المسألة الثالثة: من عمل قبل أن يبلغه الجعل، هل يستحق شيئا أو لا؟

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الجعالة > المسألة الثالثة: من عمل قبل أن يبلغه الجعل، هل يستحق شيئا أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

المسألة الثالثة: من عمل قبل أن يبلغه الجعل، هل يستحق شيئا أو لا؟ - الأقوال والأدلة

لِيَحفَظَه لِصاحِبِه، وله بَيعُه لِمَصلَحةٍ، ولا يَملِكُه مُلتَقِطُه بالتَّعريفِ، كَضَوالِّ الإبِلِ، وإنْ باعَه ففاسِدٌ.

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ومَن رَدَّ لُقَطَةً أو ضالَّةً أو عمِل لِغيرِه عَملًا غيرَ رَدِّ الآبِقِ بغيرِ جُعلٍ، لَم يَستحقَّ عِوَضًا، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه عَمَلٌ يَستحقُّ به العِوَضَ مَع المُعاوَضةِ، فلا يَستحقُّ مَع عَدمِها، كالعَملِ في الإجارةِ، فإنِ اختَلَفا في الجُعْلِ فقالَ: جَعَلتَ لي في رَدِّ لُقَطَتِكَ كذا، فأنكَرَه المالِكُ، فالقَولُ قَولُه مَع يَمينِه؛ لأنَّ الأصْلَ مَعهُ (١).

المَسألةُ الثَّالثةُ: مَنْ عمِل قبلَ أنْ يَبلُغَه الجُعْلُ، هَلْ يَستحقُّ شَيئًا أو لا؟

اختَلفَ الفُقهاءُ القائِلونَ بجَوازِ الجُعْلِ فيما إذا جعَل رَبُّ الضَّالَّةِ جُعلًا على مَنْ رَدَّها عليه، فعمِل إنسانٌ قبلَ أنْ يَبلُغَه الجُعْلُ، هَلْ يَستحقُّ الجُعْلَ أو لا؟

فَذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيَّةِ -على تَفصيلٍ عنه سَيَأْتي- إلى أنَّ مَنْ قالَ: مَنْ رَدَّ ضالَّتِي فله كذا، فرَدَّها إنسانٌ لَم يَبلُغْه نِداؤُه، ولا علِم بالجُعلِ، لا يَستحقُّ شَيئًا.

قالَ الشَّافِعيَّةُ: لو قالَ: مَنْ رَدَّ آبِقِي فله كذا، فرَدَّه مَنْ لَم يَبلُغْه نِداؤُه، لَم

(١) «المغني» (٦/ ٢٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٢٠)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٩٠، ٣٩٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٥٠)، و «الروض المربع» (٢/ ١٥٣، ١٥٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢٨٤، ٢٨٥).

يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّه مُتَبَرِّعٌ، فإنْ قصَد العِوَضَ لِاعتِقادِه أنَّ مثلَ هذا العَملِ لا يُحبَطُ لَم يَستحقَّ أيضًا على المَذهبِ، ولا أثَرَ لِاعتِقادِهِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ فَعلَ العَملَ المُجاعَلَ عليه قبلَ أنْ يَبلُغَه الجُعْلُ، لَم يَستحقَّ الجُعْلَ، ولا يَستحقُّ شَيئًا منه؛ لأنَّه مُتَبَرِّعٌ بعَملِه، وحَرُمَ عليه أخْذُه؛ لأنَّه مِنْ أكْلِ المالِ بالباطِلِ، إلَّا إنْ تبَرَّع له به رَبُّه بعدَ إعلامِه بالحالِ، وسَواءٌ أرَدَّه قبلَ بُلوغِ الجُعْلِ أم بعدَه؛ إذِ الجُعْلُ في مُقابَلةِ العَملِ لا التَّسليمِ، أي: سلَّمَ المَردودَ ونحوَه (٢).

وقالَ المالِكيَّةُ: إذا قالَ المالِكُ: «مَنْ أتَى بعَبدِي الآبِقِ، أو ببَعِيرِي الشَّارِدِ فله كذا» فجاءَ به شَخصٌ لَم يَسمَعْ كَلامَه، لكنَّ عادَتَه طَلَبُ الضَّوالِّ والآبِقِينَ فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، سَواءٌ أكانَ جُعلُ مِثلِه مثلَ المُسمَّى أم أقَلَّ مِنه، أم أكَثَرَ.

فَإذا تَخالَفا بعدَ تَمامِ العَملِ في قَدْرِ الجُعْلِ ولَم يُشبِها فإنَّهما يَتحالَفانِ، ويُرَدُّ العامِلُ إلى جُعلِ مِثلِه، ومَن أشبَهَ فالقَولُ قَولُه، وإنْ أشبَها معًا مثلَما إذا أشبَهَ العامِلُ يَكونُ القَولُ قوله، ونُكولُهما كَحَلِفِهما، ويُقضَى لِلحالِفِ على النَّاكِلِ.

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٨٩)، و «البَيان» (٧/ ٤١٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٢)، و «نهاية المحتاج مع حاشية الشَّبراملسي» (٥/ ٥٣٥).
(٢) «المغني» (٦/ ٢٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٥٠)، و «الروض المربع» (٢/ ١٥٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨١)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٢٠٨).

وَلمَن لَم يَسمَعْ قولَ المالِكِ: «مَنْ جاءَني بعَبدِي الآبِقِ فله كذا» فجاءَ به شَخصٌ ليسَ مَنْ عادَتِه طَلَبُ الضَّوالِّ والآبِقِينَ فإنَّه لا جُعلَ له، وليسَ له إلَّا النَّفَقةُ فَقط، أي: نَفَقةُ الآبِقِ، أي: ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأكَلٍ ومَركَبٍ ولِباسٍ، لا نَفقَتُه على نَفْسِه ودَابَّتِه -مثلًا- في زَمَنِ تَحصيلِه (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ القاسِمِ في رَجُلٍ جعَل في عَبدٍ له عَشَرةَ دَنانيرَ لمَن جاءَ به، فجاءَ به رَجُلٌ لَم يَسمَعْ بالجُعلِ. قالَ: إنْ كانَ ممَّن يَأتي بالآبِقِينَ فله جُعلُ مِثلِه، وإنْ كانَ ممَّن لا يَأتي بالآبِقِينَ، فليسَ له إلَّا نَفقَتُه، وإنْ سمِع فكانَ ممَّن لا يَأخُذُ الآبِقِينَ، أو ممَّن يَأخُذُ الآبِقِينَ فله العَشَرةُ.

قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: حَكَى ابنُ حَبيبٍ في الواضِحةِ أنَّ له الجُعْلَ المُسمَّى، علِم به أو لَم يَعلَمْ، إذا وجَده بعدَ أنْ يُجعَلَ فيه، تَكَلَّفَ طَلبَه أو لَم يَتكَلَّفْ، عن ابنِ الماجِشونِ، وأصبَغَ، وغيرِهِما مِنْ أصحابِ مالِكٍ، وذكَر أنَّه قَولُ مالِكٍ.

وَوَجهُ قَولِ ابنِ القاسِمِ رحمة الله عليه أنَّ الذي أتَى به لَم يَعمَلْ على طَلَبِه، على الجُعْلِ المُسمَّى؛ إذْ لَم يَعلَمْ به، فوجَب ألَّا يَجِبَ له، ووَجهُ ما حَكَى ابنُ حَبيبٍ أنَّ الجاعِلَ قَدْ أوْجَبَ على نَفْسِه ما سمَّى مِنْ الجُعْلِ لمَن جاءَ به، فوجَب أنْ يَكونَ له، وإنْ لَم يَطلُبْه، أو كانَ أكثَرَ مِنْ جُعلِ مِثلِه إنْ طَلبَه،

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣٥)، و «المختصر الفقهي» (١٢/ ٣٦٥، ٣٦٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٤٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦٢١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٠٧، ١٠٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك إليه)

يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا ؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 24 - 26

ارجع إلى أركان الجعالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله