الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > الوكالة في الرهن
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةالمُوكِّلُ تَصرُّفَ وَكيلِه المُخالِفِ؛ لأنَّ الإجازةَ اللَّاحِقةَ كالوَكالةِ السَّابِقةِ (١).
الوَكالةُ في الرَّهْنِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الرَّهنِ، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: يَجوزُ التَّوكيلُ في الرَّهنِ … لا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا (٢)؛ لأنَّ الوَكيلَ هُنا سَفيرٌ مَحضٌ، والسَّفيرُ حاكٍ قولَ غيرِه، ومَن حَكَى قولَ غيرِه لا يَلزَمُه حُكمُ ذلك القَولِ، كَمَنْ حَكَى قَذْفَ غيرِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قاذِفًا، ومَن حَكَى كُفرَ غيرِه لا يَكونُ كافِرًا (٣).
وَصُورةُ تَوكيلِ الوَكيلِ على أنْ يَرهَنَ له رَهنًا على دَيْنٍ في ذِمَّتِه، أو على ما يَترَتَّبُ في ذِمَّتِه مِنْ الدَّينِ، أو أنْ يَرتَهِنَ له رَهنًا مِنْ شَخصٍ في ذِمَّتِه دَيْنٌ لِلمُوكِّلِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا أنْ يَرهَنَ ما هو جارٍ في يَدِه ومِلْكِه وتَصرُّفِه، وهو كذا وكذا على ما هو مُستَقِرٌّ في ذِمَّتِه مِنْ الدَّيْنِ الشَّرعيِّ لِفُلانٍ، بمُقتَضَى مَسطورٍ شَرعيٍّ مَبلَغُه كذا، مُؤَرَّخٍ بكذا، وعلى ما سَيَستَقِرُّ في ذِمَّتِه لِفُلانٍ مِنْ الدَّيْنِ الشَّرعيِّ رَهنًا شَرعيًّا، ويُسلِّمُه لِلمُرتهَنِ المَذكورِ على ذلك تَسليمًا شَرعيًّا.
وإنْ يَرتَهِنَ له مِنْ فُلانٍ كذا وكذا، على ما له في ذِمَّتِه مِنْ الدَّيْنِ الشَّرعيِّ ارتِهانًا شَرعيًّا بشُروطِه الشَّرعيةِ، ويَتَسلَّمُه لِمُوكِّلِه المَذكورِ تَسلُّمًا شَرعيًّا على الوَجْه الشَّرعيِّ تَوكيلًا شَرعيًّا قبلَه مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ.
(١) «المبسوط» (٢٣/ ١٣٧، ١٣٩)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ٢٦٦).
(٢) «المغني» (٥/ ٥٢).
(٣) «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧١).
وَصورةُ تَوكيلِ الرَّاهِنِ في بَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الدَّيْنِ ودَفْعِه لِلمُرتهَنِ، وأحسَنُ ما يُكتَبُ في ذَيلِ مَسطورِ الدَّينِ بعدَ استِيفاءِ ذِكْرِ الرَّهنِ أنْ يَقولَ -وبعدَ تَمامِ ذلك، ولُزومِه شَرعًا-: وكَّل فُلانٌ الرَّاهِنُ المُسمَّى أعلاه فُلانًا في بَيع الرَّهنِ المَذكورِ عندَ حُلولِه، وبعدَه، بثَمَنِ المِثلِ، وما قارَبَه ممَّن يَرغَبُ في ابتِياعِه، وفي قَبضِ الثَّمَنِ وتَسليمِ المَبيعِ أو في مُقاصَصَةِ المُشتَرِي إنْ كانَ هو المُرتهَنَ بالثَّمَنِ الواقِعِ عليه عندَ عَقدِ البَيعِ إلى نَظيرِه مِنْ الدَّيْنِ المُعيَّنِ أعلاه، وفي المُكاتَبةِ والإشهادِ على الرَّسمِ المُعتادِ تَوكيلًا شَرعيًّا قبلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ (١).
وقالَ السَّرخَسيُّ: قالَ رحمة الله عليه: وإذا دفَع الرَّجلُ إلى رَجُلٍ مَتاعًا، فقالَ: بِعْه أوِ ارهَنْ به لي، ففَعلَ، فهو جائِزٌ في قَولِ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه، سَواءٌ كانَ الرَّهنُ مثلَ الثَّمَنِ أو أقَلَّ، بما لا يَتغابَنُ النَّاسُ فيه؛ لأنَّ الأمرَ بالِارتِهانِ مُطلَقٌ، فيَجري على إطلاقِه ما لَم يَقُمْ دَليلُ التَّقييدِ.
وَعندَهُما لا يَجوزُ إلَّا أنْ يَرتَهِنَ رَهنًا مثلَ الثَّمَنِ، أو أقَلَّ، بما يَتغابَنُ النَّاسُ فيه بِناءً على أصلِهما أنَّ التَّقييدَ يَحصُلُ بدِلالةِ العُرفِ.
ولو باعَه ولَم يَرتَهِنْ به رَهنًا لَم يَجُزِ البَيعُ؛ لأنَّ الآمِرَ قَيَّدَ التَّوكيلَ بما فيه مَنفعةٌ له، وهو الِارتِهانُ بالثَّمَنِ؛ لِيَكونَ حَقُّه مَضمونًا، ولِيَندَفِعَ عنه ضَرَرُ الثَّواءِ عندَ مَوتِ المُشتَرِي مُفلِسًا؛ فإذا باعَه ولَم يَرتَهِنْ به لَم يَحصُلْ مَقصودُه الذي صرَّح به، فلا يَنفُذُ تَصرُّفُه فيه، كما لو قالَ: بِعْه واشتَرِطِ الخِيارَ ثَلاثةَ أيَّامٍ.
(١) «جواهر العقود» (١/ ١٦٧).
ولو قالَ: بِعْه برَهْنِ ثِقةٍ، فارتَهَنَ رَهنًا أقَلَّ مِنه، بما يَتغابَنُ النَّاسُ فيه جازَ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِنه بما لا يَتغابَنُ النَّاسُ فيه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه قَيَّدَ الِارتِهانَ هُنا بأنْ يَكونَ ثِقةً، وهو عِبارةٌ عَمَّا يَكونُ في مالِيَّتِه وَفاءً بالدَّينِ، فيَتقيَّدُ به، إلَّا أنَّ قَدْرَ ما يَتغابَنُ النَّاسُ فيه لا يُمكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، فكانَ عَفْوًا.
قالَ: وإنِ ارتَهَنَ رَهْنًا ثِقةً وقَبَضَه ثم رَدَّه على صاحِبِه جازَ رَدُّه في حَقِّ نَفْسِه؛ لأنَّه بمَنزِلةِ العاقِدِ لِنَفْسِه، والِارتِهانُ لِاستِيفاءِ الثَّمَنِ، وحَقُّ القَبضِ إلى الوَكيلِ، حتى لو أبرَأَ المُشتَريَ مِنه كانَ صَحيحًا؛ فإذا رَدَّه عليه الرَّاهِنُ بسَبَبٍ، كانَ صَحيحًا أيضًا، ولكنَّه يَصيرُ ضامِنًا له، ولَم يَذكُرْ خِلافَ أبي يُوسفَ رحمة الله عليه هُنا، قيلَ: على قَوله لا يَصحُّ رَدُّ الرَّهنِ بِناءً على الأصلِ الذي ذَكَرْنا، وقيلَ: لا يَصحُّ هُنا؛ لأنَّه ليسَ فيه إبطالُ شَيءٍ مِنْ الثَّمَنِ، وهو مِنْ صُنعِ التُّجَّارِ، فيَملِكُه.
قالَ: وإنْ وَضَعَه على يَدَيْ عَدْلٍ فهو جائِزٌ؛ لأنَّ كَونَ الرَّهنِ على يَدَيْ عَدْلٍ، أو على يَدَيِ الوَكيلِ، سَواءٌ في حَقِّ المُوكِّلِ، وهو اختِصاصُه الرَّهنُ عندَ تَعذُّرِ استِيفاءِ دْينِه مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ، ولَم يُقيِّدِ الأمْرَ بيَدِ الوَكيلِ، فلا يَتقيَّدُ به، وليسَ لِلمُوكِّلِ قَبضُ الرَّهنِ؛ لأنَّ المُشتَريَ ما رَضيَ بقَبضِه، إنَّما رَضيَ بقَبضِ العَدلِ، أو قَبضِ الوَكيلِ، ورِضاه مُعتبَرٌ في مِلْكِه، وكَذلك الجَوابُ في القَرضِ برَهْنٍ في جَميعِ ما ذَكَرْنا.
قالَ: وإذا دفَع إلى رَجُلٍ مِئةَ دِرهَمٍ فقالَ له: ائْتِ بها فُلانًا، وقُلْ له: إنَّ فُلانًا أقرَضَكَ هذه على أنْ تُعطِيَه بها رَهنًا، وأمَرَني أنْ أقبِضَ الرَّهنَ مِنكَ، فَأْتِه
به، ففَعلَ وقبَض الرَّهنَ فهو جائِزٌ، والرَّهنُ مَقبوضٌ، ولِلآمِرِ أنْ يَقبِضَه مِنْ الوكيل؛ لأنَّه جعَله رَسولًا حينَ أمَرَه أنْ يُضيفَ ما يَقولُ له إلى الآمِرِ، وقَد بلَغ الرِّسالةَ، وليسَ على الرَّسولِ إلَّا تَبليغُ الرِّسالةِ، فأمَّا شَيءٌ مِنْ الحُقوقِ لا يَتعلَّقُ بالرَّسولِ فكانَ لِلآمِرِ أنْ يَقبِضَ الرَّهنَ مِنْ الوَكيلِ، وأنْ يُطالِبَ المُستَقرِضَ بدَيْنِه، إلَّا أنَّ الرَّهنَ يَتمُّ بقَبضِ الرَّسولِ؛ لأنَّه نائِبٌ عن المُرسِلِ في قَبضِه لِنائِبِه، فتَمَّ الرَّهنُ بقَبضِه، وإذا هَلكَ في يَدِه هَلكَ مِنْ مالِ الآمِرِ، وإنْ قالَ: أقرِضْ أنتَ وخُذْ بها رَهنًا، لَم يَكُنْ لِلآمِرِ أنْ يَأخُذَ الرَّهنَ مِنْ الوَكيلِ؛ لأنَّه بمُباشَرةِ العَقدِ كانَ وَكيلًا لا رَسولًا، فقَد أضافَ العَقدَ إلى نَفْسِه، فتَتعلَّقُ حُقوقُه به، وإنَّما رَضيَ المُستَقرِضُ بكَونِ الرَّهنِ في يَدِه دونَ غيرِه، فلِهذا لا يَكونُ لِلآمِرِ أنْ يَأخُذَه، بخِلافِ ما سبَق، وإنْ هَلكَ في يَدِ الوَكيلِ هَلكَ مِنْ مالِ الآمِرِ نَفْسِه أيضًا؛ لأنَّه عامِلٌ له فيما صَنَعَ، فقَبضُه كَقَبضِ الآمِرِ.
قالَ: وإنْ دفَع إليه ثَوبًا يُساوي عَشَرةَ دَراهِمَ ووكَّله أنْ يَرهَنَه بعَشَرةٍ، ففَعلَ وقبَض العَشَرةَ، فإنْ كانَ قالَ لِلَّذي أعطاه المال: إنَّ فُلانًا أرسَلَني إلَيكَ بهذا الرَّهنِ لِتُقرِضَه عَشَرةَ دَراهِمَ وتَرتَهِنَ هذا الثَّوبَ مِنه بدَراهِمَ، فالدَّراهِمُ لِلآمِرِ، والوَكيلُ فيها أمينٌ؛ لأنَّه أخرَجَ الكَلامُ مَخرَجَ الرِّسالةِ حينَ أضافَه إلى الآمِرِ، فانعقَد العَقدُ لِلمُرتهَنِ مَع الآمِرِ حتى لا يَكونَ لِلرَّسولِ أنْ يَستَرِدَّ هذا الثَّوبَ، فلا يَكونُ هذا مُطالَبًا بالعَشَرةِ، وإنْ كانَ قالَ لِلمُقرِضِ: أقرِضْني عَشَرةَ دَراهِمَ، وارتَهِنْ هذا الثَّوبَ مِنِّي، فالعَشَرةُ لِلوَكيلِ؛ لأنَّه أضافَ العَقدَ إلى نَفْسِه، فلَم يَكُنْ رَسولًا، ولا يُمكِنُ أنْ يُجعَلَ وَكيلًا؛ لأنَّ
التَّوكيلَ بالِاستِقراضِ لا يَجوزُ؛ فإنَّ المُستَقرِضَ يَلتزِمُ بَدَلَ القَرضِ في ذِمَّتِه، ولو قالَ: بِعْ شَيئًا مِنْ مالِكَ على أنْ يَكونَ ثَمَنُه لي، لا يَصلُحُ، فكَذلك إذا قالَ: التَزِمِ العَشَرةَ في ذِمَّتِكَ على أنْ يَكونَ عِوَضُه لي، وكانَ التَّوكيلُ بالِاستِقراضِ قِياسَ التَّوكيلِ، فكانَ باطِلًا، والعَشَرةُ لِلوَكيلِ، وله أنْ يَمنَعَها مِنْ الآمِرِ، وإنْ هَلَكَتْ مِنْ مالِه، وليسَ هذا الخِلافُ مِنه لِلآمِرِ.
وإنْ كانَ قالَ: استَقرِضْ لي، ما بينَا أنَّ التَّوكيلَ لَم يَصلُحْ، فاستِقراضُه لِنَفْسِه ولِغيرِه في الحُكمِ سَواءٌ، وهذا تَقييدٌ غيرُ مُفيدٍ؛ فلا يَكونُ مُعتبَرًا.
قالَ: وإنْ كانَ قالَ له صاحِبُ الثَّوبِ: قُلْ لِفُلانٍ يُقرِضُني وأعطِه هذا الثَّوبَ برِسالَتي رَهنًا عَنّيِ، فأضافَ الوَكيلُ العَقدَ إلى نَفْسِه، كانَ مُخالِفًا ضامِنًا لِلثَّوبِ، ولا يَجوزُ رَهْنُه؛ لأنَّ صاحِبَ الثَّوبِ جعَله رَسولًا وَكيلًا هُنا، فيَكونُ ذلك إذْنًا مِنه له في إضافةِ العَقدِ إلى نَفْسِه (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: تَجوزُ الوَكالةُ في عَقدِ الرَّهنِ وقَبضِه وإقباضِه (٢).
وقالَ ابنُ هُبَيرةَ رحمة الله عليه: واختَلَفوا فيما إذا وكَّل وَكيلًا في بَيعِ الرَّهنِ، ثم عزَله. فقالَ الشَّافِعيُّ وأحمَدُ: له ذلك. وقالَ أبو حَنيفةَ: ليسَ ذلك إليه، إذا كانَ التَّوكيلُ في الرَّهنِ نَفْسِه، فأمَّا إذا وكَّله في البَيعِ بعدَ تَمامِ الرَّهنِ فله عَزلُه. وقالَ مالِكٌ: له عَزلُه على الإطلاقِ (٣).
(١) «المبسوط» (١٩/ ٧٧، ٧٩).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٠)، و «البيان» (٦/ ٣٩٦)، وباقي المصادر السابقة.
(٣) «الإفصاح» (١/ ٤١٩).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان ركن التوكيل
لِأَنَّهُ أَدَّى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانُ رُكْنِ التَّوْكِيلِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ رُكْنِ التَّوْكِيلِ.
فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَالْإِيجَابُ مِنْ الْمُوَكِّلِ أَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ بِكَذَا " أَوْ " افْعَلْ كَذَا " أَوْ " أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا " وَنَحْوُهُ.
وَالْقَبُولُ مِنْ الْوَكِيلِ أَنْ يَقُولَ: " قَبِلْتُ " وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا بِقَبْضِ دَيْنِهِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ الْوَكِيلُ فَقَبَضَهُ لَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَبْلَ وُجُودِ الْآخَرِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
ثُمَّ رُكْنُ التَّوْكِيلِ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا؛ وَقَدْ يَكُونُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: " إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ فَأَنْتَ وَكِيلِي فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ " وَقَدْ يَكُونُ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ بِأَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ غَدًا " ، وَيَصِيرُ وَكِيلًا فِي الْغَدِ فَمَا بَعْدَهُ، وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا قَبْلَ الْغَدِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْإِضَافَةَ إلَى الْوَقْتِ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَإِذْنِ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ، وَالتَّمْلِيكَاتُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدُّيُونِ، وَالتَّقْيِيدَاتُ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، وَالرَّجْعَةُ، وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ فِي شَرَائِط الْوَكَالَة
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.
وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الثاني في أحكام الوكالة
الإقرار اختلفوا في مطلق الوكالة على الخصومة هل يتضمن الإقرار أم لا؟ فقال مالك: لا يتضمن. وقال أبو حنيفة: يتضمن.
الركن الرابع: وأما الوكالة فهي عقد يلزم بالإيجاب والقبول كسائر العقود وليست هي من العقود اللازمة بل الجائزة على ما نقوله في أحكام هذا العقد. وهي ضربان عند مالك: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تقع عنده بالتوكيل العام الذي لا يسمى فيه شيء دون شيء وذلك أنه إن سمى عنده لم ينتفع بالتعميم والتفويض، وقال الشافعي: لا تجوز الوكالة بالتعميم وهي غرر، وإنما يجوز منها ما سمي وحدد ونص عليه، وهو الأقيس إذ كان الأصل فيها المنع، إلا ما وقع عليه الإجماع.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الوكالة
الْبَابُ الثَّانِي
فِي الْأَحْكَامِ
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَمِنْهَا أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ فِعْلِ الْوَكِيلِ.
فَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَدَعَ الْوَكَالَةَ مَتَى شَاءَ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ حُضُورَ الْمُوَكَّلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ. قَالُوا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ.
ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.