التوكيل والنيابة في الصيام

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > التوكيل والنيابة في الصيام

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

التوكيل والنيابة في الصيام - الأقوال والأدلة

وَيَصحُّ أيضًا أنْ يَنويَ رَفْعَ الحَدَثِ ويَستَنيبَ مَنْ يَصُبُّ له الماءَ أو يَغسِلُ له أعضاءَه (١).

التَّوكيلُ والنِّيابةُ في الصِّيامِ:

لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ في الصِّيامِ، فلا يَصحُّ لِأحَدٍ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَصومُ عنه في حالِ الحَياةِ بحالٍ، واختَلَفوا: هَلْ تَدخُلُه النِّيابةُ بعدَ المَماتِ أو لا؟

فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ في الجَديدِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ أنْ يَصومَ أحَدٌ عن أحَدٍ؛ لأنَّ الصِّيامَ مِنْ الواجِبِ الذي تُعُبِّدَ به الإنسانُ في عَينهِ؛ لأنَّ ما تُعُبِّدَ به في عَينِه، كالوُضوءِ والصَّلاةِ والصِّيامِ، لا يَصحُّ أنْ يُنيبَ في ذلك غيرَه (٢).

قالَ ابنُ العَرَبيِّ رحمة الله عليه: الصِّيامُ لا تَجوزُ النِّيابةُ فيه بحالٍ (٣).

(١) «المغني» (٣/ ٩١، ٩٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥١٠)، و «الفروع» (٣/ ١٨٣).
(٢) «ابن عابدين» (١/ ٣٥٥)، و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٦)، و «المقدمات الممهدات» (٣/ ٥١)، و «البيان» (٦/ ٣٩٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٨٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣١)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٥)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٦)، و «المغني» (٥/ ٥٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٠٥)، و «المبدع» (٤/ ٣٥٨)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٥٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٠٧).
(٣) «أحكام القرآن» (٣/ ٢٢١).

قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: المَقصودُ الأصلِيُّ مِنْ التَّكاليفِ الِابتِلاءُ؛ لِيَظهَرَ مِنْ المُكَلَّفِ ما سبَق العِلمُ الأزَليُّ بوُقوعِه مِنه، مِنْ الِامتِثالِ بالصَّبرِ على ما أُمِرَ به، تارِكًا هَوَى نَفْسِه؛ لِإقامةِ أمْرِ رَبِّه، فيُثابَ، أو من المُخالَفةِ فيُعفَى عنه أو يُعاقَبَ، فتحقَّقَ بذلك آثارُ صِفاتِه تَعالى؛ فإنَّه تَعالى اقتَضَتْ حِكمَتُه الباهِرةُ وكمالُ فَضلِه وإحسانِه ألَّا يُعَذِّبَ بما علِم أنَّه سَيَقَعُ مِنْ المُخالَفةِ قبلَ ظُهورِه عن اختِيارِ المُكَلَّفِ.

ثم مِنْ التَّكاليفِ العِباداتُ، وهي بَدنيَّةٌ وماليَّةٌ ومُركَّبةٌ مِنهُما، والمَشقَّةُ في البَدنيَّةِ تُقيِّدُ الجَوارِحَ والنَّفْسَ بالأفعالِ المَخصوصةِ في مَقامِ الخِدمةِ … فكلُّ ما تَضمَّن المَشقَّةَ لا يَخرُجُ عن عُهدَتِه إلَّا بفِعلِه بنَفْسِه؛ إذْ بذلك يَتحقَّقُ مَقصودُ الِابتِلاءِ والِاختِبارِ؛ فلِذا لَم تَجُزِ النِّيابةُ في البَدنيَّةِ؛ لأنَّ فِعلَ غيرِه لا يَتحقَّقُ به الِاشتِقاقُ على نَفْسِه بمُخالَفةِ هَواها بالصَّبرِ عليه (١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وجُملةُ الأعمالِ أنَّها تَنقَسِمُ إلى أربَعةِ أقسامٍ: قِسمٍ يَجوزُ فيه التَّوكيلُ مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه، مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع العَجزِ، ولا يَجوزُ مَع القُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع القُدرةِ، واختَلَفوا في جَوازِ التَّوكيلِ فيه مَع العَجزِ … فَممَّا لا يَجوزُ فيه التَّوكيلُ مَع القُدرةِ واختَلفَ قَولُه في جَوازِ التَّوكيلِ فيه مَع العَجزِ، الصِّيامُ؛ فإنَّ مَنْ وجَب عليه الفَرضُ حَيًّا لَم يَجُزِ الصِّيامُ عنه، سَواءٌ كانَ عاجِزًا أو مُطيقًا، وإنْ كانَ مَيِّتًا كانَ الشَّافِعيُّ يَقولُ في

(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ١٤٥، ١٤٦).

القَديمِ: يَجوزُ الصِّيامُ عنه؛ لِخَبَرٍ رُوِيَ فيه، ورجَع عنه في الجَديدِ، ومَنعَ مِنْ الصِّيامِ عنه لِضَعفِ الخَبَرِ، واحتِمالِ التَّأويلِ فيه إنْ صَحَّ (١).

وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيُّ في القَديمِ -وهو اختِيارُ النَّوَويِّ- إلى أنَّ مَنْ ماتَ وعليه صَومٌ مَنذورٌ صامَ عنه وَليُّه.

قالَ في «الإنصافِ»: يُستحَبُّ لِلوَليِّ فِعلُه، واعلَمْ أنَّه إذا كانَ له تَرْكُه وجَب فِعلُه، فيُستحَبُّ لِلوَليِّ الصَّومُ، وله أنْ يَدفعَ إلى مَنْ يَصومُ عنه مِنْ تَرِكَتِه عن كلِّ يَومٍ مِسكينًا؛ فَإنْ لَم يَكُنْ له تَرْكُه لَم يَلزَمْه شَيءٌ (٢).

واستَدَلَّ الحَنابِلةُ والنَّوَويُّ على ذلك بما يَأتي:

١ - بحَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعليها صَومُ شَهرٍ [وفي رِوايةٍ: صَومُ نَذْرٍ] أفَأقْضيه عَنها؟ فقالَ: «لَوْ كَانَ على أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ تَقْضِيهُ عَنْهَا؟»، قالَ: نَعم، قالَ: «فدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقضَى» (٣).

٢ - بحَديثِ بُريدةَ قالَ: بَينا أنا جالِسٌ عندَ رَسولِ اللَّه ؛ إذْ أتَتْه امرَأةٌ، فقالَتْ: إنِّي تَصَدَّقتُ على أُمِّي بجاريةٍ، وإنَّها ماتَتْ، قالَ: فقالَ: «وجَب أجرُكِ، ورَدَّها عَلَيكِ المِيراثُ»، قالَت: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّه كانَ عليها

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٩٧).
(٢) «الإنصاف» (٣/ ٣٣٦، ٣٣٧)، ويُنظر أيضًا: «مراقي الفلاح» (٣٧٥)، و «جواهر الإكليل» (١/ ١٦٣)، و «المجموع» (٧/ ٦١٨، ٦٢٧)، و «الإفصاح» (١/ ٤١٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل

اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 366 - 368

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله