خلط المضارب مال المضاربة بماله أو بغير ماله

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان المضاربة وشروط صحتها > خلط المضارب مال المضاربة بماله أو بغير ماله

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

خلط المضارب مال المضاربة بماله أو بغير ماله - الأقوال والأدلة

ومُساوَمتِه وعَقدِ البَيعِ معه وأخذِ الثَّمنِ وانتِقادِه وشَدِّ الكيسِ وخَتمِه وإحرازِه في الصُّندوقِ ونَحوِ ذلك، ولا أجرَ له عليه؛ لأنَّه مُستحِقٌّ لِلرِّبحِ في مُقابَلتِه؛ فإنِ استأجَرَ مَنْ يَفعَلُ ذلك فالأجرُ عليه خاصَّةً؛ لأنَّ العَملَ عليه، فأمَّا ما لا يَليه العامِلُ في العادةِ -مِثلَ النِّداءِ على المَتاعِ ونَقلِه إلى الخانِ- فليس على العامِلِ عَملُه، وله أنْ يَكتريَ مَنْ يَعمَلُه؛ لأنَّ العَملَ في المُضاربةِ غَيرُ مَشروطٍ لِمَشقَّةِ اشتِراطِه، فرُجِع فيه إلى العُرفِ.

فإنْ فعَل العامِلُ ما لا يَلزَمُه فِعلُه مُتبَرِّعًا فلا أجرَ له، وإنْ فعَله لِيأخذَ عليه أجرًا فلا شَيءَ له أيضًا في المَنصوصِ عن أحمدَ، وفي وَجهٍ أنَّ له الأجرَ بِناءً على الشَّريكِ إذا انفرَد بعَملٍ لا يَلزَمُه هل له أجرٌ لِذلك؟ على رِوايتَيْن، وهذا مِثلُه، والصَّحيحُ أنَّه لا شَيءَ له في المَوضعَيْن؛ لأنَّه عَمِل في مالِ غَيرِه عَملًا لَم يُجعَلْ له في مُقابَلَتِه شَيءٌ، فلَم يَستحِقَّ شَيئًا كالأجنَبيِّ (١).

١٤ - خَلطُ المُضارِبِ مالَ المُضاربةِ بمالِه أو بغَيرِ مالِه:

ذهَب جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهِبِ الأربَعةِ إلى أنَّ المُضارِبَ إذا خلَط مالَ المُضارَبةِ بمالِه ولَم يَتميَّزْ، أو بمالِ غَيرِه لِيَعملَ بهما، ولَم يأذَنْ له رَبُّ المالِ؛ فإنَّه يَضمَنُ؛ لأنَّه أمانةٌ، فهي كالوَديعةِ.

فإنْ قال له: اعمَلْ برأيكَ جازَ له ذلك عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أيضًا، وإليكَ تَفصيلَ أقوالِهم.

(١) «المغني» (٥/ ٣٢، ٣٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٨٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٣).

قال الحَنفيَّةُ: لو خلَط المُضارِبُ مالَ المُضارَبةِ بمالِه أو بمالِ غَيرِه لِيَعملَ بهما يَضمَنُ؛ لأنَّه يُوجِبُ في مالِ رَبِّ المالِ حَقًّا لِغَيرِه فلا يَجوزُ إلا بإذنِه؛ فإنْ أذِنَ له أو قال له: اعمَلْ فيه برأيكَ فله أنْ يَخلِطَه بمالِه أو بمالِ غَيرِه.

فإذا خلَط المُضارِبُ مالَ المُضاربةِ بمالِه وقد أذِنَ له رَبُّ المالِ أو فَوَّض الأمرَ إليه يُقسَّمُ الرِّبحُ الحاصِلُ على مِقدارِ رأسَيِ المالِ، أي أنَّه يأخُذُ رِبحَ رأسِ مالِه خاصَّةً؛ لأنَّه رِبحُ مالِه، ويُقسَّمُ مالُ المُضاربةِ بينَه وبينَ رَبِّ المالِ على الوَجهِ الذي شرَطاه.

مَثلًا: لو أعطى رَبُّ المال خَمسينَ دينارًا مُضاربةً لِآخرَ بنِصفِ الرِّبحِ، وخلَط المُضارِبُ مالَ المُضاربةِ المَذكورِ بمِئةِ دينارٍ له ورَبِح ثَلاثينَ، تَكونُ عِشرونَ دِينارًا منها رِبحَ رأسِ مالِه، وتَكونُ لِلمُضارِبِ خاصَّةً، وتَكونُ الدَّنانيرُ العَشَرةُ الباقيةَ رِبحَ مالِ المُضاربةِ، فيَقتَسِمُها مع رَبِّ المالِ مُناصَفةً (١).

وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَخلِطَ مالَ القِراضِ بغَيرِه، وإنْ بمالِه إنْ كان المالُ المَخلوطُ والمَخلوطُ به مِثليًّا؛ لأنَّ كَثرةَ المالِ تُحَصِّلُ الرِّبحَ الكَثيرَ.

وخَلطُ مالِ القِراضِ هو الصَّوابُ إنْ خافَ العامِلُ بتَقديمِ أحدِ المالَيْن في البَيعِ والشِّراءِ رُخصًا لِلمالِ الآخَرِ، أي بأنْ خافَ العامِلُ بتَقديمِ أحَدِهما

(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٩٩، ١٠٠)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٦٦٠)، و «البحر الرائق» (٧/ ٢٦٤)، و «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٠٩)، و «درر الحكام» (٣/ ٤٧٥).

في البَيعِ رُخصًا في ثَمنِ الآخَرِ، أو خافَ بتَقديمِ أحَدِهما في الشِّراءِ غُلُوَّ الثَّمنِ في الآخَرِ، ويَكونُ ما اشتَرى مِنَ السِّلعِ بينَهما على القِراضِ.

وهل مَعنى الصَّوابِ أنَّه يَجِبُ أو يُندَبُ؟ قَولانِ، ويَنبَني عليهما لو لَم يَخلِطْ فحَصلَ خُسرٌ فعلى أنَّه يَجِبُ يَضمَنُ العامِلُ الخُسرَ إذا خافَ ولَم يَخلِطْ، وعلى أنَّه يُندَبُ لا يَضمَنُ.

وهذا إذا كان بغَيرِ شَرطٍ؛ فإنْ شرَط عليه بأنْ دفَع إليه ألفَ دينارٍ على أنْ يُضيفَ إليها مِئةً مِنْ مالِه ويَعمَلَ بها ويَكونَ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن كان فاسِدًا ويُرَدُّ فيه العامِلُ إلى أُجرةِ مِثلِه (١).

وقال الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ لِلمُقارِضِ أنْ يَخلِطَ مالَه بمالِ القِراضِ، وعليه تَمييزُ كلِّ واحِدٍ مِنَ المالَيْن؛ فإنْ خلَطَهما فعلى ضَربَيْن:

أحَدُهما: أنْ يَكونَ بإذنِ رَبِّ المالِ خَلَط مالَه بمالِ المُضارَبةِ فيَجوزَ ويَصيرَ شَريكًا ومُضارِبًا، ومُؤنةُ المالِ مُقسَّطةٌ على قَدْرِ المالَيْن، ونَفقةُ نَفْسِه إنْ قيلَ: إنَّها لا تَجِبُ في مالِ القِراضِ فهو مُختَصٌّ بها، وإنْ قيلَ: إنَّها تَجِبُ في مالِ القِراضِ فهي مُقسَّطةٌ على قَدْرِ المالَيْن بالحِصَصِ.

والضَّربُ الآخَرُ: أنْ يَخلِطَ المالَيْن بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ مالَه ومالَ المُضاربةِ، فيَبطُلَ القِراضُ؛ لأنَّه يَصيرُ كالعادِلِ به عن حُكمِه فيَلتَزمَ نَفقةَ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٩٠)، و «البيان والتحصيل» (١٢/ ٤١٤، ٤١٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٢١٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥١٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٢٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب المضاربة
فصل في بيان حكم المضاربة

شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ لَا يَجُوزُ، وَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ نَوْعٌ مِنْ الشَّرِكَةِ، وَهِيَ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ، وَهَذَا شَرْطٌ يُوجِبُ قَطْعَ الشَّرِكَةِ فِي الرِّبْحِ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَرْبَحَ الْمُضَارِبُ إلَّا هَذَا الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَا تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ، فَلَا يَكُونُ التَّصَرُّفُ مُضَارَبَةً، وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا النِّصْفُ أَوْ الثُّلُثُ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ قَالَا: إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ شَرْطٌ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا النِّصْفَ وَمِائَةً، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِائَتَيْنِ، فَيَكُونَ كُلُّ الرِّبْحِ لِلْمَشْرُوطِ لَهُ، وَإِذَا شَرَطَا لَهُ النِّصْفَ إلَّا مِائَةً، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الرِّبْحِ مِائَةً، فَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الرِّبْحِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 504 - 506

ارجع إلى أركان المضاربة وشروط صحتها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل