الركن الرابع: الجعل وهو المعقود به

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > الركن الرابع: الجعل وهو المعقود به

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

الركن الرابع: الجعل وهو المعقود به - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الرَّابِعُ: الجُعلُ، وهو المَعقودُ بهِ:

يُشترَطُ في الجُعلِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ بعضُ شُروطٍ:

الشَّرطُ الأوَّلُ: أنْ يَكونَ مَعلومًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في العِوَضِ في الجَعالةِ، هَلْ يُشترَطُ أنْ يَكونَ مَعلومًا أو يَصحُّ مَجهولًا؟

فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترَطُ في الجُعلِ أنْ يَكونَ مَعلومًا، فلا يَصحُّ مَجهولًا، كالإجارةِ وغيرِها مِنْ العُقودِ؛ لأنَّ الجَعالةَ كالإجارةِ والجُعلَ كالأُجرةِ، وحِمْلُ البَعيرِ في الآيةِ مَعلومٌ عندَهم، والقِياسُ على العَملِ لا يَصحُّ، والفَرقُ بينَ العَملِ والعِوَضِ مِنْ وَجهَيْنِ:

أحَدُهما: أنَّ الحاجةَ تَدْعو إلى كَونِ العَملِ مَجهولًا، بألَّا يَعلَمَ مَوضِعَ الضَّالَّةِ والآبِقِ، ولا حاجةَ إلى جَهالةِ العِوَضِ.

والآخَرُ: أنَّ العَملَ لا يَصيرُ لَازِمًا، فلَمْ يَجِبْ كَونُه مَعلومًا، والعِوَضُ يَصيرُ لَازِمًا بإتمامِ العَملِ، فوجَب كَونُه مَعلومًا.

وذهَب الحَنابِلةُ في احتِمالٍ -كما تَقدَّم- كما يَقولُ ابنُ قُدامةَ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ العِوَضُ مَجهولًا، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُحتمَلُ أنْ تَجوزَ الجَعالةُ مَع جَهالةِ العِوَضِ، إذا كانَتِ الجَهالةُ لا تَمنَعُ التَّسليمَ، نحوَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَدَّ عَبدِي الآبِقَ فله نِصفُه، ومَن رَدَّ ضالَّتي فله ثُلُثُها، فإنَّ أحمدَ

قالَ: إذا قالَ الأميرُ في الغَزوِ: مَنْ جاءَ بعَشَرةِ رُؤُوسٍ فله رَأْسٌ، جازَ، وقالوا: إذا جعَل جُعلًا لمَن يَدُلُّه على قَلعَةٍ أو طَريقٍ سَهلٍ، وكانَ الجُعلُ مِنْ مالِ الكُفَّارِ، جازَ أنْ يَكونَ مَجهولًا، كَجاريةٍ يُعيِّنُها العامِلُ، فتُخَرَّج ههُنا مثلَه، فأمَّا إنْ كانَتِ الجَهالةُ تَمنَعُ التَّسليمَ، لَم تَصِحَّ الجَعالةُ وَجهًا واحِدًا (١)، وهو أيضًا قَولٌ لِلشَّافِعيةِ، حَكاه عُمَيرةُ في حاشِيَتِه (٢).

قالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ في الجُعلِ أنْ يَكونَ مَعلومًا، فلا يَصحُّ بالمَجهولِ؛ لأنَّ الجَعالةَ كالإجارةِ، والجُعلَ كالأُجرةِ.

قالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قُلتُ: فرَجُلٌ قالَ لِرَجُلٍ: صِحْ على هذه السِّلعةِ، فإنْ بِعتَها بعَشَرةِ دَنانيرَ، فلكَ مِنْ كلِّ دِينارٍ سُدُسُه. قالَ: هذا حَلالٌ، لا بَأْسَ بهِ؛ لأنَّه قالَ له: إنْ بِعتَ هذه السِّلعةَ بعَشَرةِ دَنانيرَ فلكَ دِينارٌ وثُلُثانِ. قُلتُ: فإنْ باعَها بأكثَرَ مِنْ عَشَرةٍ؟ قالَ: فليسَ له إلَّا الدِّينارُ والثُّلُثانِ، الجُعلُ الذي جُعِلَ له أوَّلًا، وإنْ باعَها بعِشرينَ. قُلتُ: أفَيَجُوزُ له أنْ يَقولَ: بِعْ وصِحْ على هذه السِّلعةِ، فما بِعتَها به مِنْ دِينارٍ، فلكَ مِنْ كلِّ دِينارٍ سُدُسُه، ولَم يُوَقِّتْ له ثَمَنًا؟ قالَ: هذا حَرامٌ لا خَيرَ فيه.

قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: هذا بيِّن على ما قالَ؛ لأنَّ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الجُعلِ أنْ يَكونَ الجُعلُ مَعلومًا؛ فإذا كانَ الجُعلُ ثابِتًا لا يَزيدُ بزِيادةِ الثَّمَنِ، ولا

(١) «المغني» (٦/ ٢٠).
(٢) «حاشية عميرة على كنز الراغبين» (٣/ ٣٢٢) قال: وهي كالإجارة إلا في أمورٍ: … وسادس: وهو جهل العوض.

يَنقُصُ بنُقصانِه جازَ، وإنْ كانَ يَزيدُ بزِيادَتِه ويَنقُصُ بنُقصانِه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه مَجهولٌ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ (١).

وقالَ ابنُ عَرفةَ رحمة الله عليه: ومَن قالَ: مَنْ جاءَني بعَبدي الآبِقِ فله نِصفُه، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَدْري ما دَخْلُه، فإنْ جاءَ به فله أجْرُ مِثلِه، وإلَّا فلا شَيءَ له.

قالَ عَبدُ الحَقِّ رحمة الله عليه: إنْ قدِم به فهَلكَ بيَدِه فله قِيمةُ عَنائِه في طَلَبِه، ونِصفُ قِيمةِ عَنائِه في رُجوعِه لو ثَبَتَ هَلاكُه، ولِرَبِّه عليه قِيمةُ نِصفِ عَبدِه يَومَ قَبضِه، وهو جُعلٌ فاسِدٌ على سَمعِ ابنِ القاسِمِ، مَنْ جاعَلَ في آبِقٍ له فقالَ: إنْ وَجَدتَه فلكَ كذا وكذا، وإنْ لَم تَجِدْه فلكَ نَفقَتُكَ وطَعامُكَ وكِسوَتُكَ، لا خَيرَ فيه.

قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: إنْ وقَع فله جُعلُ مِثلِه إنْ وجَده، وإنْ لَم يَجِدْه فله أجْرُ مِثلِه.

ورَوى أصبَغُ عن ابنِ القاسِمِ: لا أجْرَ له.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه في رَدِّ فاسِدِ الجُعلِ لِحُكمِ نَفْسِه: إنْ أتَى به فله جُعلُ مِثلِه، وإلَّا فلا شَيءَ له، أوِ الحُكمُ الإجارةُ، له أجْرُ مِثلِه، وإنْ لَم يَأتِ به، ثالِثُها: هذا إنِ التُزِمَ له عِوَضٌ، وإنْ لَم يَأتِ به كَهذه المَسألةِ، وإلَّا فالأوَّلُ وَجهُ الأوَل، بِناءً على جَعلِ دَليلِ الجُعلِ أصلًا في نَفْسِه، والثَّاني على جَعلِه إيَّاه نَوعًا مِنْ الإجارةِ، إجارةً ذاتَ غَرَرٍ بشُروطٍ، والثَّالثُ على أنَّ لُزومَ

(١) «البيان والتحصيل» (٨/ ٤٦٤).

العِوَضِ في حالَتَيْه قَوَّى شَبَهَهُ بالإجارةِ، وهذا أظهَرُها، واختارَه ابنُ حَبيبٍ، وحَكاه عن مالِكِ والأخَوَيْنِ.

والأقوالُ الثَّلاثةُ راجِعةٌ لِأصْلٍ، وجاريةٌ على قِياسٍ، وقَولُ ابنِ القاسِمِ في هذا السَّماعِ: له جُعلُ مِثلِه إنْ وجَده، وأجْرُ مِثلِه إنْ لَم يَجِدْه لا يَرجِعُ لِأصلٍ، ولا يَجري على قِياسٍ، وكذا قَوله في المُدوَّنةِ: في إنْ جِئتَ بعَبدِي الآبِقِ فلكَ نِصفُه، له أجْرُ مِثلِه إنْ أتَى به، وإنْ لَم يَأتِ به فلا جُعلَ له، ولا إجارةَ، ولا حَظَّ له في نَظَرٍ ولا قِياسٍ.

قالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ رحمة الله عليه: معنَى قَوله فيها: إنْ جاءَ به فله أجْرُ مِثلِه أنَّه إنْ أتَى به، وإنْ لَم يَأتِ به فلا جُعلَ، ولا إجارةَ، عندَ المُحقِّقينَ له جُعلُ مِثلِه؛ لأنَّ أجْرَ المِثلِ يَجِبُ، ولو لَم يَظهَرْ لِعَملِه فائِدةٌ، وجُعلُ مِثلِه لا يَجِبُ حتى يَظهَرَ له فائِدةٌ، وهي الإتيانُ بالآبِقِ، ولمَّا علَّق وُجوبَ العِوَضِ مِنه على إتيانِه به دَلَّ على أنَّه أطلَقَ لَفظَ الأجْرِ على الجُعلِ مَجازًا.

قُلتُ: ما عَزاه لِلمُحقِّقِينَ هو ما تَقدَّم لِعَبدِ الحَقِّ، وهو خِلافُ ما تَقدَّم لِابنِ رُشدٍ، ودَليلُ ابنِ رُشدٍ قَولُه في «المُدوَّنةِ»: لا جُعلَ له، ولا إجارةَ، فعَطفُه الإجارةَ على الجُعلِ ظاهِرٌ في عَدمِ إرادَتِه بالإجارةِ الجُعلَ.

قالَ اللَّخميُّ رحمة الله عليه في «المُوازيةِ»: مَنْ جعَل في آبِقٍ أو في اقتِضاءِ دَيْنٍ جُعلًا، فإنْ لَم يَجِدْه، أو لَم يَقبِضِ الدَّيْنَ فله نَفقَتُه، فَسَدَ، وإنْ وجَده أو اقتَضاه فله جُعلُ مِثلِه، وإلَّا فلا شَيءَ له.

وقالَ في «العُتبِيَّةِ»: إنْ لَم يَجِدْه فله أجْرُ مِثلِه، فرَدَّه لِلإجارةِ الفاسِدةِ لمَّا

جعَل له جُعلًا ثانيًا على كلِّ حالٍ، ورَدَّه في القَولِ الآخَرِ إلى الجُعلِ الفاسِدِ، وأنْ لا شَيءَ له إنْ لَم يَجِدْهُ؛ يُريدُ: إنْ كانَتِ النَّفَقةُ يَسيرةً في قَدْرِ الجُعلِ.

وقالَ ابنُ زَرْقونٍ رحمة الله عليه: في الحُكمِ له بحُكمِ الجُعلِ أو الإجارةِ مُطلَقًا: ثالِثُها: إنْ جاءَ به فالأوَّلُ، وإلَّا فالثَّاني، وَرابِعُها: عَكسُه لِرِوايةِ الواضِحةِ والأخَوَيْنِ وابنِ القاسِمِ ولها.

قُلتُ: وخامِسُها: ثالِثُ نَقلِ ابنِ رُشدٍ.

وَسادِسُها: إنْ كانَ ما التَزَمَ على إنْ لَم يَأتِ به يَسيرًا فالأوَّلُ، وإلَّا فالثَّاني لِتَفسيرِ اللَّخميِّ ما تَقدَّم.

وَسُمِعَ عيسَى بنُ القاسِمِ في جُعلِ الرَّجلِ على آبِقَيْنِ له عَشَرةُ دَنانيرَ: لا أُحِبُّه حتى يَجعَلَ في كلِّ واحِدٍ جُعلًا مَعروفًا، فإنْ نَزَلَ الأوَّلُ وأتَى بأحَدِهِما فله مِنْ الجُعلِ بقَدْرِ قِيمةِ الذي أتَى به مِنْ مَجموعِ قِيمتَيْهما.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: هذا خِلافُ قَولِ ابنِ القاسِمِ فيها، له قِيمةُ عَملِه على قَدْرِ عَنائِه، وطَلَبِه.

وَقَولُ ابنِ نافِعٍ رحمة الله عليه فيها: له نِصفُ العَشَرةِ.

قالَ: والجُعلُ عليهما لا يَخلو مِنْ أربَعةِ أوْجُهٍ، فإنْ جعَل فيهِما جُعلًا واحِدًا، على أنْ لا شَيءَ له إلَّا أنْ يَأتيَ بهِما معًا، فَسَدَ اتِّفاقًا.

وفيهِ: إنْ وقَع ما تَقدَّم في الفاسِدِ، فإنْ كانَ على إنْ أتَى بأحَدِهِما فله نِصفُ الجُعلِ، أو على إنْ أتَى بفُلانٍ مِنهُما فله مِنه كذا، وإنْ أتَى بالآخَرِ فله مِنه كذا، جائِزٌ.

قُلتُ: زادَ التُّونِسيُّ رحمة الله عليه: إنْ عيَّن لكُلٍّ مِنهُما بعَينِه قَدْرًا مِنْ الجُعلِ مُتَفاوِتًا جازَ، إنْ عرَفَهُما المَجعولُ له، فإنْ جَهِلهُما ففي جَوازِه قَولانِ، الأظهَرُ الثَّاني.

قالَ اللَّخميُّ رحمة الله عليه: إنِ اختَلفَ الجُعلُ فيهِما فأجازَه في المُوازيةِ، ولو جَهِلَهُما، ومَنْعُه أحرَى، وهو أشبَهُ، ولو استَوَى واختَلفَ قِيمَتُهما فأجازَه في المُوازيةِ، ومَنعَه في غيرِها.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: فيمَن أتَى به مِنهُما ما يَقَعُ له مِنْ الجُعلِ بقَدْرِ قِيمَتِه مِنْ قِيمةِ صاحِبِه فأوجَبَ له في الذي أتى به منهُما ما يَقَعُ له مِنْ الجُعلِ، على ما ظهَر إليه مِنْ قَصدِهِما على أحَدِ قولَيْه في إجازةِ جَمْعِ الرَّجلَيْنِ سِلعتَيْهِما في البَيعِ (١).

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الجَعالةِ كَونُ الجُعلِ مالًا مَعلومًا جِنسًا وصِفةً وقَدْرًا، كالثَّمَنِ؛ لأنَّه عِوَضٌ، كالأُجرةِ والمَهرِ، ولأنَّه عَقدٌ جُوِّزَ لِلحاجةِ، ولا حاجةَ؛ لِجَهالةِ العِوَضِ، بخِلافِ العَملِ والعامِلِ.

فَلَو كانَ مَجهولًا، كَأنْ قالَ: مَنْ رَدَّ عَبدي مثلًا فله ثَوبٌ أو سأُرضيه، أو نحوَه، أو كانَ الجُعلُ خَمرًا أو مَغصوبًا، فَسَدَ العَقدُ؛ لِجَهلِ الجُعلِ، أو نَجاسةِ عَيْنِه، أو عَدمِ القُدرةِ على تَسليمِه، ولِلرَّادِّ أُجرةُ مِثلِه، كالإجارةِ الفاسِدةِ.

(١) «المختصر الفقهي» (١٢/ ٣٧٥، ٣٧٨)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٤٢٩، ٤٣٠)، و «المعونة» (٢/ ١١٩)، و «المنتقى» (٥/ ١١١)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦١٦، ٦١٧)، و «الشرح الصغير» (٩/ ١٠٣، ١٠٥).

واستُثنِيَ مِنْ هُنا صُورَتانِ:

الأُولَى: ما إذا قالَ: حُجَّ عَنِّي وأُعطيكَ نَفقَتَك، فإنَّه يَجوزُ مَع جَهالَتِها، كما جَزَمَ به الرَّافِعيُّ في الشَّرحِ الصَّغيرِ، والمُصنِّفُ في الرَّوضةِ، وقيلَ: إنَّ هذه أرزاقٌ، لا جَعالةٌ، وإنَّما يَكونُ جَعالةً إذا جعَله عِوَضًا، فقالَ: حُجَّ عَنِّي بنَفقَتِك، وقَد صرَّح الماوَرديُّ في هذه الصُّورةِ بأنَّها جَعالةٌ فاسِدةٌ، ونَصَّ عليه في الأُمِّ.

الثَّانيةُ: ما إذا جعَل الإمامُ لمَن دَلَّه على قَلعةِ الكُفَّارِ جُعلًا؛ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ مَجهولًا؛ لِلحاجةِ إليه.

ولو وُصِفَ الجُعلُ بما يُفيدُ العِلمَ، استَحقَّه العامِلُ.

ولو قالَ: مَنْ رَدَّ رَقيقي مثلًا فله ثِيابُه، أو رُبُعُه، استَحقَّ المَشروطَ إنْ علِمه، وإلَّا استَحقَّ أُجرةَ المِثلِ.

وَهَل يَكفي الوَصفُ في الرَّقيقِ أو لا لِتَفاوُتِ الأغراضِ؟ فيه خِلافٌ، والذي يَنبَغي أنَّه -إنْ وَصَفَه بمَا يُفيدُ العِلمَ- الصِّحَّةُ.

والِاعتِبارُ بأُجرةِ المِثلِ بالزَّمانِ الذي حصَل فيه كلُّ العَملِ، لا بالزَّمانِ الذي حصَل فيه التَّسليمُ (١).

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٨٩)، و «البيان» (٧/ ٤٠٧، ٤٠٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٢، ٥٤٣)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي» (٥/ ٥٣٣)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٩٠)، و «الديباج» (٢/ ٥٨٣) «حاشية عميرة على كنز الراغبين» (٣/ ٣٢٢).

وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: يُشترَطُ أنْ يَكونَ العِوَضُ مَعلومًا، كالأُجرةِ، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعليه الأصحابُ.

وقالَ المُصنِّفُ رحمة الله عليه في «المُغني»: ويُحتمَلُ أنْ تَصِحَّ الجَعالةُ مَع الجَهلِ بالعِوَضِ، إذا كانَ الجَهلُ لا يَمنَعُ التَّسليمَ، نحوَ أنْ يَقولَ: مَنْ رَدَّ عَبدِي الآبِقَ فله نِصفُه، ومَن رَدَّ ضالَّتي فله ثُلُثُها.

قالَ الإمامُ أحمَدُ رحمة الله عليه: إذا قالَ الأميرُ في الغَزوِ: مَنْ جاءَ بعَشَرةِ رُؤُوسٍ فله رَأْسٌ، جازَ.

وَقالوا: إذا جعَل جُعلًا لمَن يَدُلُّه على قَلعةٍ، أو طَريقٍ سَهلٍ، وكانَ الجُعلُ مِنْ مالِ الكُفَّارِ، كَجاريةٍ بعَينِها، جازَ، فيُخَرَّج هُنا مِثلُه، انتَهَى.

وقالَ الحارِثيُّ رحمة الله عليه: يُشترَطُ كَونُ الجُعلِ مَعلومًا، فإنْ شرَط عِوَضًا مَجهولًا فَسَدَ العَقدُ.

وإنْ قالَ: فلكَ ثُلُثُ الضَّالَّةِ، أو رُبُعُها، صَحَّ على ما نَصَّ عليه في الثَّوبِ يُنسَجُ بثُلُثِه، والزَّرعِ يُحصَدُ، والنَّخلِ يُصرَمُ بسُدُسِه، لا بَأْسَ به، وفي الغَزوِ مَنْ جاءَ بعَشَرةِ أرْؤُسٍ فله رَأسٌ، جازَ.

وَعندَ المُصنِّفِ رحمة الله عليه لا يَصحُّ، ولِلعامِلِ أُجرةُ المِثلِ، والأوَّلُ المَذهبُ.

وذكَر المُصنِّفُ رحمة الله عليه في أصْلِ المَسألةِ وَجهًا بجَوازِ الجَهالةِ التي لا تَمنَعُ التَّسليمَ، ونُظر بمَسألةِ الثُّلُثِ، واستُشهِدَ بنَصِّه الذي حَكَيْناه في الغَزوِ، وبِما إذا جعَل جُعلًا لمَن يَدُلُّه على قَلعةٍ أو طَريقٍ سَهلٍ، وكانَ الجُعلُ مِنْ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في أنواع شرائط ركن الإجارة

لِلْكَلَأِ وَسَائِرُ الْأَعْيَانِ الْمُبَاحَةِ إنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لِمَا بَيَّنَّا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي أَنْوَاع شَرَائِط رُكْنِ الْإِجَارَة

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ النَّفَاذِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ الصِّحَّةِ وَبَعْضُهَا شَرْطُ اللُّزُومِ أَمَّا شَرْطُ الِانْعِقَادِ فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، وَنَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى مَكَانِ الْعَقْدِ.

أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ فَالْعَقْلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ عَاقِلًا حَتَّى لَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ مِنْهُمَا.

وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الِانْعِقَادِ وَلَا مِنْ شَرَائِطِ النَّفَاذِ عِنْدَنَا، حَتَّى إنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ لَوْ أَجَرَ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا يَنْفُذُ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَأْذُونِ.

وَلَوْ أَجَّرَ الصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ نَفْسَهُ وَعَمِلَ وَسَلِمَ مِنْ الْعَمَلِ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ وَيَكُونُ الْأَجْرُ لَهُ، أَمَّا اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ فَلِأَنَّ عَدَمَ النَّفَاذِ كَانَ نَظَرًا لَهُ وَالنَّظَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ سَلِيمًا فِي النَّفَاذِ فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَا يُهْدَرُ سَعْيُهُ فَيَتَضَرَّرَ بِهِ، وَكَانَ الْوَلِيُّ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ دَلَالَةً بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ الْغَيْرِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 74 - 81

ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل