التوكيل في المسائل المختلف فيها

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > التوكيل في المسائل المختلف فيها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

التوكيل في المسائل المختلف فيها - الأقوال والأدلة

التَّوكيلُ في المَسائِلِ المُختَلَفِ فيها:

التَّوكيلُ في الخُصومةِ (الحُقوقِ):

اتَّفقَ الفُقهاءُ في الجُملةِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الخُصومةِ في كلِّ حَقٍّ مِنْ الحُقوقِ، إذا كانَ المُوكِّلُ حاضِرًا وخَصمُه راضيًا؛ لأنَّ المُوكِّلَ يَملِكُ مُباشَرَةَ ذلك بنَفْسِه، فيَملِكُ تَفويضَه إلى غيرِه.

إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في حُكمِ التَّوكيلِ في الخُصومةِ، أي: في مُطالَبةِ الحُقوقِ وإثباتِها، والمُحاكَمةِ فيها، مَع غَيبةِ المُوكِّلِ وغيرِ رِضا الخَصمِ، هَلْ تَجوزُ أو لا؟

فَذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ بالخُصومةِ في الحُقوقِ، بشَرطِ رِضا الخَصمِ، إلَّا أنْ يَكونَ المُوكِّلُ مَريضًا مَرَضًا يَمنَعُه مِنْ الحُضورِ، أو غائِبًا مُدَّةَ السَّفَرِ، أو مُريدًا لِلسَّفَرِ، أو مُخَدِّرةً، سَواءٌ كانَ وَكيلُ المُدَّعِي أو المُدَّعَى عليه، فحينَئذٍ يَجوزُ بغيرِ رِضا الخَصمِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ حَوالةٌ، وهي لا تَجوزُ إلَّا برِضا المُحالِ عليه، فكذا التَّوكيلُ؛ وهذا لأنَّ الخُصومةَ تَختلِفُ، والجَوابَ مُستحَقٌّ عليه، فصارَ نَظيرَ الحَوالةِ، ألَا تَرَى أنَّه لا يُوكِّلُ إلَّا مَنْ هو ألَدُّ وأشَدُّ إنكارًا، ويَلحَقُه بذلك ضَرَرٌ عَظيمٌ، فلا يَلزَمُه بدُونِ التِزامِه، كالحَوالةِ، بخِلافِ ما إذا كانَ به عُذرٌ مِنْ الأعذارِ التي ذَكَرْناها؛ لأنَّ الجَوابَ غيرُ مُستحَقٍّ عليه في هذه الحالةِ، فلا يَكونُ فيه إسقاطُ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليه، ولا يُقبَلُ قَولُه: إنِّي أُريدُ أنْ أُسافِرَ، لكنَّ القاضيَ يَنْظُرُ في حالِه وفي عُدَّتِه؛ فإنَّه لا تَخفَى هَيئةُ مَنْ يُسافِرُ.

قالَ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: والمُتَأخِّرونَ مِنْ أصحابِنا اختاروا لِلفَتوَى أنَّ القاضيَ إذا علِم مِنْ الخَصمِ التَّعَنُّتَ في الإباءِ مِنْ قَبولِ التَّوكيلِ، لا يُمَكِّنُه مِنْ ذلك، ويَقبَلُ التَّوكيلَ مِنْ المُوكِّلِ مِنْ غيرِ رِضاه، وإنْ علِم مِنْ المُوكِّلِ قَصدَ الإضرارِ بخَصمِه لا يُقبَلُ مِنه التَّوكيلَ إلَّا برِضاه، وهو اختيارُ شَمسِ الأئِمَّةِ السَّرخَسيِّ رحمة الله عليه، ومِن الأعذارِ الحَيضُ مِنْ المُدَّعَى عليها، إذا كانَ الحُكمُ في المَسجِدِ، والحَبسُ، إذا كانَ مِنْ غيرِ القاضي الذي تَرافَعا إليه (١).

ولأنَّ حُضورَ الخَصمِ حَقٌّ مِنْ حُقوقِ المُدَّعِي بدَلالةِ ما يَستحقُّه مِنْ مُلازَمةٍ لِلخُصومةِ، ومَنعِه مِنْ اشتِغالِه، وفي امتِناعِه عن الحُضورِ بالتَّوكيلِ إسقاطٌ لِحَقِّ المُدَّعِي مِنْ الحُضورِ، ولأنَّ جَوابَ الدَّعوَى مُستحَقٌّ على المُدَّعَى عليه، وقَد يَكونُ الجَوابُ تارَةً إقرارًا، وتارَةً إنكارًا، والوَكيلُ يَقومُ مَقامَه في الإنكارِ دونَ الإقرارِ. فلَمْ يَجُزْ أنْ يَبطُلَ بالتَّوكيلِ حَقُّه في أحَدِ الجَوَابَيْنِ، وما قَدْ يَستحقُّه مِنْ اليَمينِ التي لا يَنوبُ الوَكيل عنه فيها، ولأنَّ الوَكيلَ فَرعٌ لِمُوكِّلِه، كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ، هي فَرعٌ على شُهودِ الأصلِ، فَلمَّا لَم يَجُزْ لِلحاكِمِ أنْ يَسمَع شُهودَ الفَرعِ إلَّا بعدَ العَجزِ عن شُهودِ الأصلِ، وجَب ألَّا يَقتَنِعَ بالوَكيلِ إلَّا بعدَ العَجزِ عن المُوكِّلِ، ولأنَّ الوَكيلَ نائِبٌ عن مُوكِّلِه، كالوَصِيِّ والوَليِّ على اليَتيمِ، فلمَّا ثَبَتَتِ الوِلايةُ لِعَجزِ المَولَى عليه، وجَب أنْ تَصِحَّ الوَكالةُ لِعَجزِ المُوكِّلِ (٢).

(١) «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٥٥)، و «المبسوط» (١٩/ ٣، ٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٠)، و «الاختيار» (٢/ ١٨٩، ١٩٠)، و «ابن عابدين» (٧/ ٢٧٨).
(٢) «العناية» (١١/ ٧٤)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٠٣).

وأمَّا المَرأةُ إنْ كانَتْ مُخَدِّرةً جازَ لها أنْ تُوكِّلَ بغيرِ رِضا الخَصمِ؛ لأنَّها لَم تَألَفْ خِطابَ الرِّجالِ؛ فإذا حضَرتْ مَجلِسَ الحُكمِ انقَبَضَتْ فلَمْ تَنطِقْ بحُجَّتِها؛ لِحَيائِها، ورُبَّما يَكونُ ذلك سَبَبًا لِفَواتِ حَقِّها، وهذا شَيءٌ استَحسَنَه المُتَأخِّرونَ، جَعَلوها كالمَريضِ.

وأمَّا إذا كانَتْ عادَتُها أنْ تَحضُرَ مَجالِسَ الرِّجالِ فهي كالرَّجلِ لا يَجوزُ لها التَّوكيلُ إلَّا برِضا الخَصمِ.

فالإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه لا يَرَى صِحَّةَ التَّوكيلِ في الخُصومةِ مِنْ غيرِ رِضا الخَصمِ إلَّا في ثَلاثِ مَسائِلَ:

إحداها: أنْ يَكونَ المُوكِّلُ غائِبًا مُدَّةَ السَّفَرِ مَسِيرَةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ، أو مُريدًا لِلسَّفَرِ.

الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ مَريضًا مَرَضًا يَمنَعُه مِنْ الحُضورِ.

الثَّالثةُ: أنْ تَكونَ امرَأةً مُخَدِّرةً.

ولا يَلزَمُ الخَصمَ إجابةُ الوَكيلِ إلَّا في هذه المَواضِعِ الثَّلاثةِ.

وهذا في الخُصومةِ، أمَّا التَّوكيلُ بقَبضِ الدَّيْنِ والتَّقاضي والقَضاءِ بغيرِ رِضا الخَصمِ فجائِزٌ إجماعًا (١).

وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ مِنْ الحَنفيَّةِ -في الجُملةِ عندَهم على شُروطٍ تَأتي مُفَصَّلةً- إلى أنَّه يَجوزُ التَّوكيلُ في الخُصومةِ، سَواءٌ كانَ المُوكِّلُ حاضِرًا أو غائِبًا، صَحيحًا أو

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٦٩، ٤٧٠).

مَريضًا، مَعذورًا أو غيرَ مَعذورٍ، سَواءٌ كانَ مالًا أو عُقوبةً لِآدَمِيٍّ، وسَواءٌ رَضيَ الخَصمُ أو لَم يَرضَ؛ لأنَّه حَقٌّ تَجوزُ النِّيابةُ فيه، فكانَ لِصاحِبِه الِاستِنابةُ بغيرِ رِضا خَصمِه، كَحالِ غَيبَتِه ومَرَضِه، وكَدَفعِ المالِ الذي عليه؛ لأنَّ كلَّ وَكالةٍ صَحَّتْ برِضا المُوكَّلِ عليه صَحَّتْ مَع عَدمِ رِضاه، كَوَكالةِ الغائِبِ والمَرأةِ، و «لأنَّ عليًّا رضي الله عنه وكَّل عَقيلًا عندَ عُمرَ رضي الله عنه لِيُخاصِمَ عنه، وقالَ: هذا عَقيلٌ أخي، ما قُضِيَ له فلي، وما قُضِيَ عليه فعَلَيَّ»، ووُكِّلَ عَبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ عندَ عُثمانَ، وقالَ: «إنَّ لِلخُصومةِ قُحَمًا، وإنَّ الشَّيطانَ لَيَحضُرُها، وإنِّي لَأكرَه أنْ أحضُرَها» (١)، قالَ أبو زِيادٍ: القُحَمُ: المَهالِكُ، وهذه قِصَصٌ انتَشَرَتْ لأنَّها في مَظِنَّةِ الشُّهرةِ، فلَم يُنقَلْ إنكارُها، فكانَ ذلك مِنهم إجماعًا على وَكالةِ الحاضِرِ.

وَلمَا رُوِيَ عن النَّبيِّ «أنَّه سمِع دَعْوَى حُوَيِّصةَ ومُحَيِّصةَ على يَهودِ خَيبَرَ أنَّهم قَتَلوا عَبدَ اللَّهِ بنَ سَهلٍ نِيابةً عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَهلٍ ووَليُّه كانَ حاضِرًا»، فما أنكَرَ دَعواهم له، مَع حُضورِه، فلَو كانَتْ وَكالَةُ الحاضِرِ غيرَ جائِزةٍ لَأنكَرَها حتى يَبتَدِئَ الوَليُّ بها، ألَا تَراه أنكَرَ على مُحَيِّصةَ حينَ ابتَدَأَ بالكَلامِ قبلَ حُوَيِّصةَ، وقالَ له: «كَبِّرْ كَبِّرْ»، وليسَ تَقديمُ الأكبَرِ بواجِبٍ، وإنَّما هو أدَبٌ، فكَيفَ يَكُفُّ عن إنكارِ ما هو واجِبٌ؟

ولأنَّ كلَّ مَنْ صَحَّ تَوكيلُه إذا كانَ غائِبًا أو مَريضًا صَحَّ تَوكيلُه، وإنْ كانَ

(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٢٩٩) رقم (٢٣٦٣٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٨١) رقم (١١٢٢٠).

حاضِرًا صَحيحًا، كالتَّوكيلِ في العُقودِ، واستِخراجِ الدُّيونِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ صَحَّ تَوكيلُه في العُقودِ مَع الغَيبةِ صَحَّ تَوكيلُه مَع الحُضورِ، كالمَريضِ والمُسافِرِ، ولأنَّه شَرطٌ في صِحَّتِه لا يَختلِفُ بمَرَضِ العاقِدِ وصِحَّتِه وحُضورِه وغَيبَتِه، كَسائِرِ العُقودِ.

ولأنَّه يَملِكُ مُباشَرَتَها بنَفْسِه مِنْ غيرِ رِضا خَصمِه، فكذا يَملِكُ التَّوكيلَ بها مِنْ غيرِ رِضا الخَصمِ، كَسائِرِ حُقوقِه.

ولأنَّ مَقصودَ الوَكالةِ إنَّما هو مَعونةُ مَنْ كانَ ضَعيفًا، أو صيانةُ مَنْ كانَ مَهيبًا، وهذا المعنَى مَوجودٌ في غيرِ المَعذورِ، كَوُجودِه في المَعذورِ؛ لأنَّه قَدْ يَكونُ له حَقٌّ أو يُدَّعَى عليه ولا يُحسِنُ الخُصومةَ، أو لا يُحِبُّ أنْ يَتوَلَّاها بنَفْسِه، ولأنَّ المُوكِّلَ قَدْ يَعجِزُ عن الحِجَاجِ مَع الحاضِرِ، ورُبَّما كانَ ممَّن تَشينُه الخُصوماتُ؛ لِعُلُوِّ مَنصِبِه، وقَد قالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «مَنْ بالَغَ في الخُصومةِ أثِمَ، ومَن قَصَّرَ فيها خُصِمَ» (١).

واستَدَلَّ الجُمهورُ أيضًا بما رَواه البُخاريُّ وعَنْوَنَ عليه: بابُ وَكالةِ

(١) «الذخيرة» (٨/ ٨)، و «الإشراف» (٣/ ٧٦، ٧٧) رقم (٩٣٤)، و «المعونة» (٢/ ٢٠٥)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٢٦)، و «منح الجليل» (٦/ ٣٥٩، ٣٦٠)، و «المبسوط» (١٩/ ٣، ٤)، و «البحر الرائق» (٧/ ٤٣)، و «الأم» (٧/ ١٢٠)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٠٢، ٥٠٤)، و «المهذب» (١/ ٣٤٨)، و «الشرح الكبير» للرافعي (٥/ ٢٠٦)، و «البيان» (٦/ ٣٩٧، ٣٩٩)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٨، ١٩٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٤)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٨، ٨٤٩)، و «المغني» (٥/ ٥٣)، و «الكافي» (٢/ ٢٣٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٤٩).

الشَّاهِدِ والغائِبِ جائِزةٌ، وكَتَبَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو إلى قَهرَمانِه وهو غائِبٌ عنه أنْ يُزَكِّي عن أهلِه الصَّغيرِ والكَبيرِ.

حدَّثنا أبو نُعَيمٍ حدَّثنا سُفيانُ عن سَلَمةَ بن كُهَيلٍ عن أبي سَلَمةَ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: كانَ لِرَجُلٍ على النَّبيِّ سِنٌّ مِنْ الإبِلِ، فجاءَه يَتقاضاه، فقالَ: أعطُوه. فطَلَبوا سِنَه فلَمْ يَجِدوا له إلَّا سَنًّا فَوقَها، فقالَ: أعطُوه. فقالَ: أوفَيْتَني أوْفَى اللَّهُ بِكَ. قالَ النَّبيُّ : «إنَّ خيارَكم أحسَنُكُم قَضاءً» (١).

قالَ ابنُ بَطَّالٍ رحمة الله عليه: هذا الحَديثُ حُجَّةٌ على أبي حَنيفةَ في قَوله: لا يَجوزُ تَوكيلُ الحاضِرِ بالبَلَدِ، الصَّحيحِ البَدَنِ، إلَّا برِضًا مِنْ خَصْمِه، أو عُذْرِ مَرَضٍ أو سَفَرِ ثَلاثةِ أيَّامٍ، وهذا الحَديثُ خِلافُ قَوله؛ لأنَّ النَّبيَّ أمَرَ أصحابَه أنْ يَقْضُوا عنه السِّنَّ التي كانَتْ عليه، وذلك تَوكيلٌ مِنه لهم على ذلك. ولَم يَكُنْ غائِبًا ولا مَريضًا ولا مُسافِرًا، وعامَّةُ الفُقهاءِ يُجيزونَ تَوكيلَ الحاضِرِ الصَّحيحِ البَدَنِ، وإنْ لَم يَرْضَ خَصْمُه بذلك، على ما دَلَّ عليه هذا الحَديثُ، وهذا قَولُ ابنِ أبي لَيلَى ومالِكٍ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ والشَّافِعيِّ، إلَّا أنَّ مالِكًا قالَ: يَجوزُ ذلك، وإنْ لَم يَرضَ خَصْمُه إذا لَم يَكُنِ الوَكيلُ عَدُوًّا لِلخَصمِ. وقالَ سائِرُهم: يَجوزُ ذلك، وإنْ كانَ الوَكيلُ عَدُوًّا لِلخَصمِ.

وقالَ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: اتَّفقَ الصَّحابةُ على جَوازِ ذلك، فرُوِيَ أنَّ علِيَّ

(١) «صحيح البخاري» (٢/ ٨٠٩) ح (٢١٨٢).

بنَ أبي طالِبٍ وكَّل عَقيلًا عندَ أبي بَكرٍ، فلمَّا أُسِرَ عَقيلٌ وكَّل عَبدَ اللَّهِ بنَ جَعفَرٍ، فخاصَمَ عَبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ طَلحةَ في صَغيرةٍ أحدَثَها علِيٌّ عندَ عُثمانَ، وأقَرَّ عُثمانُ بذلك، فصارَ ذلك إجماعًا، وقالَ النَّبيُّ لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَهلٍ الأنصاريِّ لمَّا خاصَمَ إليه في دَمِ أخيه عَبدِ اللَّهِ بنِ سَهلٍ، الذي وُجِدَ مَقتولًا بخَيبَرَ بمَحضَرٍ مِنْ عَمَّيْه حُوَيِّصةَ ومُحَيِّصةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ -يُريدُ وَل الكَلامَ في ذلك الكَبيرَ-، فتَكَلَّمَ حُوَيِّصةُ ثم مَحَيِّصةُ، وكانَ الوارِثُ عَبدَ اللَّهِ بنَ سَهلٍ دونَهما، فكانا وَكيلَيْنِ، وأمَّا إذا وكَّل وَكيلًا غائِبًا على طَلَبِ حَقِّه؛ فإنَّ ذلك يَفتَقِرُ إلى قَبولِ الوَكيلِ لِلوَكالةِ عندَ الفُقهاءِ، وإذا كانَتِ الوَكالةُ مُفتَقِرةً إلى قَبولِ الوَكيلِ، فحُكمُ الغائِبِ والحاضِرِ فيها سَواءٌ، فإنْ قيلَ: فأينَ القَبولُ في حَديثِ أبي هُرَيرةَ؟ قيلَ: عَملُهم بأمْرِ النَّبيِّ مِنْ تَوفِيةِ صاحِبِ الحَقِّ حَقَّه، قَبولٌ مِنهم لِأمْرِه (١).

وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ في أنَّه يَجوزُ التَّوكيلُ بالخُصومةِ في إثباتِ الدَّيْنِ والعَينِ وسائِرِ الحُقوقِ برِضا الخَصمِ، حتى يَلزَمَ الخَصمَ جَوابُ التَّوكيلِ.

والأصلُ فيه ما رُوِيَ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ رضي الله عنه «أنَّ سَيِّدَنا عَلِيًّا رضي الله عنه كانَ لا يَحضُرُ الخُصومةَ، وكانَ يَقولُ: إنَّ لها لُحَمًا يَحضُرُها الشَّياطينُ، فجعَل الخُصومةَ إلى عَقيلٍ رضي الله عنه، فلمَّا كَبِرَ ورَقَّ حَولها إلَيَّ، وكانَ عَلِيٌّ يَقولُ: ما قُضِي لِوَكيلي فلي، وما قُضِيَ على وَكيلي فعَلَيَّ».

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٤٣٩، ٤٤٠).

وَمَعلومٌ أنَّ سَيِّدَنا عِلِيًّا رضي الله عنه لَم يَكُنْ ممَّن يَرفُضُ أحَدٌ تَوكيلَه، فكانَ تَوكيلُه برِضَا الخَصمِ، فدَلَّ على الجَوازِ برِضَا الخَصمِ، واختُلِفَ في جَوازِه بغيرِ رِضَا الخَصمِ.

قالَ أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ مِنْ غيرِ عُذرِ المَرَضِ والسَّفَرِ، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: يَجوزُ في الأحوالِ كلِّها، وهو قَولُ الشَّافِعيِّ رحمة الله عليه.

وذكَر الجَصَّاصُ أنَّه لا فَصلَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ والبِكرِ والثَّيِّبِ، لكنَّ المُتَأخِّرينَ مِنْ أصحابِنا استَحسَنوا في المَرأةِ إذا كانَتْ مُخَدِّرةً غيرَ بَريزةٍ أنها يَجُوزُ تَوكيلُها، وهذا استِحسانٌ في مَوضِعِه.

وقالَ ابنُ أبي لَيلَى: لا يَجوزُ إلَّا تَوكيلُ البِكرِ، وهذا غيرُ سَديدٍ؛ لِمَا ذُكِرَ.

وَجهُ قَولهم: إنَّ التَّوكيلَ بالخُصومةِ صادَفَ حَقَّ المُوكِّلِ، فلا يَقِفُ على رِضا الخَصمِ، كالتَّوكيلِ باستِيفاءِ الدَّيْنِ، ودِلالةُ ذلك أنَّ الدَّعوَى حَقُّ المُدَّعِي، والإنكارَ حَقُّ المُدَّعَى عليه، فقَد صادَفَ التَّوكيلُ مِنْ المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه حَقَّ نَفْسِه، فلا يَقِفُ على رِضا خَصمِه، كما لو كانَ خاصَمَه بنَفْسِه.

وَلأبي حَنيفةَ رحمة الله عليه أنَّ الحَقَّ هو الدَّعوَى الصَّادِقةُ والإنكارُ الصَّادِقُ، ودَعوَى المُدَّعِي خَبَرٌ يَحتَمِلُ الصِّدقَ والكَذِبَ والسَّهوَ والغَلَطَ، وكذا إنكارُ المُدَّعَى عليه، فلا يَزدادُ الِاحتِمالُ في خَبَرِه بمُعارَضةِ خَبَرِ المُدَّعِي، فلَم يَكُنْ كلُّ ذلك حَقًّا، فكانَ الأصلُ ألَّا يَلزَمَ به جَوابٌ، إلَّا أنَّ الشَّرعَ ألزَمَ الجَوابَ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل

اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 326 - 333

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله