المسألة الثالثة عشرة: إذا عمل أحدهما نصف العمل، وأكمله آخر

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > المسألة الثالثة عشرة: إذا عمل أحدهما نصف العمل، وأكمله آخر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

المسألة الثالثة عشرة: إذا عمل أحدهما نصف العمل، وأكمله آخر - الأقوال والأدلة

المَسألةُ الثَّالثةَ عَشْرَةَ: إذا عمِل أحَدُهما نِصفَ العَملِ، وأكمَلَه آخَرُ:

جُمهورُ أهلِ العِلمِ القائِلونَ بصِحَّةِ الجَعالةِ قالوا: إنَّ العامِلَ لا يَستحقُّ الجُعْلَ المَشروطَ إلَّا بتَمامِ العَملِ؛ فإذا ترَك العَملَ فلا يَستحقُّ شَيئًا مِنْ المَشروطِ له؛ لأنَّه فَوَّتَ عَملَه باختيارِه، ولا فَرقَ في ذلك بينَ أنْ يَقَعَ بعضُ العَملِ مُسلَّمًا، كما لو شرَط الجُعْلَ في مُقابَلةِ تَعليمِ القُرآنِ، أو بِناءِ الحائِطِ، فعَلَّمَ، أو بَنَى بعضَه، أو غيرَ مُسلَّمٍ، كَرَدِّ الآبِقِ؛ فلا يَستحقُّ شَيئًا، غيرَ أنَّه يُستَثنَى ما إذا زادَ الجاعِلُ في العَملِ، ولَم يَرْضَ العامِلُ بالزِّيادةِ، ففسَخ لِأجلِ ذلك؛ فإنَّه يَستحقُّ أُجرةَ المِثْلِ، وبِهذا قالَ الشَّافِعيَّةُ، والحَنابِلةُ، وهو أيضًا مَذهبُ المالِكيَّةِ: لا يَستحقُّ شَيئًا؛ إلَّا إذا أتَمَّه غيرُه على هذا التَّفصيلِ.

قالَ المالِكيَّةُ: لا يَستحقُّ الجُعْلَ إلَّا بالتَّمامِ لِلعَملِ المَطلوبِ، وتَمامُه بتَحصيلِ ثَمَرَتِه، وإذا لَم يَتِمَّ العَملُ لا يَستحقُّ شَيئًا، إذا كانَ ما فَعلَه لا انتِفاعَ به لِلجاعِلِ، أمَّا ما له فيه انتِفاعٌ فإنْ أتَمَّه غيرُه بعدَ تَركِ العَملِ، بأنِ استأجَرَ رَبُّه -بأجْرٍ، قَلَّ أو كَثُرَ- أو جاعَلَ مَنْ يُتِمُّ عَملَه، أو أتَمَّه بنَفْسِه أو بعَبيدِه؛ فإنَّه يَكونُ لِلأوَل مِنْ الأجْرِ بنِسبةِ أجْرِ عَملِ العامِلِ الثَّاني، أي: بنِسبةِ ما أخَذَ الثَّاني سَواءٌ أعمِل الثَّاني قَدْرَ عَملِ الأوَل، أم أقَلَّ، أم أكَثَرَ؛ لأنَّ الجاعِلَ حينَئذٍ قَدِ انتَفَعَ بما عمِله له الأوَّلُ، مِثالُه: أنْ يُجعَلَ لِلأوَل خَمسةٌ على حَمْلِ خَشَبةٍ مثلًا، إلى مَوضِعٍ مَعلومٍ، فبلَغها نِصفَ الطَّريقِ، وترَكها، فجعَل

لِلآخَرِ عَشَرةَ دَراهِمَ مثلًا على تَبليغِها النِّصفَ الآخَرَ، فإنَّ الأوَّلَ يَأخُذُ عَشَرةً؛ لأنَّه الذي يَنوبُ في فِعلِ الأوَل مِنْ إجارةِ الثَّاني؛ لأنَّ الثَّانيَ لمَّا استُؤجِرَ نِصفَ الطَّريقِ بعَشَرةٍ، عُلِمَ أنَّ قِيمةَ إجارَتِه يَومَ استُؤجِرَ عِشرونَ، ولا يُقالُ: إنَّ الأوَّلَ قَدْ رَضيَ أنْ يَحمِلَها جَميعَ الطَّريقِ بخَمسةٍ، فكانَ يَجِبُ أنْ يُعطَى نِصفَها، والمُغابَنةُ جائِزةٌ في الجُعْلِ وغيرِه؛ لأنَّا نَقولُ: لمَّا كانَ عَقدُ الجَعالةِ مُنَحَّلًا مِنْ جانِبِ المَجعولِ له بعدَ العَملِ، فلمَّا ترَكه بعدَ أنْ حمَل نِصفَ المَسافةِ، صارَ تَرْكُه له إبطالًا لِلعَقدِ مِنْ أصْلِه، وصارَ الثَّاني كاشِفًا مُبيِّنًا لِمَا يَستحقُّه الأوَّلُ، فعلى الجاعِلِ لِلأوَل نِسبةُ انتِفاعِه بالثَّاني.

وقالَ ابنُ يُونُسَ رحمة الله عليه: يَنبَغي أنْ يُعطَى نِصفَ جُعلِه الأوَل، وهو في المِثَالِ المُتقدِّمِ دِرهَمانِ ونِصفُ دِرهَمٍ؛ لأنَّ المُغابَنةَ جائِزةٌ في الجُعْلِ وغيرِه، ونَحوُه لِلتُّونِسِيِّ.

وَلابنِ القاسِمِ رحمة الله عليه قَولٌ: إنَّ لِلأوَل قِيمةُ عَملِه يَومَ عمِل، ولِابنِ كِنانةَ: لِلأوَل قِيمةُ عَملِه يَومَ عمِل الثَّاني، كانَتِ القِيمةُ مثلَ الجُعْلِ أو أقَلَّ أو أكثَرَ (١).

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: الجَعالةُ إذا وَرَدَتْ على بَذْلِ المَنافِعِ في تَحصيلِ الشَّيءِ فلَها صورَتانِ:

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣٠، ٤٣١)، و «المختصر الفقهي» (١٢/ ٣٩٦، ٣٩٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦١، ٦٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٤٠، ٥٤١)، و «شرح ميارة» (٢/ ١٧٩)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣١٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦١٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٠٣، ١٠٥).

إحداهُما: أنْ يَكونَ الجُعْلُ على شَيءٍ واحِدٍ، كقولِه: مَنْ بَنَى لي حائِطًا، أو خاطَ لي ثَوبًا، فله كذا، فخاطَ بعضَ الثَّوبِ، أو بَنَى بعضَ الحائِطِ، فلا يَستحقُّ شَيئًا؛ لأنَّه لَم يَحصُلْ غَرَضُه.

الأُخرى: أنْ يَكونَ على تَحصيلِ شَيئَيْنِ يَنفَكُّ أحَدُهما عن الآخَرِ، كقولِه: مَنْ رَدَّ العبدَيْنِ فله كذا، فرَدَّ أحَدَهُما استَحقَّ نِصفَ الجُعْلِ.

قالَ الزَّركَشِيُّ رحمة الله عليه: وعلى هذا يَتخَرَّج غَيبةُ الطَّالِبِ عن الدَّرسِ بعضَ الأيَّامِ، إذا قالَ الواقِفُ: مَنْ حضَر شَهَرَ كذا فله كذا؛ فإنَّ الأيَّامَ كَمَسألةِ العَبيدِ؛ فإنَّها أشياءُ مُتَفاصِلةٌ، فيَستحقُّ قِسطَ ما حضَر، قالَ: فتَفَطَّنْ لِذلك؛ فإنَّه ممَّا يُغلَطُ فيه.

قالَ الدَّميريُّ رحمة الله عليه: ولِذلك كانَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ القُشَيريُّ إذا بطَل يَومًا غيرَ مَعهودِ البَطالةِ في دَرسِه لا يَأخُذُ لِذلك اليَومِ مَعلومًا.

قالَ: وسَألتُ شَيخَنا عن ذلك مَرَّتَيْنِ، فقالَ: إنْ كانَ الطَّالِبُ في حالِ انقِطاعِه مُشتَغِلًا بالعِلمِ، استَحقَّ، وإلَّا فلا، قالَ -يَعني شَيخُه-: ولو حضَر ولَم يَكُنْ بصَدَدِ الاشتِغالِ، لَم يَستحقَّ؛ لأنَّ المَقصودَ نَفْعُه بالعِلمِ، لا بمُجَرَّدِ حُضورِه، وكانَ يَذهبُ إلى أنَّ ذلك مِنْ بابِ الإرصادِ. اه.

قالَ الزَّركَشيُّ رحمة الله عليه: ولو تَوَلَّى وَظيفةً وأُكرِهَ على عَدمِ مُباشَرتِها، أفتَى الشَّيخُ تاجُ الدِّينِ الفَزَاريُّ باستِحقاقِه المَعلومَ، والظَّاهِرُ خِلافُه، لأنَّها جَعالةٌ، وهو لَم يُباشِرْ. اه. والظَّاهِرُ ما أفتَى به الشَّيخُ تاجُ الدِّينِ.

والَّذي يَنبَغي أنْ يُقالَ في ذلك أنَّ هذه الوَظائِفَ إنْ كانَتْ مِنْ بَيتِ المالِ، وكانَ مَنْ هي بيَدِه مُستَحقًّا فهو يَستحقُّ مَعلومَها، سَواءٌ أحضَر أم لا، استَنابَ أو لا.

وأمَّا النَّائِبُ فإنْ جَعلَ له مَعلومًا في نيابَتِه استَحقَّ، وإلَّا فلا، فإنْ لَم تَكُنْ مِنْ بَيتِ المالِ، أو كانَتْ ولَم يَكُنْ مُستَحقًّا فيه، فما قالَه المُصنِّفُ هو الظَّاهِرُ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَستحقُّ العامِلُ الجُعْلَ قبلَ تَمامِ عَملِه، فإنْ فسَخ العامِلُ قبلَ تَمامِ عَملِه، ولَم يُكمِلِ العَملَ، فلا شَيءَ له؛ لِإسقاطِ حَقِّ نَفْسِه، حيثُ لَم يُوَفِّ ما شرَطه عليه.

وإنْ فسَخ الجاعِلُ بعدَ شُروعِ العامِلِ في العَملِ فعليه لِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِ عَملِه؛ لأنَّه عَمَلٌ بعِوَضٍ، لَم يُسلَّمْ له، فكَانَ له أُجرةُ عَملِه، وما عمِله بعدَ الفَسخِ لا أُجرةَ له عليه؛ لأنَّه عَمَلٌ غيرُ مَأذونٍ فيه، وإنْ زادَ الجاعِلُ أو نَقَصَ مِنْ الجُعْلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ جازَ، وعُمِلَ به؛ لأنَّه عَقدٌ جائِزٌ، فجازَ فيه ذلك، كالمُضارَبةِ (٢).

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٩٢، ٩٣)، و «البيان» (٧/ ٤١٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٧، ٥٤٨)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي» (٥/ ٥٤٦)، و «الديباج» (٢/ ٥٨٥، ٥٨٦)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٩٨).
(٢) «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢١١، ٢١٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
٨٨٦ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم بجزء معلوم، يجعل للعام

٨٨٦ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ: (وتَجُوزُ الْمُسَاقاةُ فِي النَّخْلِ والشَّجَرِ والكَرْمِ بجُزْءٍ مَعْلُومٍ، يُجْعَلُ للعامِلِ مِنَ الثَّمَرِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 42 - 45

ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده