعَه فلا بَأْسَ أنْ تَستَأجِرَ به، وما لا يَجوزُ لَكَ أنْ تَبيعَه، فلا يَجوزُ لَكَ أنْ تَستَأجِرَ به.
وَكذلك تَكونُ الإجارةُ فاسِدةً إذا قالَ لَه: انفُضْ زَيتُوني، فما سقطَ فلَكَ نِصفُه، أو رُبُعُه، وما أشبَهَ ذلك مِنْ الأجزاءِ، وعِلَّةُ الفَسادِ الغَرَرُ؛ لِلجَهلِ بقَدْرِ ما يَسقُطُ، فهو جَهلٌ في الكَمِّ. أمَّا لَو قالَ لَهُ: انفُضْ زَيتُوني كلَّه ولَكَ نِصفُه، مثلًا؛ فإنَّه جائِزٌ، وكذلك تَجوزُ الإجارةُ إذا قالَ لَهُ: القُطْ زَيتُوني وما لَقَطْتَ فلَك نِصفُه أو رُبُعُه؛ فإنَّه جائِزٌ.
وَكذلك تَجوزُ الإجارةُ إذا قالَ لَه: احصُدْ زَرْعي، وما حَصَدْتَ فلَكَ نِصفُه، فلَو قالَ لَه: احصُدْ زَرْعي وادرُسْه، ولَكَ نِصفُه، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه استَأجَرَه بنِصفِ ما يَخرُجُ مِنْ الحَبِّ، فهو لا يَدْري كم يَخرُجُ، ولا كَيفَ يَخرُجُ، ولأنَّكَ لَو بِعتَه زَرعًا جُزافًا قد يَبِسَ على أنَّ عَلَيكَ حَصادَه ودَرْسَه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه اشترَى حَبًّا جُزافًا لَم يُعايِنْ جُملَتَه، وكذلك لا تَجوزُ الإجارةُ إذا قالَ لَه: اعصِرْ زَيتُوني، وما عَصَرْتَ فلَكَ نِصفُه مثلًا، وعِلَّةُ الفَسادِ الجَهلُ بصِفةِ الخارِجِ؛ فهو جَهلٌ بالكَيفِ وبِالكَمِّ أيضًا.
فَإنْ أتَمَّ الأجيرُ عَملَه ذلك فلَه أجرُ مِثلِه، وليسَ له ما اتَّفقَ عليه، والثَّوبُ والجُلودُ لربِّها؛ ما لَم يَفُتْ بيدِ الصَّانِعِ، فإنْ فاتَ بيدِ الصَّانِعِ بعدَ الدَّبغِ أو النَّسجِ ببَيعٍ أو تَلَفٍ أو حَوالةِ سُوقٍ، لَزِمَ صاحِبَ الجِلدِ أو الغَزلِ أُجرةُ المِثلِ في دِباغِ جَميعِ الجِلدِ، ونَسجِ كلِّ الغَزلِ لِلصَّانِعِ، ويُغرَّمُ الصَّانِعُ لِصاحِبِ الثَّوبِ أو الجِلدِ قيمةُ النِّصفِ الذي جُعِلَ لَه؛ لِوُقوعِ البَيعِ فيه
فاسِدًا، وقَد فاتَ، فيُغرَّمُ قيمَتَه مَدبوغًا، والنِّصفُ الآخَرُ مِلْكٌ لربِّه، وهذا كلُّه إذا جعلَ له النِّصفَ بعدَ العَملِ، وأمَّا لَو جعلَ له النِّصفَ في الغَزلِ أو في الجِلدِ مِنْ وَقتِ العَقدِ؛ فإنْ شرطَ عليه أنْ يَدبُغَه أو يَنسِجَه مُجتَمِعًا فلا يَجوزُ أيضًا؛ لأنَّه حَجَرَ عليه ومَنَعَه مِنْ أخْذٍ ما جُعِلَ له إلَّا بعدَ الدَّبغِ أو النَّسجِ، فإنْ أفاتَها بالشُّروعِ في الدَّبغِ أو النَّسجِ فعلى الصَّانِعِ قيمةُ النِّصفِ يَومَ القَبضِ؛ لأنَّ البَيعَ فاسِدٌ، وقَد فاتَ، والنِّصفُ الآخَرُ لربِّه، وعليه أُجرةُ عَملِه فيه، وأمَّا إنْ جُعِلَ له النِّصفُ مِنْ وَقتِ العَقدِ يَفعَلُ به ما شاءَ، بلا حَجْرٍ عليه في دَبْغِه أو نَسْجِه فجائِزٌ، فالأقسامُ ثَلاثةٌ.
وأمَّا إنْ قالَ: لَكَ نِصفُ الغَزلِ على أنْ تَنسِجَ لي نِصفَه، فيَجوزُ (١).
وقالَ الشَّافعيَّةُ: ولا يَصحُّ إجارةُ دابَّةٍ شَهرًا مثلًا بنَحوِ العَلَفِ، كَرياضَتِها، لِلجَهالةِ، ولا يَصحُّ أيضًا استِئجارُ سَلَّاخٍ لِيَسلَخَ الشَّاةَ بالجِلدِ الذي عليها، ولا طَحَّانٍ على أنْ يَطحَنَ البُرَّ مثلًا ببَعضِ الدَّقيقِ مِنه، كَرُبُعِه، أو بالنُّخالةِ مِنه؛ لِلجَهلِ بثَخانةِ الجِلدِ، وبِقَدرِ الدَّقيقِ والنُّخالةِ، ولِعَدَمِ القُدرةِ على الأُجرةِ حالَّةً، فضابِطُ ما يُبطِلُ أنْ تُجعَلَ الأُجرةُ شَيئًا يَحصُلُ بعَملِ الأجيرِ (٢).
(١) «المدونة الكبرى» (١١/ ٤٠٩)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٣٣٩، ٣٤١)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٣٨٩، ٣٩٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٦٢، ٤٦٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٥، ٦)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٥٢، ٥٥٣)، و «حاشية الصاوي مع الشرح الصغير» (٨/ ٤٨٦، ٤٨٨)
(٢) «المهذب» (١/ ٣٩٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦، ٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٢٤)، و «الديباج» (٢/ ٤٥٨)، و «حاشية قليوبي وعميرة على كنز الراغبين» (٣/ ١٦٧).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ استِئجارُ دَابَّةٍ بعَلَفِها فقَطْ، أو مع نَحوِ دَراهِمَ مَعلومةٍ؛ لأنَّه مَجهولٌ، ولا عُرفَ له يُرجَعُ إلَيه، فإنْ وَصَفَه مِنْ مُعيَّنٍ، كَشَعيرٍ، وقدَّرَه بمَعلومٍ، جازَ، ولا يَصحُّ استِئجَارُ رَجُلٍ لِيَسلَخَ له بَهيمةً بجِلدِها؛ لأنَّه لا يُعلَمُ هَلْ يَخرُجُ الجِلدُ سَليمًا أو لا، وهَل هو ثَخينٌ أو رَقيقٌ، ولأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَكونَ ثَمنًا في البَيعِ؛ فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ عِوَضًا في الإجارةِ كَسائِرِ المَجهولاتِ؛ فإنْ سَلَخَه بذلك فلَه أجْرُ مِثلِه، وإنِ استَأجَرَه لِطَرحِ مَيْتةٍ بجِلدِها فهو أبلَغُ في الفَسادِ؛ لأنَّ جِلدَ المَيْتةِ نَجِسٌ، لا يَجوزُ بَيعُه، وقَد خَرجَ بمَوتِه عن كَونِه مِلْكًا، وإنْ فعلَ فلَه أجْرُ مِثلِه أيضًا.
وَلا يَصحُّ استِئجارُه على طَحنِ كُرٍّ بقَفيزٍ مِنه، أيِ: المَطحونِ؛ لِحَديثِ الدَّارَقُطْنِيِّ مَرفوعًا: أنَّه ﷺ نَهَى عن عَسْبِ الفَحلِ وعَن قَفيزِ الطَّحَّانِ، ولأنَّه جعلَ له بَعضَ مَعمولِه أجرًا لِعَملِه؛ فيَصيرُ الطَّحنُ مُستَحقًّا له وعليه، ولأنَّ البقيَّةَ بعدَ القَفيزِ وهو مَطحونٌ لا يَدري كم هي، فتَكونُ المَنفَعةُ مَجهولةً، ولَوِ استَأجَرَه بجُزءٍ مَشاعٍ منه كَسُدُسِه، يَصحُّ.
وَلَوِ استَأجَرَ راعيًا لِغَنَمٍ بثُلُثِ دَرِّها ونَسْلِها وصُوفِها وشَعرِها، أو نِصفِه أو جَميعِه لَم يَجُزْ، لأنَّ الأجرَ غيرُ مَعلومٍ، ولا يَصلُحُ عِوَضًا في البَيعِ، وقالَ إسماعيلُ بنُ سَعيدٍ: سَألتُ أحمدَ عن الرجُلِ يَدفَعُ البَقَرةَ إلى الرجُلِ على أنْ يَعلِفَها ويَتحَفَّظَها وما وَلَدَتْ مِنْ وَلَدٍ بَينَهما، فقالَ: أكرَهُ ذلك، وبِه قالَ أبو أيُّوبَ، وأبو خَيثَمةَ، قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا، وذلك لأنَّ
العِوَضَ مَجهولٌ مَعدومٌ، ولا يَدري أيُوجَدُ أم لا، والأصْلُ عَدَمُه، ولا يَصلُحُ أنْ يَكونَ ثَمنًا، فإنْ قيلَ: فقَد جَوَّزتُم دَفعَ الدَّابَّةِ إلى مَنْ يَعمَلُ عليها بنِصفِ رِبحِها قُلْنا: إنَّما جازَ ثَم؛ تَشبيهًا بالمُضارَبةِ؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ؛ فجازَ اشتِراطُ جُزءٍ مِنْ النَّماءِ والمُساقاةِ؛ كالمُضارَبةِ، وفي مَسألَتِنا لا يُمكِنُ ذلك؛ لأنَّ النَّماءَ الحاصِلَ في الغَنَمِ لا يَقِفُ حُصولُه على عَملِه فيها، فلَم يُمكِنْ إلحاقُه بذلك، وإنِ استَأجَرَه على رِعايَتها مدَّةً مَعلومةً بنِصفِها أو جُزءٍ مَعلومٍ مِنها، صَحَّ؛ لأنَّ العَملَ والأجْرَ والمدَّةَ مَعلومةٌ، فصَحَّ، كَما جُعِلَ الأجْرُ دَراهِمَ، ويَكونُ النَّماءُ الحاصِلُ بَينَهما بحُكمِ المِلْكِ؛ لأنَّه ملكَ الجُزءَ المَجعولَ له مِنها في الحالِ، فيَكونُ له نَماؤُه، كَما لَوِ اشتَراهُ (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: والجُملةُ في ذلك لِمَنْ أرادَ الجَوازَ أنْ يَشتَرِطَ صاحِبُ الحِنطةِ قَفيزًا مِنْ الدَّقيقِ الجَيِّدِ؛ لأنَّ الدَّقيقَ إذا لَم يكُنْ مُضافًا إلى حِنطةٍ بعَينِها يَجِبُ في الذِّمةِ، والأجْرُ كَما يَجوزُ أنْ يَكونَ عَينًا مُشارًا إلَيه، يَجوزُ أنْ يَكونَ فيها في الذِّمةِ، ثم إذا جازَ يَجوزُ أنْ يُعطِيَه رُبُعُ دَقيقِ هذه الحِنطةِ إنْ شاءَ، وإنَّما شُرِطَ أنْ يُقالَ: رُبُعُ هذه الحِنطةِ مِنْ الدَّقيقِ الجَيِّدِ؛ لِيَكونَ الأجْرُ مَعلومَ القَدْرِ.
وَلَو استَأجَرَ حانوتًا بنِصفِ ما يَربَحُ فيه فالإجارةُ فاسِدةٌ، وكانَ على المُستَأجِرِ أجْرُ مِثلِ الحانوتِ، وإنَّما فَسَدَتِ الإجارةُ إمَّا لأنَّ ما يُربَحُ
(١) «المغني» (٥/ ٢٥٥، ٢٥٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٤٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١٠، ١٥)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٥٩٥).
مَجهولٌ؛ وأمَّا لأنَّه جعلَ الأجْرَ بَعضَ ما يَحدُثُ مِنْ عَملِه، فيَكونُ في مَعنَى قَفيزِ الطَّحَّانِ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: والحِيلةُ في جَوازِ قَفيزِ الطَّحَّانِ أنْ يُمَلِّكَه جُزءًا مِنْ الحَبِّ أوِ الزَّيتونِ، إمَّا أنْ يُمَلِّكَه رُبُعَه وإمَّا ثُلُثَه وإمَّا نِصفَه، فيَصيرَ شَريكَه فيه، ثم يَطحَنَه أو يَعصِرَه، فيَكونَ بَينَهما على حَسَبِ مِلْكَيْهِما فيهِ؛ فإنْ خافَ أنْ يُمَلِّكَه ذلك فلْيُملِّكْه عليه، ولا يُحدِثْ فيه عَملًا؛ فالحِيلةُ أنْ يَبيعَه إيَّاه بثَمنٍ في ذِمَّتِه؛ فيَصيرَ شَريكَه فيه، فإذا عَمِلَ فيه سَلَّمَ إليه حِصَّتَه، أو أبرَأَه مِنْ الثَّمنِ، فإنْ خافَ الأجيرُ أنْ يُطالِبَه بالثَّمنِ ويَتسلَّمَ الجَميعَ ولا يُعطيَه أُجرَتَه، فالحِيلةُ في أمْنِه مِنْ ذلك أنْ يُشهِدَ عليه أنَّ الأصْلَ مُشترَكٌ بَينَهما قبلَ العَملِ، فإذا أحدَثَ فيه العَملَ فهو على الشَّرِكةِ.
وَهَكَذا الحِيلةُ في جَميعِ هذا البابِ، وهي حيلةٌ جائِزةٌ؛ فإنَّها لا تَتضمَّنُ إسقاطَ حَقٍّ، ولا تَحريمَ حَلالٍ، ولا تَحليلَ حَرامٍ (٢).
وَذَهَبَ بَعضُ المالِكيَّةِ كابنِ رُشدٍ الحَفيدِ رحمة الله عليه، ونقلَه عن المَذهبِ وبَعضُ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ، وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ، إلى أنَّه يَجوزُ أنْ تُجعَلَ الأُجرةُ جُزءًا مِنْ المَعقودِ عليه إذا كانَتْ جُزءًا مَشاعًا مَعلومًا عندَ الحَنابِلةِ، وعليه المَذهَبُ، وضَعَّفَ ابنُ تَيميَّةَ وغَيرُه الحَديثَ الوارِدَ فيها.
(١) «المحيط البرهاني» (٨/ ٧٠، ٧٥)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٧).
(٢) «إعلام الموقعين» (٤/ ٢١).
قالَ ابنُ رُشْدٍ رحمة الله عليه: لَوِ استَأجَرَ السَّلاخَ بالجِلدِ، والطَّحَّانَ بالنُّخالةِ، أو بِصاعٍ مِنْ الدَّقيقِ … هذا على مَذهبِ مالِكٍ جائِزٌ؛ لأنَّه استَأجَرَه على جُزءٍ مِنْ الطَّعامِ مَعلومٍ، وأُجرةُ الطَّحَّانِ ذلك الجُزءُ، وهو مَعلومٌ أيضًا (١).
هَذا ما نقلَه ابنُ رُشدٍ على مَذهبِ مالِكٍ، والمَشهورُ خِلافُه، كَما تَقدَّمَ، إلَّا أنْ يُحمَلَ كَلامُه على ما لَوِ استَأجَرَه بكَيلٍ مَعلومٍ مِنْ النُّخالةِ، بأنْ يَقولَ لِلطَّحَّانِ: اطحَنْه ولَكَ صاعٌ مِنْ النُّخالةِ لَجازَ، كَما لَوِ استَأجَرَه بجِلدٍ مَسلوخٍ مَعلومٍ على أنْ يَسلَخَ له شاةً، كَما سَبَقَ مِنْ قَولِ المالِكيَّةِ، وهو أيضًا مَذهَبُ الحَنابِلةِ، كَما سَبَقَ، وكَمَا سَيأتي.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وأمَّا الذين قالوا: لا يَجوزُ ذلك إجارةً؛ لِنَهيِه ﷺ عن قَفيزِ الطَّحَّانِ؛ فيُقالُ: هذا الحَديثُ باطِلٌ لا أصْلَ لَه، وليسَ هو في شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الحَديثِ المُعتَمَدةِ، ولا رَواهُ إمامٌ مِنْ الأئِمَّةِ، والمَدينةُ النَّبَويةُ لَم يكُنْ بها طَحَّانٌ يَطحَنُ بالأُجرةِ، ولا خَبَّازٌ يَخبِزُ بالأُجرةِ.
وَأيضًا فأهلُ المَدينةِ لَم يكُنْ لَهم على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ مِكيالٌ يُسَمَّى القَفيزَ؛ وإنَّما حَدَثَ هذا المِكيالُ لَمَّا فُتِحَتِ العِراقُ، وضُرِبَ عليها الخَراجُ؛ فالعِراقُ لَم تُفتَحْ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ، وهذا وغَيرُه ما يُبَين أنَّ هذا لَيسَ مِنْ كَلامِ النَّبيِّ ﷺ، وإنَّما هو مِنْ كَلامِ بَعضِ العِراقِيِّينَ الذين لا يُسَوِّغونَ مثلَ هَذا، قَولًا باجتِهادِهم، والحَديثُ لَيسَ فيه
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٦٩).
نَهْيُه عن اشتِراطِ جُزءٍ مَشاعٍ مِنْ الدَّقيقِ، بلْ عن شَيءٍ مُسمًّى، وهو القَفيزُ، وهو مِنْ المُزارَعةِ (١).
وَأجازَه الحَنابِلةُ إذا كانَ بجُزءٍ مَشاعٍ مِنه؛ كَنِصفِه، أو سُدُسِه، أمَّا غيرُ هذا فلا يَصحُّ، وقَد ذَكَرتُه مُفصَّلًا في المُضارَبةِ، وإلَيكَ نَصُّه.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ دفعَ ثَوبَه إلى خيَّاطٍ لِيُفَصِّلَه قُمصانًا يَبيعُها ولَه نِصفُ رِبحِها بحَقِّ عَملِه، جازَ، نَصَّ عليه في رِوايةِ حَرْبٍ.
وإنْ دفعَ غَزلًا إلى رَجُلٍ يَنسِجُه ثَوبًا بثُلُثِ ثَمنِه، أو رُبُعِه، جازَ، نَصَّ عليه، ولَم يُجِزْ مالِكٌ، وأبو حَنيفَةَ، والشافِعيُّ شَيئًا مِنْ ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ مَحمولٌ مَجهولٌ، وعَملٌ مَجهولٌ، وقَد ذَكَرْنا وَجْهَ جَوازِه، وإنْ جعلَ له مع ذلك دَراهِمَ مَعلومةً لَم يَجُزْ، نَصَّ عليه، وعَنه الجَوازُ، والصَّحيحُ الأولُ، وقالَ أبو بَكرٍ: هذا قَولٌ قَديمٌ، وما رُوِيَ غيرُ هَذا؛ فعليه المُعتَمَدُ، قالَ الأثرَمُ: سَمِعتُ أبا عَبدِ اللَّهِ يَقولُ: لا بَأْسَ بالثَّوبِ يُدفَعُ بالثُّلُثِ والرُّبُعِ.
وَسُئِلَ عن الرجُلِ يُعطي الثَّوبَ بالثُّلُثِ ودِرهَمٍ ودِرهَمَيْنِ، قالَ: أكرَهُه؛ لأنَّ هذا شَيءٌ لا يُعرَفُ، والثُّلُثُ إذا لَم يكُنْ معه شَيءٌ نَراه جائِزًا؛ لِحَديثِ جابِرٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطَى خَيبَرَ على الشَّطرِ. قيلَ لِأبي عَبدِ اللَّهِ: فإنْ كانَ النَّسَّاجُ لا يَرضَى حتى يُزادَ على الثُّلُثِ دِرهَمًا، قالَ فليَجعَلْ له ثُلُثًا، وعُشْرَيْ ثُلُثٍ، ونِصفَ عُشْرٍ، وما أشبَهَه، ورَوَى الأثرَمُ عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعيِّ، والزَّهريِّ، وأيُّوبَ، ويَعلَى بنِ حَكيمٍ؛ أنَّهم أجازُوا ذلك، وقالَ ابنُ المُنذِرِ: كَرِه هذا كلَّه الحَسَنُ، وقالَ أبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ: هذا
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١١٣).
كلُّه فاسِدٌ، واختارَه ابنُ المُنذِرِ وابنُ عَقيلٍ، وقالوا: لَو دفعَ شَبَكةً إلى الصَّيَّادِ لِيَصيدَ بها السَّمَكَ بَينَهما نِصفَيْنِ فالصَّيدُ كلُّه لِلصَّيَّادِ، ولِصاحِبِ الشَّبَكةِ أجْرُ مِثلِها، وقِياسُ ما نُقِلَ عن أحمدَ صِحَّةُ الشَّرِكةِ وما رُزِقَ بَينَهما على ما شَرَطاه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ فيها؛ فصَحَّ دَفعُها ببَعضِ نَمائِها، كالأرضِ (١).
وَيَصحُّ حَصادُ زَرعٍ، ورَضاعُ قِنٍّ، واستِيفاءُ مالٍ، ونَحوُهُ؛ كَبِنَاءِ دارٍ، وطاحونٍ، ونَجْرِ بابٍ، وطَحْنِ نَحوِ بُرٍّ بجُزءٍ مَشاعٍ مِنه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَملِ عليها؛ فصَحَّ العَقدُ عليها ببَعضِ نَمائِها؛ كالشَّجرِ في المُساقاةِ، والأرضِ في المُزارَعةِ، ولا يَصحُّ تَخريجُها على المُضارَبةِ بالعُروضِ؛ لأنَّها إنَّما تَكونُ بالتِّجارةِ والتَصرُّفِ في رَقَبةِ المالِ، وهذا بخِلافِه، ولا يُعارِضُه حَديثُ الدَّارَقُطنِيِّ أنَّه ﷺ نَهَى عن عَسْبِ الفَحلِ وعَن قَفيزِ الطَّحَّانِ، لِحَملِه على قَفيزٍ مِنْ المَطحونِ؛ فلا يَدري البقيَّةَ بَعدَه؛ فتَكونُ المَنفَعةُ مَجهولةً، ويَكونُ المِقدارُ هُنا جُزءًا مَشاعًا، بخِلافِ ما لو قدَّرَ له قَفيزًا؛ فإنَّه لا يَدري البقيَّةَ بعدَ القَفيزِ كم هي، فتَكونُ المَنفَعةُ مَجهولةً.
وإنْ جعلَ له مع الجُزءِ المَشاعِ دِرهَمًا فأكثَرَ لَم يَصحَّ نَصًّا، ويَصحُّ بَيعًا ونَحوَهُ؛ كَإيجارٍ لِمَتاعٍ وغَزوٍ بدَابَّةٍ، وبِجُزءٍ مِنْ رِبحِه، أي: المَتاعِ، أو بجُزءٍ مِنْ سَهمِها، أي: الدَّابَّةِ، نَصَّ عليه فيمَن أعطَى فَرَسَه على النِّصفِ مِنْ الغَنيمةِ، بخِلافِ ما لَو قالَ: بِعْ عَبدي أو أجِّرْهُ، والثَّمنُ أو الأُجرةُ بَينَنا؛ فلا يَصحُّ، والثَّمنُ أو الأُجرةُ لربِّه، ولِلآخَرِ أُجرةُ مِثلِه (٢).
(١) «المغني» (٥/ ٧، ٨).
(٢) «الفروع» (٤/ ٢٩٨)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٥٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦١٥، ٦١٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٨٩، ٥٩٠)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٥٤٣)، و «منار السبيل» (٢/ ١٩٧، ١٩٨).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الحمام]
فَصْل) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ
ــ
منح الجليل
فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْك فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ اهـ.
وَظَاهِرُهَا صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْعَمَلِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَمَلَ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَاللَّخْمِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا أَمْكَنَ إتْمَامُ الْعَمَلِ فِي الزَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ الْكِرَاءِ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالزَّمَنِ إذَا زَادَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ سَاوَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) إنْ اكْتَرَى ثَوْرًا مَثَلًا لِطَحْنِ إرْدَبَّيْنِ فِي يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَ (زَادَ) مَا يَطْحَنُهُ فِيهِ عَلَى إرْدَبَّيْنِ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ (أَوْ نَقَصَ) مَا يَطْحَنُهُ عَنْهُمَا وَتَنَازَعَ زَادَ وَنَقَصَ (مَا) أَيْ قَدْرًا (يُشْبِهُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (الْكَيْلَ) أَيْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهِ فِيهِ تَارَةً وَنَقْصِهِ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى (فَلَا) شَيْءَ (لَك) يَا مُكْرِي فِي الزِّيَادَةِ (وَلَا) شَيْءَ (عَلَيْك) يَا مُكْتَرِي فِي النَّقْصِ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا حَمَلَ لَك رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ أَوْ نَقْصِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لَك مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ، وَبِهَذَا قَرَّرَ الشَّارِحَانِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْرِيرَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْل كِرَاءُ الْحَمَّامِ
ارجع إلى أركان الإجارة للاطلاع على جميع المسائل.