إذا أمر الموكل الوكيل بقضاء الدين فلم يشهد

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > إذا أمر الموكل الوكيل بقضاء الدين فلم يشهد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

إذا أمر الموكل الوكيل بقضاء الدين فلم يشهد - الأقوال والأدلة

وقالَ الجَصَّاصُ رحمة الله عليه: ويَدُلُّ على جَوازِ الوَكالةِ في قَضاءِ الدَّيْنِ واقتِضائِه حَديثُ حُذَيفةَ عن النَّبيِ : «أنَّ رَجُلًا لَم يَعمَلْ مِنْ الخَيرِ شَيئًا إلَّا أنَّه قالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتياني أنْ يُنظِروا المُعسِرَ، ويَتَجاوَزوا عن المُوسِرِ، فقالَ اللَّهُ تَعالى: تَجاوَزوا عَنهُ» (١).

إذا أمَرَ المُوكِّلُ الوَكيلَ بقَضاءِ الدَّيْنِ فلَمْ يُشهِدْ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ وكَّل غيرَه في قَضاءِ دَيْنٍ على المُوكِّلِ وقالَ: «اقضِه ولا تُشهِدْ عليه» فإنَّه لا ضَمانَ على الوَكيلِ إذا أنكَرَه رَبُّ الدَّيْنِ، سَواءٌ حضَر المُوكِّلُ أو غابَ؛ لأنَّه لَم يُفَرِّطْ.

كما اتَّفَقوا على أنَّ مَنْ وكَّل غيرَه في قَضاءِ دَيْنٍ على المُوكِّلِ، وأمَرَ الوَكيلَ بالإشهادِ، فقَضاه ولَم يُشهِدْ، وأنكَرَ الغَريمُ؛ فإنَّه يَضمَنُ.

واختَلَفوا في ضَمانِ الوَكيلِ إذا أمَرَه المُوكِّلُ بقَضاءِ دَيْنٍ عليه ولَم يَأمُرْه بالإشهادِ، فقَضاه ولَم يُشهِدْ، وأنكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ القَضاءَ:

فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَكيلَ يَضمَنُ في هذه الحالةِ، ولا يُقبَلُ قَولُه على رَبِّ الدَّيْنِ إلَّا

(١) «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٣/ ٢٦٤)، و «مجمع الضمان» (١/ ٥٦١)، و «المعونة» (٢/ ٢٠٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٣)، و «الذخيرة» (٨/ ٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٧٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٩٥)، و «المختصر الفقهي» (١٠/ ٢٦٧)، و «منح الجليل» (٦/ ٣٥٩)، و «الشرح الصغير» (٨/ ٦٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٣)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٧)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٠٦).

ببيِّنةٍ؛ لأنَّه ليسَ بأمينِه، فلَمْ يُقبَلْ عليه في الدَّفعِ إليه، كما لو ادَّعى المُوكِّلُ ذلك، وضَمِن الوَكيلُ لِمُوكِّلِه ما أنكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ قَضاءَهُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ في تَرْكِ الإشهادِ (١).

قالَ المالِكيَّةُ: الوَكيلُ إذا قبَض الدَّيْنَ الذي على مُوكِّلِه ولَم يُشهِدْ على القابِضِ -أو لَم يَقُمْ له شُهودٌ بالإقباضِ، يَشمَلُ ما إذا شهِدتْ له بيِّنةٌ بالإقباضِ مِنْ غيرِ قَصْدٍ، بَلْ على سَبيلِ الِاتِّفاقِ- وأنكَرَ القابِضُ؛ فإنَّ الوَكيلَ يَضمَنُ ذلك لِتَفريطِه بعَدمِ الإشهادِ، ومِثلُ الدَّيْنِ في ذلك البَيعُ، كما لو وكَّل على بَيعِ شَيءٍ ولَم يُشهِدْ على المُشتَرِي أنَّه قَبْضٌ أو رَهْنٌ أو وَديعةٌ، وما أشبَهَ ذلك. وظاهِرُه: كانَ الوَكيلُ مُفَوَّضًا، أو غيرُه، كانَتِ العادةُ جاريةً بالإشهادِ أو بعَدمِه أو بهِما، أو لَم تَكُنْ هناك عادةٌ.

وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ: لا ضَمانَ على الوَكيلِ عندَ عَدمِ الإشهادِ إذا جَرَتِ العادةُ بعَدمِ الإشهادِ.

وَقَدْ أشارَ بعضُهم إلى أنَّه لا يُختَلَفُ في سُقوطِ الضَّمانِ إذا كانَتِ العادةُ تَرْكَ الإشهادِ، وإنَّما يُختَلَفُ إذا كانَتِ العادةُ جاريةً بالإشهادِ وعَدمِه، أو لَم تَكُنْ هناك عادةٌ (٢).

(١) «الفتاوى الهندية» (٣/ ٦٢٧)، و «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٦٩٢)، و «المهذب» (١/ ٣٦٣)، و «المغني» (٥/ ٦٥)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٧٩)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٩٥) «كشاف القناع» (٣/ ٥٦٥، ٥٦٦).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧٣، ٧٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢١٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨٠، ٨١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٤)، و «شرح الزرقاني» (٦/ ٨٥).

وَهُناكَ أحوالٌ لا يَضمَنُ فيها الوَكيلُ بتَرْكِ الإشهادِ على قَضاءِ الدَّيْنِ، مِنها:

أ- أنْ يَقضيَ الوَكيلُ الدَّيْنَ بحَضْرةِ المُوكِّلِ، ولَم يُشهِدْ، لَم يَضمَنْ؛ لأنَّ تَرْكَه الإشهادَ رِضًا مِنْ المُوكِّلِ بمَا فَعلَ وَكِيلُه، وإلى هذا ذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في أصَحِّ الوَجهَيْنِ.

وَيَرَى الشَّافِعيَّةُ في الوَجْهِ الآخَرِ والحَنابِلةُ في قَولٍ أنَّ الوَكيلَ يَضمَنُ في هذه الحالةِ، اعتِمادًا على أنَّ السَّاكِتَ لا يُنسَبُ إليه قَولٌ، وعلَّل الشَّافِعيَّةُ هذا الحُكمَ بأنَّ تَركَ الإشهادِ يُثْبِتُ الضَّمانَ، ولا يَسقُطُ حُكمُه بحُضورِ المُوكِّلِ، كما لو أُتلِفَ مالُه وهو حاضِرٌ (١).

ب- أنْ يُشهِدَ على القَضاءِ عُدولًا، فماتوا أو غابوا أو فَسَقَوا، وأنكَرَ المُوكِّلُ القَضاءَ في هذه الحالةِ؛ فإنَّ الوَكيلَ لا يَضمَنُ عندَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ، حيثُ أطلَقوا القولَ بعَدمِ الضَّمانِ؛ لأنَّه لَم يُفَرِّطْ، وعندَ الحَنابِلةِ عَدمُ ضَمانِ الوَكيلِ مُقيَّدٌ بما إذا لَم يَحلِفِ المُوكِّلُ، أمَّا إذا حلَف المُوكِّلُ قُضِيَ له بالضَّمانِ؛ لأنَّ الأصلَ مَعه.

وإنْ قالَ الوَكيلُ: أشَهَدْتُ، فماتوا، أي: الشُّهودُ، أو غابوا، أو قالَ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ: أذِنتَ في القَضاءِ، بلا بيِّنةٍ، أو قالَ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ: قَضَيتُ

(١) المصادر السابقة.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان ما يخرج به الوكيل عن الوكالة

مَالِ نَفْسِهِ، يَرْجِعُ بِمَا قَضَى عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ اسْتِقْرَاضٌ مِنْهُ، وَالْمُقْرِضُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ بِمَا أَقْرَضَهُ.

وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ الثَّمَنِ إلَى الْوَكِيلِ تَوْكِيلٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَهُوَ الثَّمَنُ وَالْوَكِيلُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ: إذَا قَضَى مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.

فَكَذَا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ، وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ؛ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُوَكِّلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ: لَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ.

(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْمَبِيعَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ فَالْهَلَاكُ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَا يَسْقُطَ الثَّمَنُ عَنْهُ وَلَيْسَ لِلْأَمِينِ حَبْسُ الْأَمَانَةِ بَعْدَ طَلَبِ أَهْلِهَا، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ النساء: ٥٨ فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ.

(وَلَنَا) أَنَّهُ عَاقِدٌ وَجَبَ الثَّمَنُ لَهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ حُكْمُ الْبَيْعِ - ضَمَانًا لِلْمَبِيعِ، فَكَانَ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ؛ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي - وَإِذَا طَلَبَ مِنْهُ الْمُوَكِّلُ، فَحَبَسَهُ حَتَّى هَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا.

لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْبَيْعِ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ.

وَقَالَ زُفَرُ: يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْغَصْبِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 284 - 286

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله